المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العولمة النقدية: نهاية العملات القومية



bode
28-Jan-2008, 01:38
العولمة النقدية: نهاية العملات القومية

أفضى الاضطراب النقدي العالمي إلى لجوء بعض الدول إلى القومية النقدية، أي أن تقوم تلك الدول بالسيطرة على عملاتها المحلية. إلا أن المُشكل يتمثل في تناقض العولمة مع القومية النقدية؛ إذ يُعتبر الاثنان خليطاً متضارباً ومخيفاً، الأمر الذي قد يسبب أزمات مالية وتوترات جيو-سياسية فيما بعد. ومن ثم، فإن العالم بحاجة إلى اجتناب العملات غير المرغوب فيها، وإحلالها بالدولار واليورو".

هذا مقطع من تحليل نشرته مجلة "فورين آفيرز" تحت عنوان "نهاية العملة القومية"، في عدد مايو/يونيو 2007. كاتب التحليل هو "بين ستيل" الذي يعمل مديراً للاقتصاد الدولي بمجلس العلاقات الخارجية بواشنطن.

صعود القومية النقدية

يبدأ "ستيل" تحليله بالتحدث عن أزمة العملة الممتدة طيلة الـ25 سنة الماضية. وهي الأزمة التي أضرت دولاً كثيرة في مختلف المناطق؛ من أميركا اللاتينية إلى آسيا إلى روسيا وتركيا. والحقيقة، أن المؤسسات الدولية قد مُنيت بفشلٍ ذريع في التصدي لتلك الأزمة، وفي تقديم حلٍ شامل يرقى إلى مستوى التحدي، كما يؤكد "ستيل".

أما مناهضو العولمة من رجال الاقتصاد، فقد صبوا جام غضبهم ونقدهم على الأسواق والمؤسسات المؤيدة لها، مثل "صندوق النقد الدولي" الذي يصفه "جوزيف ستيجليتس" – وهو من أشهر الاقتصاديين المناهضين للعولمة– بـ"ديكتاتورية التمويل الدولي".

ويطرح "ستيل" هنا التساؤلين التاليين: هل انتقاد الأسواق بدلاً من الحكومات هو الرأي الصائب؟ وهل إعادة السيادة للحكومات ستضع النهاية لعدم الاستقرار المادي والنقدي والتمويلي؟ ويجيب كاتب التحليل قائلاً: "إن المنهج الصحيح لحل أزمة العملة ليس بالرجوع إلى الماضي الأسطوري للسيادة النقدية للحكومات، وسيطرتها على العملات المحلية في تجاهلٍ تام لبقية العالم؛ وإنما المنهج الصحيح هو نسيان تلك الفكرة الخاطئة التي تزعم بأن القومية في حاجةٍ إلى السيطرة على المال المتواجد في داخل الإقليم القومي".

العصر الذهبي

يستأنف مدير الاقتصاد الدولي بمجلس العلاقات الخارجية حديثه، منتقلاً إلى العصر الذهبي الممتد منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى؛ إذ كان المال حينذاك يُساوي الذهب. كان تدفق رأس المال، في تلك الفترة، مهولاً حتى إذا ما قيس بالمعايير الراهنة. ولا غرابة أن نجد "ستيل" يُسمي تلك الفترة بـ"المرحلة الأخيرة العظيمة للعولمة" التي قلما وُجدت فيها أزمات في العملة؛ وإن وُجدت فهي سطحية وقصيرة الأمد.

إلا أن تلك "المرحلة" قاربت على النهاية بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، حيث بدأت العلاقة بين المال والذهب تختل إلى حدٍ ما؛ وهو أمر نتج عن ذيوع قناعةٍ ما تقول: إن العولمة بحاجة إلى مال صلب (أي عملة ورقية).

وبعد الحرب العالمية الثانية، في ستينيات القرن العشرين، توجه الاقتصاديون نحو قناعةٍ تقول: إن صناع السياسة قادرون على ضبط الطلب القومي في مواجهة "صدمات" العرض والطلب العالميين. وتمخضت عن هذه القناعة نظرية الـOptimum Currency Areas التي استندت إليها الحكومات فيما بعد، كحُجة فكرية للدفاع عن القومية النقدية.

تحرير التجارة قلب الموازين في الدول النامية

تناول "ستين" قضية تحرير التجارة التي قلبت، من وجهة نظره، موازين وقوانين الاستثمار في الدول النامية. فقد كان هدف استثمار الدول الخارجية في الدول النامية مُتمثلاً أولاً في الحصول على المواد الخام للتصدير، وثانياً في الوصول إلى الأسواق المحلية "المحمية" من السلع المستوردة المنافسة.

إلا أن ذلك تم إجهاضه على يد العولمة التي فتحت أبواب الدول النامية للمستثمر تحت شعار تحرير التجارة؛ فلم تعد الأسواق المحلية محمية. ومن ثم، تغيرت دوافع وقوانين الاستثمار في تلك الدول؛ وهو ما ألحق بها أضراراً بالغة.

إضافةً إلى ذلك، كما يشير "ستيل"، عزوف الدول الصناعية عن استخدام عملات الدول النامية، الأمر الذي أدى بالأنظمة المالية لتلك الدول إلى عزلةٍ عن النظام العالمي. هذا غير ما يتطلبه الاقتصاد المتعولم من استقرارٍ نقدي، تعجز عن إيجاده الدول النامية.

