المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسيرة حقوق الإنسان



مرشدة 2006
11-Dec-2007, 02:52
مسيرة حقوق الإنسان
د. عبدالرحمن الحبيب





يصادف اليوم الذكرى السنوية التاسعة والخمسين لإعلان الوثيقة الدولية لحقوق الإنسان الذي وقعته الدول في جمعية الأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر 1948م. ومنذ ذلك الحين تنامى الاهتمام بحقوق الإنسان حتى أصبحت من المبادئ الأساسية لدى كل دول العالم، ومن يخترقها سيواجه المجتمع الدولي.. فكيف وصلت هذه المبادئ إلى هذه الدرجة من الأهمية عبر التاريخ؟ مفهوم حقوق الإنسان لم يكن وليد العصر الحديث بل يمكن اعتباره مرتبطاً بتاريخ الحضارات عبر التشريعات والأديان والعادات، رغم تبدل هذا المفهوم عبر التاريخ. إنها مسيرة التاريخ البشرية نفسه وصراع الإنسان ضد الظلم والجوع والفقر والمرض والجهل..

أولى المدونات القانونية التي تم اكتشافها هي مخطوطة أور- نامو (2050 قبل الميلاد) ملك أور، وبعدها بنحو ثلاثة قرون كُتبت شريعة حامورابي التي تعد أهم وثيقة قانونية في التاريخ القديم، حيث عرضت بها 282 قانوناً تضمنت أحكاماً وعقوبات عند خرق هذه الأحكام لحماية الناس من التعسف، وشملت حقوقاً للمرأة والطفل والأرقاء، رغم ما يصفها البعض حالياً بأنها بربرية لما فيها من قسوة وتجاوزات بالمقاييس الحالية، كما أن حمايتها كانت مشروطة بالعرق والدين والمعتقد أي لم يكن الجميع متساوين أمام القانون..

بعد غزو الإمبراطورية الفارسية لبابل في القرن السادس قبل الميلاد، حدثت نقلة نوعية في حقوق الإنسان حين أصدر الملك الفارسي سايروس مدونته التي اعتبرها كثير من المؤرخين أول وثيقة لحقوق الإنسان لأنها تضمنت السماح لمواطني الإمبراطورية بمزاولة شعائرهم الدينية بحرية، وألغت العبودية.. ويعتقد أن كتب الأخبار التوراتية تأثرت بتلك التشريعات السابقة وتضمنت بها كثير من القضايا التي تعالج الحقوق والواجبات..

بعدها بثلاثة قرون أسس أشوكا ملك الإمبراطورية المورينية الهندية مبادئ متقدمة في الحقوق المدنية عرفت بمراسيم أشوكا، وكان ذلك بعد غزوه الوحشي على كالينجا، حيث شعر بالندم لما اقترفه من فظائع.. وشملت هذه المبادئ المساواة بين المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والسياسية، وحسن معاملة السجناء، وحددت مبادئ إنسانية في التسامح مع جميع الطوائف والآراء، والمعاملة بالحسنى..

في تلك الأثناء كان في اليونان القديمة تحول جذري في مفهوم حقوق الإنسان من كونه مبدأ أخلاقياً إلى كونه حقاً طبيعياً يستند على قانون طبيعي عالمي. فكرة الحق الطبيعي لحقوق الإنسان انتقلت إلى الإمبراطورية الرومانية، وأضيف إليها أنها تشمل الجميع سواء من مواطني الإمبراطورية أم لا.. ورغم ذلك فإن كلتا الحضارتين الإغريقية والرومانية كانت لها معايير خاصة للحقوق تتنافى مع المعايير العصرية، مثلاً كلتاهما تنظران للعبودية بأنها مسألة طبيعية لدى بعض البشر، ومن ثم فإن كثيراً من الحقوق كانت مشروطة بالمواطنة، والمواطنة كانت مشروطة بشروط عديدة حسب العرق والطائفة والطبقة، ومورست التفرقة بشكل حاد.. وبعد بضعة قرون ومع التعسف في هذه التفرقة لدى الرومان أخذت المسيحية في الشيوع ناشرة روح التسامح ومجددة للمبادئ الإنسانية..

وبظهور الإسلام حدثت إصلاحات شاملة في حقوق الإنسان خلال عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلال فترة الخلفاء الراشدين، تضمنت حقوق الجميع: المجتمع والأسرة والأفراد والأقليات والأرقاء.. وأزيلت مظاهر الظلم الجاهلية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حتى أن كثيراً من المؤرخين غير المسلمين أقروا بأنه من الناحية التطبيقية عبر التطور التاريخي فإن طبيعة الإسلام الحضارية اعتمدت على المساواة ممثلة بذلك نقلة هائلة متقدمة على كل الحضارات التي قبلها الفارسية واليونانية والرومانية (برنارد لويس)..

