المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علاقة المنظمات غير الحكومية بالمجتمع(1)



بن نزار
26-Oct-2006, 02:48
علاقة المنظمات غير الحكومية بالمجتمع(1)

1. ما الداعي لإصلاح القوانين المتعلقة بالمنظمات غير الحكومية.

تتمتع الحكومية بسلطات قوية على المنظمات غير الحكومية وذلك من خلال القوانين التي تسنها أو تطبقها، ويمكن أن تكون تلك الحكومات إما مساعدة أو معوقة لتلك المنظمات, من خلال القوانين واللوائح التنظيمية التي تستخدمها لإنشائها أو لتوجيه أنشطتها, أو لفرض الضرائب عليها, أو لإتاحة حصولها على الأموال (عامة كانت أو خاصة أو أجنبية), أو لإلزامها برفع التقارير أو للتدقيق في أنشطتها، أو لاشتراكها أو رفض اشتراكها في المشروعات والسياسات الحكومية. فعن طريق سن وإصدار القوانين تستطيع الحكومات أن تكبح المنظمات غير الحكومية التي تريدها, فمثلاً، هناك بعض الحكومات، مثل الحكومتين الأثيوبية والاندونيسية التي تشجع تقديم المنظمات غير الحكومية للخدمات, ولكنها لا تشجع دعوتها لأي قضايا. كما يمكن أن يكون للقوانين واللوائح التنظيمية تأثير كبير على المنظمات غير الحكومية نتيجة الإهمال أو التقصير, مثلا إذا كانت صياغة القوانين سيئة أو عندما تطبق بأسلوب متراخ أو تعسفي. ويمكن للقوانين القمعية أن تخنق قطاع المنظمات غير الحكومية، ولكن إذا كانت القوانين الخاصة بهذه المنظمات أو أسلوب تطبيقها غير كافيين, فقد يشيع سوء السلوك والاستغلال السيئ لها ومن ثم تسوء سمعة قطاع المنظمات غير الحكومية بكامله(2).

2. الأسباب التي تجعل أي بلد يرغب في أن يكون لديه قطاع منظمات غير حكومية قوي ونشط ومستقل.

ثمة أسباب كثيرة تجعل البلدان, في جميع أنحاء العالم، ترغب في أن يكون لديها قوانين تضمن وجود قطاع قوي ونشط ومستقل للمنظمات غير الحكومية, وقد يبدو هذا التأكيد مخالفاً للمنطق بالنسبة لحكومات كثيرة, فلماذا يجب على مجتمع ما أن يقر ويحمي أنشطة لم تتم الموافقة عليها بطريقة ديمقراطية؟ ولماذا يجب على الحكومات أن تسمح وتقدم الدعم لوجود منظمات تعمل على منافسة البرامج الحكومية المختلفة أو الحلول محلها , أو تنتقد أو تعارض سياسات الحكومة ؟ أضف إلى ذلك, حيث يعفى دخل المنظمات غير الحكومية من الضرائب، أو حيثما تستقطع التبرعات لتلك المنظمات من الدخول الخاضعة للضرائب, فإن السماح بوجود تلك المنظمات يؤدي إلى تحمل الحكومات تكاليف مالية حقيقة. فلماذا تتحمل أي حكومة هذه التكاليف ؟ هذه أسئلة صعبة , وتتطلب إجابات قوية.

هناك ستة أسباب على الأقل تجعل أي مجتمع يفكر في اعتماد قوانين تدعم وجود قطاع نشط ومستقل للمنظمات غير الحكومية, وهي:
أ) تطبيق مبدأي حرية التجمع (تشكيل المنظمات والانضمام إليها) والتعبير، ب) تشجيع التعددية والتسامح، ج) تعزيز الاستقرار الاجتماعي وسيادة القانون، د) الكفاءة، هـ) إخفاق أسواق القطاع العام، و) توفير المساندة لاقتصاد السوق.

وتعد الأسباب الثلاثة الأولى أسبابا اجتماعية أو سياسية , بينما الأسباب الثلاثة الأخيرة أسباب اقتصادية(3).