الأرجنتين مثال سيئ للقومية النقدية

يُلاحظ وقوف الكاتب ضد القومية النقدية على طول الخط. ويُلاحظ معارضته للاقتصادي المشهور "ستيجليتس" – المناهض المعروف للعولمة – الذي طرح القومية النقدية كحل للفوضى "العُملاتية" التي بدأت بذورها منذ عام 1971، حينما أعلن الرئيس الأميركي "ريتشارد نيكسون" فض العلاقة، وبشكل نهائي، بين المال والذهب، مما أفقد العملات قيمتها. وأكبر دليل يسوقه "ستيل" عن فشل القومية النقدية، ما حدث للأرجنتين منذ تبنيها لذلك المنهج القومي في عام 2002. لقد كانت الأرجنتين الابن الشرعي للقومية النقدية التي تؤمن بأن كل دولة ملزمة بامتلاك أوراق عملاتها الخاصة، والسيطرة على تدفق رأس المال لاجتناب التعامل مع المُقرضين الأجانب. إلا أن تجربتها باءت في النهاية بالفشل. ويعلل "ستيل" ذلك الفشل، بل فشل جميع من انتهج ذلك المسار القومي، بحقيقةٍ تقول ببساطة: إنه في وقت الأزمات النقدية، تحتاج مثل هذه الدول إلى الدولارات لدفع مستحقات مُقرضيها؛ وهو ما تجده شحيحاً عندها بسبب سياستها النقدية القومية، مما يُلجئها في نهاية الأمر إلى "صندوق النقد الدولي". ويدعم "ستيل" حُجته قائلاً: إن حكومات البلقان وأميركا اللاتينية اتجهت إلى الاقتراض، مما دفعها إلى الخضوع للسيطرة الخارجية، وهو ما كان متعارضاً مع الاستقلال الذي كانت تنادي به دوماً. لقد كانت تلك الدول تستدين على الدوام، وحينما كانت تُخير بين دفع فوائد مرتفعة وبين فوائد منخفضة شريطةً أن تُضحي ببعض سيادتها، كانت تختار الأخيرة. ومن ثم، يذهب كاتب التحليل إلى أنه لم يكن هناك عصر للسيادة النقدية؛ ومن ثم فلا مجال للحديث عن العودة إليه.

حتمية "الدولرة"

يرى "ستيل" وجوب "دولرة" عُملات الدول النامية، مُرجعاً السبب الرئيسي إلى طبيعة تلك الدول التي تعتمد على الاستيراد كسبيل للنماء، ومن ثم احتياجها للدولار لكي تشتري به المُستورد، ومن ثم لجوئها إلى تسليم رقبتها لـ"صندوق النقد الدولي" والأسواق الدولية، لتغيير عملاتها المحلية غير المرغوب فيها بالدولار. وذلك ما فعلته الإكوادور والسلفادور منذ خمس سنوات، حينما غيرت عملاتها بالدولار؛ وما فعلته البوسنة وكوسوفو ومونتانيجرو حينما غيرت عملاتها باليورو. وينتظر "ستيل" عملية "الدولرة" التي يعتبرها ظاهرةً أكيدة، توقعها الفيلسوف الألماني "جيورج زيميل" في عام 1900. لذلك، يحض "تسيل" مؤسسات الإدارة الأميركية بالسعي حثيثاً نحو إنزال تلك الظاهرة إلى واقع جميع الدول، وترسيخ القناعة لدى الجميع بأن الدولار هو العملة العالمية الأنفع لهم. ولا يتضايق "ستيل" من الانتقادات اللاذعة ضد العولمة؛ إذ يعتبرها أمراً طبيعياً. فكل ما يُثار حالياً ضد العولمة، كان يُثار ضد الأسواق على امتداد مئات الأعوام. إلا أنه في وسط كل ذلك، لديه قناعة شبه أكيدة بأن العولمة هي الرهان الرابح في نهاية المطاف؛ وأنه لا أمل في تنمية اقتصادية خارج عملية العولمة؛ مما يوجب على الدول النامية إسقاط القومية النقدية من سياساتها. وهو في النهاية ينصح الحكومات النامية بالخيار بين ثلاثة بدائل، لا رابع لها: إما تبديل عملاتها بالدولار؛ أو باليورو؛ أو إنتاج عملة عبر قومية جديدة في الحالة الآسيوية.

تساؤلات حول "الحتميات"

وبعد عرض التحليل، يحق لنا طرح بعض التساؤلات التي ربما قد تضرب في بعض المُسلمات أو الحتميات التي عرضها "ستيل"، وهي: هل بات مكتوباً على الدول النامية أن تعتمد على سياسة الاستيراد لإنماء اقتصادها؟ هل بات اعتمادها على الاستيراد ومن ثم اعتمادها على الدولار الأميركي لشراء المُستورد قدراً مقدوراً، لا تستطيع الإفلات منه؟ هل أضحت التنمية الاقتصادية محصورة في إطار العولمة؟ ألا يوجد فرص أخرى للتنمية الاقتصادية خارج إطار العولمة؟ ألا توجد فرص لتنمية اقتصادية ذاتية؟ لماذا لم يقترح "ستيل" بديل العملة العربية العابرة للقومية كما اقترحها في الحالة الآسيوية؟ وأخيراً، لماذا لا تتكاتف الدول النامية لإعادة الذهب في ميزان العملة، خاصةً بعد صعود بنوك الذهب في الآونة الأخيرة بشكلٍ ملحوظ؟ ألن يكون بديل الذهب أكثر صلاحيةً ومنفعةً لمصالح الدول النامية من بديل الدولار أو اليورو؟