المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سادة الفقر في العالم



bode
14-Dec-2007, 03:00
سادة الفقر في العالم

صدر منذ سنوات، كتاب فائق الخطورة للمؤلف غراهام هانكوك تحت عنوان «سادة الفقر» أو صناع الكارثة، هز وجدان الناس وأثار غضبهم بشدة. فقد قدم وثائق حقيقية ونقداً شديداً لحقائق صناعة العون والإغاثة التي تصرف مليارات الدولارات سنوياً من البلدان الغنية إلى البلدان الفقيرة، وبمعنى آخر من جيوب دافعي الضرائب في الغرب إلى ضحايا الكوارث في العالم الثالث!

لقد مولت هذه المليارات مشروعات عملاقة، وبتكاليف باهظة، لم تردم حفرة الحروب الأهلية القذرة، ولم تنه المجاعات، ولم تقض على الأوبئة والجفاف والجهل، بل دمرت البيئة وحطمت الحياة.

وساعدت بل وشرعنت أنظمة دكتاتورية بشعة، كما سهلت بروز بيروقراطيات ممتدة حشدت بطوابير من الموظفين الذين يلهثون وراء مصالحهم وذواتهم، ما خلق طبقة من الطفيليين ذوي الامتيازات ومن المتسلقين في مئات الألوف من الوظائف لعديمي العمل من «الأولاد» الذين أسسوا لإمبراطورية فساد هائلة في بلدان الفقر والمجاعات والصراعات في العالم الثالث!!

ينتهج الغرب سلوكاً مزدوجاً في تعامله مع البلدان المحتاجة للمعونة والمصنفة ضمن بلدان الكوارث والفساد، فهو يتباهى بمساعدتها والتدخل السريع لإنقاذها من مخالب الديكتاتوريات إلى أمان الديمقراطية وواحات العسل واللبن، وذلك عبر برامج المساعدات والقروض الميسرة ومؤتمرات المانحين التي تعقد لها منصات ضخمة حول العالم، دون أن نرى أي نتائج على أرض الواقع.

فبدلاً من معاقبة زعماء العالم الثالث الجشعين والفاسدين والمرفوضين من شعوبهم، غالباً ما تقدم المعونة والتدخل والمنح الضخمة بمباركة سلوك هؤلاء واحتضانهم، ومباركة أحلام عظمتهم المكلفة جداً والتي غالباً ما تعيش على أقوات الناس!

حدث ذلك في الفلبين أيام ماركوس، وفي إفريقيا الوسطى زمن بوكاسا، وفي السودان والصومال، ويوغندا وغيرها كثير، ويحدث اليوم بالطريقة نفسها، ما يذكر في النهاية بحكاية طريفة تقول: إن رجلاً سميناً التقى بآخر نحيف جداً فقال له «يجب أن تخجل من نفسك، فإذا رآك أحد الأجانب فسيعتقد بوجود مجاعة عندنا: فرد النحيف قائلاً: لا عليك، لأنه إذا رآك أنت بعدي سيعرف سبب المجاعة!!

هكذا هي المسائل دائماً. هذه هي آلية الخطأ ونتائجه، هكذا هي استحقاقات الفساد، والتجاوز والطغيان.

وهنا فالفساد والطغيان لا تمارسه السلطة الحاكمة فقط، فحتى الإعلام يتحول إلى سلطة فاسدة وجمعيات الإغاثة، ورجال المعونات، وموظفي المؤسسات العاملة في هذا المجال، حين تتحول فكرة المعونة إلى وسيلة تربح واسترزاق على حساب الفكرة المثالية القائمة على مد يد العون للمحتاجين والمنكوبين.

هذا الذي يعرضه الكتاب يحدث في مناطق منكوبة نرى ضحايا بنكبتهم يثيرون الأسى على شاشات التلفزة وبنفس أوضاعهم منذ عشرات السنين ونتساءل لماذا تستمر مآسيهم رغم كل هذه المساعدات والمعونات؟ هذا الكتاب يقول لنا لماذا تستمر الكوارث.. لأن هناك صناعاً يعملون على استمرارها متسيدين ساحة صناعة الفقر!!

عائشة إبراهيم سلطان