أ*) حرية التجمع:
إن القوانين التي تسمح بإنشاء المنظمات غير الحكومية كأشخاص معنويين (قانونيين) تلعب دوراً بالغ الأهمية في تحويل حرية التجمع, التي يحميها القانون الدولي والقانون الدستوري إلى واقع حقيقي ذي معنى, فالقدرة على تشكيل جمعية لحماية حقوق المستأجرين, أو منظمة تعمل على تشجيع تعليم المرأة الفقيرة, أو منظمة لحماية البيئة ….الخ,هي التي تمكن الأفراد من تحقيق مبدأ حرية التجمع بكل معناه. أضف إلى ذلك أن حرية التعبير، التي يحميها أيضا القانون الدولي والقانون الدستوري، لا تمثل لمعظم الأفراد أي معنى إلا إذا نفذت من خلال قوانين تسمح بتكوين مجموعات المصالح (المشتركة) .ومعظمنا ليست لنا كأفراد أهمية تتيح لأصواتنا المنفردة أن تسمع لوحدها, ولكن إذا ما استطعنا أن نتجمع معاً لنكون مثلاً جمعية لحماية الغابات المطيرة, أو لحماية حقوق الأقليات العرقية فسيجد صوتنا الجماعي آذاناً صاغية. إن القوانين التي تسمح بتأسيس المنظمات غير الحكومية وتحميها تعطي لحريتي التعبير والتجمع معناهما الحقيقي. وبعبارة أخرى, إن عدم وجود القواعد التي تسمح للمنظمات غير الحكومية بأن توجد رسمياً, ربما في الواقع يعرض للخطر حرية الأفراد في التجمع, بكامل معناها, وبوسائل ذات جدوى, ويحد منها لدرجة قيام لجنة حقوق الإنسان المشكلة بموجب الميثاق الدولي بتقديم شكوى بهذا الصدد.

إن مدى ترسخ جذور قوانين المنظمات غير الحكومية في الأعراف القانونية الأساسية مسألة معقدة وهامة على حد سواء:

1. القانون الدولي:
تعتبر حرية التجمع واحدةً من أقل المبادئ الأساسية تطوراً في القانون الدولي لحقوق الإنسان. فالمادة (20) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948(4) تحمي حق الأفراد في "الاجتماع والتجمع السلميين" بينما تنص المادة (19) على أن " لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير"، ومع أن الإعلان العالمي ليس اتفاقية ملزمة, فقد كان له تأثير قوي على تطور حقوق الإنسان الدولية.

من ناحية أخرى، فإن الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 يعتبر اتفاقية ملزمة متعددة الأطراف وصادقت عليها أكثر من 135 دولة. وتضمن المادتان (21) و (22) من الميثاق الدولي على التوالي, حق الاجتماع السلمي وحرية التجمع (5).

وبموجب الميثاق الدولي فإنه على الدول الأطراف أن توفّق تشريعاتها, بحيث تعترف بالحقوق الواردة في الميثاق وتحميها, ولا يسمح للدول الأطراف في الميثاق بأن تقيد بعض الحقوق مثل حرية التجمع, التي يحميها الميثاق, إلا عندما ينص القانون على ذلك التقييد، إلا إذا كان ذلك التقييد "ضروريا في مجتمع ديمقراطي" لخدمة مصالح مشروعة تتعلق بالأمن القومي أو السلامة العامة أو الأخلاق العامة أو الصحة العامة أو حقوق أو حريات الآخرين (6).

في البلدان التي يعترف فيها بوضوح بحرية التجمع, وفقا للميثاق الدولي, فإن ذلك الحق يعتبر دائماً حقاً يتمتع به الأفراد. وهكذا, وعلى الرغم من أن القانون الدولي قد يلزم أي بلد ملتزم بالميثاق بأن يعتمد قوانين تضمن حماية حرية التجمع، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنه ينبغي إصدار قوانين تسمح بوجود المنظمات غير الحكومية التي تنشأ بشكل رسمي (7). غير أنه إذا ما أخذ تجمع مكون من أفراد طابعاً دائماً أو مؤسسياً, فيمكن أن يقال, ضمناً, بأنه يجب السماح بإسباغ الوضع القانوني الرسمي على المنظمة, إن المنظمة المؤسسة على هذا النحو تتمتع بحق مزاولة النشاط بحرية وبفاعلية, وذلك من أجل أن يتاح للأفراد المشتركين في هذه المنظمة مجالاً واسعاً لممارسة حقوقهم المتعلقة بحرية التجمع (8).

