المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علاقة السلوك الإنساني بتلوث البيئة



احمد الشريف
15-Jan-2008, 03:27
علاقة السلوك الإنساني بتلوث البيئة
لا ينجم السلوك الإنساني عن الصفات الفيزيقية للبيئة فقط، أو يتمخض عن العمليات المعرفية التي تعطي لهذه الصفات معناها، ولكنه يعد محصلة للتفاعل المتبادل بين جميع الأحداث الموضوعية والتي يتم إدراكها في سياق البيئة الكلية الشاملة. وبعبارة أخرى، فإن السلوك الإنساني هو انعكاس لعملية التفاعل المستمر ومتعدد الأبعاد بين الفرد وما يواجهه من مواقف بيئية.
ومعرفة كيفية تشكيل السلوك الإنساني تعد أمراً ذا أهمية بالغة، لأنها تساعدنا على فهم وتفسير السلوك البشري الذي نلاحظه، فالطبيعة الإنسانية أساس مهم وضروري لفهم معنى السلوك السوي أو المتكامل.
ويرى علماء النفس البيئي أن أي اعتداء من قبل الإنسان على البيئة يعد سلوكاً غير سوي، أو غير متكامل، ويحتاج إلى تعديل. وهذا السلوك الذي يعد هو السبب الأساسي لحدوث التلوث البيئي، ينطلق أساساً من الطبيعة الشخصية أو الإنسانية للفرد، ومدى وعيه بأهمية الحفاظ على البيئة من التلوث.
والسلوك غير السوي يعد سلوكاً هداماً وغير بناء، وهو يرجع بالأساس إلى عدة أسباب، منها الاضطرابات الفسيولوجية، والعوامل النفسية، مثل الصراع والإحباط والحرمان والقهر والخبرات السيئة، وقد يرجع لأسباب اجتماعية.ويفسر أنصار المدرسة السلوكية الحديثة هذا النوع من السلوك المضطرب أو غير السوي بأنه استجابة نمطية داعمة للتوتر والقلق الناجم عن استمرار الإحباط.
أما علماء التحليل النفسي، فيرون أن هذا السلوك غير السوي يرجع إلى اضطراب نمو الأنا الأعلى لدى الفرد وعجزها عن التحكم في الهو، فلا يكون لدى هذا الفرد احترام أو معرفة بالمعايير الاجتماعية أو شعور بالإثم.فالشخصية المضادة للمجتمع أو غير السوية يكون لديها سلوك يتسم بالتهور والأنانية والتجرد من الضمير، وهو ما يطلق عليه البعض "الجنون الأخلاقي"، لأن مثل هذا الشخص ـ الذي تنطبق عليه هذه السمات ـ يبدو بلا أخلاق أو احتشام، ويسميه البعض بالشخصية السيكوباتية Psychopath.
وتشير بعض الدراسات إلى أن السبب في تكوين الشخصية المضادة للمجتمع أو غير السوية يرجع إلى العوامل البيئية والوسط الاجتماعي الذي يتحرك فيه الفرد، ودوره في تشكيل ونمو شخصيته، فالضغوط التي تسود البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الفرد وأسلوب تنشئته تؤثر في تشكيل سلوكه، ولذلك فإن التنشئة الاجتماعية غير السوية تخلق احباطات وتوترات لدى الفرد، كما أن المجتمع الذي يحول دون إشباع حاجات أفراده، والذي يفيض بأنواع الحرمان والإحباط والصراعات، ويشعر فيه الفرد بقدر كبير عدم الأمن والتنافس الشديد بين الناس وعدم المساواة، يساعد على نمو السلوك غير السوي والمضاد للمجتمع لدى أفراده، وأحد مظاهر هذا السلوك تتمثل في الاعتداء على البيئة كتعبير عن رفض هذا المجتمع المحبط.
فظاهرة العنف الموجه نحو البيئة الفيزيقية ـ بشقيها الطبيعي والمشيد، باتت قضية لها أهميتها، ومن الشواهد على ذلك الانتفاضة الشعبية التي شهدتها مصر عام 1977م، والتي خرجت في شكل موجات عامة من العنف والتدمير الموجه لكل مظاهر الحياة في المدينة.ورغم أن هذا العنف كان موجهاً بالأساس ضد النظام السياسي، إلا أنه حمل في طياته اعتداءً على كل عناصر البيئة، كتعبير عن رفض المجتمع وأسلوب النظام داخل الدولة، فلم يكن اعتداء على البيئة بشكل مباشر، وإنما بصورة غير مباشرة.
وقد أكدت بعض الدراسات أن هناك ارتباطاً بين عدم الاتزان الانفعالي والاعتداء الموجه ضد البيئة، فالشخص غير القادر على مواجهة الفشل والنكسات والمشاكل ومصادر التوتر بأقل قدر من الانزعاج والإحباط يعد غير متوازن انفعالياً، ويعتري حالته المزاجية تأرجح لا يمكن التنبؤ به، كما تكشف هذه الدراسات وجود علاقة بين الضغوط الواقعة على الفرد والعنف الموجه نحو البيئة، فهذه الضغوط قد تدفع الفرد إلى السلوك العنيف تجاه البيئة.
ويرتبط هذا السلوك العنيف في الغالب بشخصية غير متوافقة أو رافضة للمجتمع، يلازمها إحساس بالإحباط نتيجة عدم إشباع حاجات مادية أو نفسية أو اجتماعية.