وفي القرون الوسطى يمكن القول إنه أعيد تأويل كثير من التشريعات الحقوقية بطريقة سلبية، وساد ما أطلق عليه الحق الإلهي للحاكم.. ولم يسجل التاريخ وثائق ذات شأن في تقدم الأفكار الحقوقية باستثناء ما أصدره الملك الإنجليزي مرغماً عام 1215م التي سميت الوثيقة العظمى متضمنة احترام بعض الحقوق والقوانين وأن إرادة الملك أو سلطته يمكن أن تحد وفقاً للقانون، ولكن لم يتمتع بهذه الحقوق إلا فئات قليلة جداً من الشعب، وكانت غير فعّالة؛ إلا أنه أعيد تفعيلها في الدساتير البريطانية اللاحقة..

ومع الثورة الصناعية والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية في أوروبا في القرنين 17 و18 طرح الفلاسفة والمفكرون مفهوم الحقوق الطبيعية للإنسان على أساس كونه كائناً بشرياً، وليس استناداً إلى عرقه أو دينه أو طبقته الاجتماعية أو مواطنيته في بلد معين. وكانت هناك ثلاث محطات رئيسية. الأولى هي قانون الحقوق الإنجليزي عام 1689م، تلاها بنحو قرن الثورتان: الفرنسية (1789م) التي تضمنت إعلان حقوق الإنسان والمواطن لكل البشر شاملاً الحقوق الفردية والجماعية؛ والثورة الأمريكية (1776م) التي صدر بعدها بخمسة عشر عاماً قانون الحقوق الأمريكي.. وقد تضمنت هذه الحقوق إعلان أن كل الناس متساوون ولهم الحق في الحياة والحرية والعدالة والأمن والكرامة والسعي إلى السعادة..

بعد ذلك شاعت تلك المفاهيم الحقوقية وتطورت في غرب وشمال أوروبا، ولم تعد قاصرة على الحقوق الأساسية كالحق في الحياة وفي حرية التعبير والمعتقد وفي أمن الفرد وفي عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة أو العقوبات القاسية أو غير الإنسانية أو المهينة، وفي عدم التعرض التعسفي للاعتقال أو الاحتجاز أو النفي، والحق في محاكمة عادلة وعلنية وعدم التدخل في الحياة الخاصة.. إلخ بل شملت الحق في الحصول على حياة لائقة من عمل ومسكن وتعليم وصحة وعدالة اجتماعية.. إلخ

ومن منتصف القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن العشرين تشعبت الأفكار الحقوقية إلى حقوق اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية بضغوط من النقابات والأحزاب والحركات الشعبية، ولم يكتف بالحقوق التي تصاغ بالنفي (الحق في عدم..)، بل بالحقوق التي تصاغ بالإيجاب: (الحق في..)، وتغيرت بعض مفاهيم الحقوق والحريات مثل الحرية الاقتصادية التي شرعت اضطهاد الطبقات العاملة والكادحة، وأصبح مطلوباً من الدولة التدخل لحماية تلك الطبقات بدلاً من عدم التدخل بدعوى حرية التجارة مثلاً..

وفي حقبة الاستعمار ظهرت حركات التحرر الوطنية في أغلب دول العالم الثالث مطالبة ليس فقط بالحق في تقرير المصير، بل أيضاً الحق في المشاركة في مزايا التطور العالمي العلمية والتقنية.. وظهرت حركات الحقوق المدنية داخل الدول خاصة في أمريكا.. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية كان الاستعمار يتداعى باعتباره مناقضاً لحقوق الإنسان.. أما فظائع هذه الحرب التي راح ضحيتها عشرات الملايين من البشر مما فاق كل ضحايا الحروب في كل التاريخ البشري، فكانت عبرة مؤلمة استدعت البحث والتفكير لميلاد مبادئ عالمية جديدة لحقوق الإنسان تم الإعلان عنها في وثيقة جمعية الأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر 1948م.. ولم تكن ولادة هذه الوثيقة يسيرة، ولم يكن تطبيقها على أرض الواقع سهلاً، ولكن لذلك قصة تطول، نتعرض لها في مقالة قادمة بإذنه تعالى..

faisalution
16-Dec-2007, 06:18
مشكووووووره أخت / مرشده 2006 ... ع المشااااركه النااااافعه ,,
معلوماااات مفيده ..