2.المواثيق الإقليمية:
الميثاق الأوروبي بشأن حقوق الإنسان لعام 1950 يجسد حرية التجمع في المادة (11) وحرية التعبير في المادة (10), وبموجبه تم إنشاء المفوضية الأوروبية لحقوق الإنسان لفرض تطبيق الحقوق التي يحميها الميثاق (9), ويفرض المجلس الأوروبي على كل دولة عضو فيه التزاماً باحترام هذه الحقوق. والميثاق الأفريقي بشأن حقوق الإنسان والشعوب لعام 1981 يعطي دعماً غامضاً, إلى حد ما, لحرية التجمع (10) وتنص الاتفاقية الأمريكية بشأن حقوق الإنسان لعام 1969 على حماية واسعة لحرية التجمع وذلك في المادة (16), بينما الإعلان الأمريكي لحقوق وواجبات الإنسان لعام 1948 يضمن "حق التجمع مع آخرين من أجل تعزيز وممارسة وحماية مصالحة المشروعة ذات الطابع السياسي أو الاقتصادي أو الديني أو الاجتماعي أو المهني أو النقابي العمالي أو أي طابع آخر" وليست هناك هي مواثيق إقليمية مشابهة في آسيا أو الشرق الأوسط.

2. الحماية الدستورية:
تضمن دساتير كل البلدان تقريباً حرية التجمع (11) ولكن في كل الحالات تقريباً, تتضمن النصوص هذا الحق مع تقييد بأن للأفراد حرية التجمع "لأغراض مشروعة" أو بشرط ينص على ممارسة هذه الحرية "وفقاً للقانون" أو عبارة أخرى مشابهة, وذلك بدون وضع حدود واضحة لما يمكن أن تقيده ذات العلاقة(12).

(2) (قرار مختار) الصادر عن لجنة حقوق الإنسان, 38 (1990), (رأي منشق لروزالين هجيز, وراجسوم لاله, اندريا مافروماتس, وتركل اوبساهل, وس . اموس واكو).

وخلاصة القول أنه لا غنى عن القوانين التي تسمح للمنظمات غير الحكومية بأن تتواجد وأن تعمل بحرية, وذلك لغرض التطبيق الكامل والجدي لحريتي التجمع والتعبير. ويمكن القول أن القانون الدولي يفرض على البلدان التزاما ما بأن تسن قوانين سليمة خاصة بالمنظمات غير الحكومية.

ب) التعددية والتسامح:
هناك فوارق كثيرة فيما بين أعضاء أي مجتمع, وثمة اهتمامات واحتياجات متنوعة للأفراد والجماعات, والقوانين التي تسمح بوجود المنظمات غير الحكومية تتيح للأفراد والجماعات السعي وراء اهتماماتهم الفردية (مثلا الرياضة, أو الموسيقى الشعبية, أو المحافظة على لغة أو ثقافة معينة), وبالتالي مساندة تطور التعددية والتسامح داخل المجتمع.

ومن المهم أن نشدد على أن التعددية والتسامح ليسا معادلين تماماً للالتزام بالديمقراطية. ولذلك فإنه من الممكن لبلد ما أن يوافق على سن قوانين جيدة خاصة بالمنظمات غير حكومية من أجل تحقيق الأهداف الاقتصادية الأولى المبينة أدناه والسماح بالتعددية والتسامح ودون أن يلتزم بالديمقراطية كشكل لنظام الحكم السياسي. وبمعنى آخر فإن القوانين الخاصة بالمنظمات غير الحكومية ليست سمة من سمات الحكومات الديمقراطية وحدها, فلهذه القوانين أيضا دور مفيد في المجتمعات الأخرى كذلك(13).