ويختلف الأفراد فيما بينهم في استجابتهم للمواقف الإحباطية والضغوط البيئية التي يتعرضون لها، ولذلك يختلف سلوكهم العنيف، والذي قد يعبر عن نفسه في الاعتداء على البيئة، ويتراوح ما بين سلوك عنيف مدمر، وسلوك ممزوج بعدم المبالاة والاستهزاء بالآخرين وبالمجتمع، بمعنى أنه يتدرج من أقصي درجات العنف إلى أقلها، وإن كان أقلها هذا يؤدي إلى تلف وإضرار بالبيئة المحيطة بصورة ما.
وهذا الاختلاف يمكن إرجاعه إلى العوامل الذاتية والمعرفية، وتباين الانتماءات الاجتماعية، ودرجة الوعي بالعائد من هذا السلوك.
وهكذا، فإن السلوك الموجه ضد البيئة، والذي يمثل اعتداء عليها بصور مختلفة، تصاحبه مجموعة من الأعراض التي تعبر عنه، ويمكن أن نصفه بأنه سلوك مضطرب أو غير سوي، يتسم بعدم تحمل المسئولية، والأنانية المفرطة، وضعف الضمير، وعدم الشعور بالذنب، والاستهتار بالمعايير الاجتماعية والقيم، وعدم الانتماء، وعدم التبصر بعواقب الأمور.
ولا يقتصر الأمر هنا على العنف الجماعي الموجه ضد البيئة، بل يبدأ من محاولة اقتطاف زهرة، أو إلقاء مخلفات أو قاذورات في عرض الطريق، أو تعد بألفاظ بذيئة، أو إحداث تلوث سمعي وبصري في البيئة المحيطة.
وهناك أنواع من السلوك قد لا تعتبر هدامة أو مسببة لقدر كبير من التخريب، وإنما يترتب عليها الإساءة للآخرين وعدم مراعاة لمشاعرهم، مثل البصق على الأرض، والتبول في الطرقات العامة، وغير ذلك من مظاهر السلوك التي تثير اشمئزاز الآخرين ونفورهم، وتؤدي إلى قذارة المكان وتلوثه بيئياً.
إن المكون النفسي قد يفرز أنماطاً من السلوك الإنساني العنيف، تشكل عدواناً على البيئة، فالعوامل النفسية التي تعتري الأفراد، كالتوتر، والقلق، والإحباط، وعدم الإحساس بالأمن، قد تدفع الأفراد في بعض المواقف، في نطاق التفاعلات اليومية وتحت مؤثرات معينة، إلى إتباع سلوك ما قد يظهر في صورة اعتداء على البيئة المحيطة بهم، مما يؤدي إلى إحداث ضرر أو تلف في عناصر هذه البيئة.وإذا جاز لنا أن نصنف العوامل الدافعة للاعتداء على البيئة وتلويثها ـ لدى الأفراد ـ بأنها عوامل نفسية، إلا أن روافدها ومكوناتها قد تكون عوامل اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو ثقافية داخل المجتمع الذي ينتمي إليه هؤلاء الأفراد.
ومن أهم نماذج الأنماط السلوكية التي تمثل ضرراً على البيئة، ما يقوم به بعض المشجعين في مدرجات كرة القدم في حالة زيادة انفعالهم وتعصبهم الشديد، من إلقاء الحجارة، وإشعال الجرائد، والتفوه بألفاظ خارجة، وإتلاف المقاعد وغير ذلك، ويقع معظم الأفراد في هذه المواقف تحت تأثير الجماعة، بمعنى أن الفرد ربما لا يسلك الفرد نفس هذا السلوك إذا كان بمفرده، فهذا السلوك يطلق عليه السلوك الجماهيري، ويتميز بأنه مؤقت، يشتعل بسرعة، وينتهي بسرعة، كما يتسم بسرعة وسهولة التأثير المتبادل، حيث يقوم كل فرد بإثارة الآخرين، كما أنه يستجيب لإثارتهم بسرعة، ويعتمد هذا السلوك على فكرة "العدوى الجماعية"، حيث يفقد الأفراد التفكير المنطقي في إطار الزمرة أو الجماعية.
ومن هذه النماذج أيضاً سلوك بعض سائقي المركبات العامة، والتي تمثل اعتداء صارخاً على البيئة والآخرين، بما تفرزه من تلوث سمعي، عبر آلات التنبيه التي تستخدم بدون وعي على سبيل المثال، وتلوث أخلاقي من حيث عدم الالتزام بقواعد المرور، والقيام ببعض التصرفات أثناء القيادة قد تضر بالآخرين وتضر السائق نفسه، على نحو يؤدي إلى زيادة مشاعر الضيق والتوتر والعصبية بين الأفراد داخل المجتمع.
وهذه الأنماط السلوكية ترجع إلى عدة عوامل منها عدم وجود قوة رادعة للالتزام بالأسلوب الأمثل للقيادة، أو الشعور بالمعاناة من كثرة الضغوط النفسية الناتجة عن مشكلات الحياة اليومية وصعوبة المعيشة، والشعور بالإحباط والقلق على المستقبل، إضافة إلى التعرض لضغوط البيئة الفيزيقية التي يعمل في إطارها هؤلاء الأفراد، مثل شدة الحرارة، والازدحام، وتلوث الهواء، حيث أثبتت بعض الدراسات وجود علاقة قوية بين درجة تلوث الهواء وزيادة معدلات الحوادث، كما أكدت دراسات أخرى أن ثمة علاقة ارتباط قوية بين الازدحام والسلوك العنيف.
ورغم اختلاف المجتمعات في الحكم على سلوك ما بأنه سوي أو غير سوي، إلا أن هناك عدة معايير يمكن على أساسها الحكم على هذه الأنماط السلوكية بالسواء أو عدم السواء، ومنها مدى اتساق السلوك مع القيم والتقاليد السائدة في المجتمع، ومدى تعارضه مع مصالح الجماعة التي يحيا بينها، ومدى إضراره بالبيئة وبالآخرين