الأدب والحياة
محمد طاهر محمد
رغم ان فكرة الربط بين الأدب والحياة لم تبرز الا في العصور الحديثة إلا انها كانت موجودة في كل العصور القديمة؛ فالعلاقة بين الشعر والحياة لم تؤخذ باهتمام النقد القديم ولم تدخل في اطار نظرية النقد حيث لم يشغل الوعي بالدور الاجتماعي النقاد القدامى الذين انصب اهتمامهم على القيم الجمالية فكانوا يحاسبون الشعراء عليها متتبعين في ذلك مواطن اجادتهم ومحصين عليهم اخطاءهم وعيوبهم واذا انتقلوا الى القيم المعنوية في القصيدة كان موقفهم من المعاني انعكاسا لموقفهم الجمالي فصحة المعنى في ذاته او خطؤه وما تحمل القصيدة من ابتكار وبديع واقتفاء لمعنى سابق كان يشغلهم عن القيمة الاجتماعية للعمل الشعري على الرغم من ان الشعر القديم لم يكن منفصلا ابدا عن قضايا الناس الحيوية ومشكلاتهم الاجتماعية فالشعر الصادق – مهما كان تعبيرا ذاتيا عن صاحبه – انما يمس من قريب او بعيد ظروف الحياة التي يعيشها المجتمع سواء أكان الشاعر نفسه على وعي بهذه الحقيقة ام لا ولكن النقد لم يأخذ بهذا الوعي بمقدار اخذه بالاعتبارات الفنية وقد طغى هذا الموقف على التفكير القديم للشعر رغم ان هناك قصائد كثيرة لها اهميتها الكبيرة من وجهة النظر الاجتماعية فعندما نقرأ للمتنبي والمعري وابن الرومي وغيرهم نجد ذلك التفاعل القوي بين الشاعر وظروف مجتمعه ونجد فضلاً عن القيم الفنية قيما اجتماعية انسانية عبّر عنها الشاعر لكنها لم تؤخذ بالحسبان. وحتى عندما تبلورت فكرة (الفن للحياة) او (الفن للمجتمع) نجد ان هذه الفكرة لم تتحقق في ميدان الأدب بصورة عملية فالكثير من الشعراء الحداثويين يظنون ان هذه الفكرة تحط من جلال الشعر وان المشكلات البسيطة اليومية تافهة لا تستحق من الشاعر الاهتمام بها. ان انهماك الشاعر في قضايا عصره وتفهمه لمشكلات الحياة مهما ارتبطت بظروف طارئة لا يناقض طبيعة الشعر فلا يمكن للشاعر ان يعيش في عزلة نفسية عن الحياة بل يلزم الأديب ان يكون مندمجا فيها ويحدد موقفه منها ولعل عبارة الشاعر الانكليزي (كولردج) قد حددّت هذه العلاقة تحديدا عميقا حينما قال (الأدب هو نقد للحياة) ان الشاعر حينما يتعامل مع هذ المشكلات فانه يتعامل معها تعاملا انسانيا يتماشى مع واقع مجتمعه وفهمه لها لأنها تشكل في مجموعها اطار الحياة التي يعيشها.