ج) الاستقرار الاجتماعي وسيادة القانون:
لا مناص من أن تكون هناك فوارق بين الأفراد في كل المجتمعات, ولابد من التعبير عن هذه الفوارق بشكل أو بآخر. وهذا أساساً هو الوجه الآخر للتعددية فالتنوع ليس أمراً مرغوباً فحسب، بل هو أمر لا مفر منه. فالناس في أي مجتمع ينحدرون من خلفيات عرقية مختلفة, ويتكلمون لغات مختلفة. ولا بد من أن تبرز هذه الفوارق عاجلا أم آجلاً, وأن يعبر عنها بطرية مشروعة أو غير مشروعة, قانونية أو غير قانونية, ومن بين الأدوار الرئيسية والمناسبة للقوانين الخاصة بالمنظمات غير الحكومية هو أن تسمح بوجود مثل تلك المنظمات وتشجعها وأن توفر لها الحماية القانونية, بينما توفر في نفس الوقت للمواطنين الحماية من سوء السلوك وإساءة الاستغلال عن طريق فرض التزام هذه المنظمات بمبدأ الشفافية والتعرض للمساءلة وخاصة فيما يتعلق باستخدام الأموال العامة التي يتبرع بها الجمهور العام, ومن خلال تشجيع التنظيم الذاتي داخل القطاع (انظر الفصل (م)). وهكذا، بدلاً من دفع مجموعة إلى العمل سراً (من أجل المحافظة على لغتها وثقافتها, مثلاً), فإن قوانين المنظمات غير الحكومية التي تسمح بوجود قانوني لهذه المجموعة وتوفر لها حماية القانون, طالما أن المنظمة غير الحكومية التي تشكلها هذه المجموعة تفي بالمعايير المطبقة بشكل عام والمتعلقة بالشرعية والتصرف المسؤول. وبعبارة أخرى فإن قوانين المنظمات غير الحكومية تشكل صمام أمان ضرورياً للتنفيس عن الضغوط والطاقات الاجتماعية التي لا مفر من أن تتراكم في أي مجتمع. ووجود منظمات غير حكومية عديدة ومتنوعة يعتبر من خصائص المجتمعات المسالمة والمستقرة التي يسود فيها الاحترام الراسخ لسيادة القانون(14).

د) الكفاءة:
كثيراً ما تكون المنظمات التطوعية الخاصة شريكاً كفؤاً للحكومات في تقديم السلع والخدمات العامة. وبمعنى آخر، تستطيع هذه المنظمات,في حالات كثيرة, تقديم هذه الخدمات بمستوى أعلى من الجودة وبتكلفة أقل مما لو قامت الحكومة بذلك. وهناك أسباب كثيرة لذلك, أحدها مفهوم العمل التطوعي نفسه. ذلك أن هناك توفيراً في النفقات بقدر ما يكرس الأشخاص الوقت والجهد لإيجاد حلول للمشاكل العامة (مثلاً, تقديم العون للمسنين أو المعاقين) على أساس مجاني وتطوعي. وهذا النوع من تقديم الخدمات يتناقض بشكل حاد مع الخدمات التي تقدمها الأجهزة البيروقراطية الحكومية المتخمة بالموظفين والباهظة التكاليف (15).
وأهم من ذلك أنه بقدر ما تتولى المنظمات غير الحكومية تقديم السلع والخدمات العامة بدلاً من إحدى الهيئات الحكومية, فقد يترتب على ذلك توفير في التكاليف, نتيجة المنافسة. فعلى الرغم من أن قطاع المنظمات غير الحكومية ليس قطاع السوق, إلا أن هناك منافسة حقيقية من أجل الحصول على المنح والعقود والتبرعات. والمنظمات التي تثبت قدرتها على توفير سلع وخدمات ممتازة على أساس مراعاة فعالية التكاليف تكون مفضلة لدى الجهات المانحة الخاصة والحكومية على السواء (16) ونتيجة لذلك, تتجه حكومات كثيرة نحو المنظمات غير الحكومية من أجل تقديم تطاق واسع ومتنوع من الخدمات الأساسية (17).

وأخيراً, هناك عامل المعرفة بالسوق. ففي كثير من الأحيان قد تكون منظمة غير حكومية محلية أدرى بالاحتياجات الحقيقية للأشخاص الذين يحصلون على الخدمات, وأفضل طريقة لتلبية تلك الاحتياجات ومن هيئة حكومية كبيرة الحجم وكثيراً ما تكون بعيدة عنهم وبعبارة أخرى, فإن المنظمات غير الحكومية كثيراً ما تكون أكثر كفاءة لأنها قد تمتلك معرفة فائقة باحتياجات الجمهور المطلوب تلبيتها وقد تكون أكثر تجاوباً في تلبية تلك الاحتياجات (18).

لهذه الأسباب كلها, كثيراً ما تكون المنظمات غير الحكومية شريكاً هاما للحكومات في توفير الخدمات والسلع الضرورية (19) ولذلك فإن الميل التقليدي لاعتبار المنظمات غير الحكومية والحكومات تحتلان "قطاعين" منفصلين أو أنهما خصمان طبيعيان, لا يعكس الحقيقة الواقعة. ففي البلدان الغنية والفقيرة في جميع أنحاء العالم, كثيراً ما تعمل المنظمات غير الحكومية في شراكة وثيقة مع الحكومات المحلية والوطنية. وبالنسبة لكثير من المنظمات غير الحكومية, يعني هذا أن الحكومات هي أهم مصدر للدعم والتمويل (20) غير أن هذا الوضع يمثل حقاً طريقاً ذا اتجاهين. إذ تقدم المنظمات غير الحكومية معلومات لا غنى عنها للحكومات وغالباً ما تكون أفضل مصدر للمقترحات المبتكرة لتحسين برامج لتحقيق عملية نقل المنظمات الاجتماعية والثقافية التي كانت الدولة تتولى تشغيلها سابقا إلى قطاع الهيئات التي لا تسعى للربح وقد أصدرت بعض البلدان قوانين خاصة لذلك الغرض (21).

وطبعاً يجب أيضاً التنويه إلى أن العلاقات بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية كثيراً ما تتخذ طابعاً عدائياً أو تنافسياً. فالغرض الرئيسي لكثير من المنظمات غير الحكومية الداعية إلى قضايا عامة هو أن تبرز عيوب الحكومات وأن تدعو إلى تغيير السياسات. وتكره حكومات كثيرة مثل هذه الانتقادات وتجد طرقاً متنوعة, بما فيها القوانين القمعية, لإسكات مثل هذه المنظمات غير الحكومية أو إغلاقها, ولكن هذه الأساليب تدل على قصر النظر, لأنه من مصلحة الحكومات على المدى الطويل في كل مكان أن تدور مناقشات حيوية ومسؤولة حول السياسات الحكومية, على الأقل إذا كانت الحكومة المعنية تعتقد أن هدفها هو تلبية احتياجات الموطنين بشكل أكمل وأوفى, وليس مجرد إطالة أمد توليها السلطة ذلك أن التجربة المستمرة لسياسات مختلفة في "سوق الأفكار" هو الضمان الوحيد لإمكانية تحسن السياسات الحكومية مع مرور الزمن (22).
واخيراً, تتنافس الحكومات والمنظمات غير الحكومية في كثير من البلدان النامية على الحصول على الأموال المخصصة لمساعدات التنمية, حيث حوالي 2.5 مليون دولار أمريكي من المساعدات الإنمائية الرسمية من خلال منظمات غير حكومية شمالية (عاملة في بلدان الشمال), وعلاوة على ذلك هناك عدد متزايد من الجهات المانحة التي لديها برامج لتمويل منظمات غير حكومية جنوبية (عاملة في بلدان الجنوب) بشكل مباشر (23). ومع مرور الزمن فإن التوازن بين أموال المساعدات الإنمائية الرسمية التي تقدم للحكومات وتلك التي تذهب إلى المنظمات غير الحكومية يتغير كثيراً في بلدان عديدة, وهناك منافسة مستمرة بين القطاعين على الحصول على "قطعة أكبر من الفطيرة" (24).

هـ) إخفاق أسواق القطاع العام:
ظاهرة إخفاق الأسواق معروفة تماماً في مناقشات قطاع الأعمال الخاص. وقانون العرض والطلب يشكل قوة هائلة في إنتاج السلع والخدمات بطريقة فعالة التكاليف, أي بطريقة تلبي رغبات الأفراد والمنظمات بدرجة عالية من الجودة والاستجابة. غير أنه كثيراً ما يحدث "إخفاق في الأسواق" في مجال توفير السلع أو الخدمات العامة المطلوبة بشكل عام مثل المتنزهات والطرق السريعة. والسلع العامة تعد ضرورية لأنها تحسن نوعية الحياة (كالمتنزهات) أو لأنها تشكل جزء من البنية الأساسية الاقتصادية التي تعد ضرورية من أجل ازدهار قطاع الأعمال الخاص (كالطرق السريعة) ومن الأدوار الأساسية للحكومة تحديد مجالات إخفاق الأسواق حيث توجد حاجة حقيقية للسلع العامة, وتلبية هذه الاحتياجات.

هناك نوع مشابه من "إخفاق الأسواق" في مجال السلع العامة. فمهما بلغ مستوى الذكاء والإخلاص وبذل الجهد وروح الخدمة العامة لدى كبار المسؤولين والموظفين الحكوميين في أي حكومة فانهم بكل بساطة لا يستطيعون بل ولا يمكنهم توقع كل السلع والخدمات العامة التي يرغب المواطنون عي الحصول عليها. فمثلاً قد يكون لدى عدد كبير من المواطنين في بلد ما في أفريقيا أو في أمريكا اللاتينية اهتمام شديد بالفن الياباني واستعداد لتوفير الأموال الكثيرة والخدمات اللازمة لضمان إنشاء متحف للفن الياباني، غير أنه من غير المحتمل أن يتمكن المسؤولون الحكوميون من التعرف على مثل هذه الرغبة أو الآلاف من الرغبات والاهتمامات الأخرى الموجودة في المجتمع, ومن ثم تلبية تلك الاحتياجات بطريقة سريعة وكافية. فالقوانين التي تسمح للأشخاص والجماعات بأن تنضم معاً لسد الفجوات الناجمة عن إخفاق الأسواق في القطاع العام, تلعب دوراً حيوياً في إثراء المجتمع وضمان توفير الخدمات والسلع العامة التي من أجلها يبدي الأفراد استعداداً لتكريس مواردهم الخاصة.

و) مساندة اقتصاد السوق:
المبرر الاقتصادي الثالث لإصدار قوانين للمنظمات غير الحكومية هو أن هذه المنظمات تقدم مساندة غير مباشرة لنجاح ونمو اقتصادات السوق. وثمة بعض الأدلة على أن اقتصادات السوق تزدهر على أفضل نحو حيثما يوجد الاستقرار الاجتماعي والثقة العامة في المؤسسات. واحترام سيادة القانون (25). وهذه القيم الاجتماعية تعززها القوانين الخاصة بالمنظمات غير الحكومية وأفضل توثيق لهذا الرأي هو العمل الذي أنجزه البروفسور Robert Putnam, بجامعة هارفارد. فبناء على بحوث اجتماعية مكثفة أجراها في شمال وجنوب إيطاليا على مدى عشرين سنة, استنتج البروفسور أن أفضل مؤشر للتنبؤ بالنمو الاقتصادي المتوقع في المستقبل هو وجود تقاليد مدنية قوية للتعاون والشبكات الاجتماعية والثقة والالتزام بالصالح الاجتماعي، وهي عبارة عن مجموعة مترابطة من الأوضاع يشير إليها باسم "رأس المال الاجتماعي". (26) وبنفس الطريقة, استنتج Francis Fukuyama أن "البلدان التي لديها منظمات خاصة نشطة لا تسعى للربح كالمدارس والمستشفيات والكنائس والجمعيات الخيرية هي أيضاً أكثر البلدان احتمالاً في تطوير المؤسسات الاقتصادية الخاصة التي تتجاوز إطار الأسرة.(27) باختصار يوحي هذا البحث بأن تشجيع وجود قطاع قوي للمنظمات غير الحكومية قد يساعد على تعزيز النمو الاقتصادي وإزالة العقبات الاقتصادية المتزايدة التي تعترض سبيل حل المشاكل الاجتماعية الهامة.


منقول