المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتَّابنا وأخطاء أسلافنا



bode
04-Dec-2007, 12:37
http://www.middle-east-online.com/pictures/biga/_55311_booksL.jpg

كتَّابنا وأخطاء أسلافنا

هل على كُتَّابِِنا أنْ يصبروا ويصابروا حتى
ترمي لعبة الحظ بنصوصهم في أيدي الأجانب؟

بمُجرَّد أنْ يُقرأ النَّصُّ، يُطوى مع الزَّمنِ مثلما تُطوى صفحاته، هكذا تُعامَلُ نصوصُ كُتَّابِنا الْأدبية، بعكسِ ما يجري في مناطقٍ أُخرى من بِقاع الْعالم، في هذا الصَّددِ، إذْ تخضع النُّصوص الْأدبية فيها لعدّةِ معايير، بقراءةٍ مُتعمِقةٍ وفاحِصةٍ، ترصدُ كُلَّ ما من شأنِه أنْ ينهضَ بالمُجتمَع، وذلك بتفعيلِ كُلِّ ما يجيءُ فيها من رؤىً وآراءٍ، في الْمفاصلِ الْحيويةِ للدولةِ الْمُنتسبة إليها جنسية الْكاتب.

حتى أنّ بعضَ الْمؤسساتِ التَّابعةِ لهذه الْمُجتمَعاتِ، التي هي في أغلبِها مُتحضِرة، يُقدِّمُ من دون مُكابرةٍ ولا تعالٍ، على أخذِ الْاستشارات الْمُتعلِقةِ بالجوانبِ الْمُهِمَّةِ و الْبارزةِ، التي يعرضُ لها الْكُتَّابُ والْمُفكِرون هناك، بل إنَّ بعضها الآخر، يتبنى أُطروحاتِهم ونظرياتِهم، لعلَّها تكشفُ الْحُجبَ السَّوداءَ الْمُسدَّلةَ على الْقضايا الْحياتيةِ الْحسَّاسةِ، ذلك لأجلِ الْاستفادةِ من أفكارِ وتطلُعاتِ هذه النُّخبة.

ومادامت الْحال تمضي عندنا على هذا الْمنوالِ الْبائسِ، ففي أعلى مستويات الْاستياءِ، أرى أنه سوف لن يكونَ للكاتِبِ أيُّ دورٍ فعَّالٍ في مُجتمَعِه، وستبقى كتاباتِه محض حبرٍ على ورقٍ، ليس إلا.

فلماذا وصلنا إلى هذه الْحال؟ وإلامَ سنظلُّ عليها؟

إنّ منبتَ ذلك كما يُخيَّلُ إليّ، إنما يُعزىأساساً إلى أننا ننظرُ إلى الْكتابة من خلال زاويةٍ ضيقةٍ وحادةٍ جداً، يكادُ أنْ ينطبقَ ضلعاها، تتمثلُ في أنّ الْكتابةَ ليست سوى وسيلةٍ، يلجأُ إليها الْكاتب ليعبّرَّ لنا بها عن وجدانياتِه التي ربما لا تهمنا، وكذلك مشاعرِه الْعاطفية والشَّاعريةِ (الرومانسية) وكفى.

في حين أنّ لها مَهَمَّة مُهِمَّة في التَّوجيهِ ورسمِ الْمسارِ الصَّحيحِ أمام المُتلقي في شتَّى مناحي الْحياةِ، وإذا انسحب هذا الشَّأنُ على نصٍّ أدبيٍّ ما لأىِّ كاتبٍ، فإنّه في أغلبِ الْأحوالِ وأحسنها، سيُنشرُ تحت زاويةِ نعرفها جميعاً في الصُّحفِ والْمطبوعاتِ السَّيارة ألا وهي (وجهة نظر).

ولا يأتي بعد ذلك من ينظرُ إلى الْأمرِ الْمطروحِ عبر الزَّاويةِ نفسها، التي رآه الْكاتبُ من خلالِها، ولو من قبيل التَّحققِ من صحةِ ما تناوله، ومن ثم التّسليط على الجَّوانبِ الْمُضيئةِ فيه وتبنيها، سواء أكان ذلك على صعيدِ الْأفرادِ أو الْمُؤسسّات، فيمسي كُلُّ جُهدِه عبارةً عن وجهةِ نظرٍ مُتطرِفةٍ وغريبةٍ عمَّا تراه عامةُ النَّاسِ، كما هو مكتوبٌ على أغلفةِ الْمطبوعاتِ الدَّاخليةِ (ليس بالضرورة أنْ تكون الْموادُ الْمنشورةُ مُعبِّرةً عن سياسةِ الْمجلةِ أو الصَّحيفةِ، بل عن رؤى الْكُتَّاب فقط) في الْوقتِ الذي قد تكون فيه رؤيةً ناجمةً عن نظرٍ حادٍ وثاقبٍ لكاتبٍ ما، يري أبعادَ أيَّةِ قضيةٍ مصيريةٍ، ويستشرفُ نتائجها على نحوٍّ مُبكِرٍ، فيتلافى مُسبِّباتها قبل الْوقوعِ في وحلِ سلبياتِها، أو أن يُنظّر لأيةِ قضيةٍ ثانيةٍ، ويدعوه إلى الْأخذ بأسبابها وحبائلها، ثم الْإقدام عليها، من دون أيِّ تردُّدٍ، لحدّسه بل بالأحرى، لإدراكه الْمُسبَق بالفائدة التي قد تعود بها على الْمجتمع، ذلك لانتمائه إليه وإحساسه بالمسؤولية تجاه أفراده.

وهذا التَّجاهل الْمقيت، الذي يتعرض له الْكاتب لدينا، له أصلٌ ضاربٌ في قِدم التَّاريخِ، ومع ذلك لم نستفِد من التَّجارِبِ الْخاطِئةِ، التي وقع فيها أسلافنا عند تجاهلهم لدور الْكُتَّابِ، وما نزال نقتفي أثره، مع علمنا المُسبُق بأنه يبعدنا عن جادة الطَّريقِ.

ولعلَّكم تعرفون الْمصيرَ، الذي لاقته "مقدمة ابن خلدون" الْخالدة، التي رُميت في إحدى الْمكتبات بالجزائر، لأنّ النَّاس آنذاك، لم يعرفوا، بل إنهم لم يستوعبوا ما تطرق إليه فيها من أشياءٍ، لأنهم كانوا يهتمون بالشعرِ والْأساطيرِ والْخرافاتِ، أكثر من اهتمامهم بالنظرياتِ، ليس الْعلمية ما أقصد بل حتى الْأدبية، من مثل ما ورد في تلك الْمقدمة الْخلدونية الْخالدة، وبعد أنْ تفطَّن إليها الْأوربيون الْغُزاة، اكتشفوا أنها تُمثّلُ أهم مخطوط، ظهر للوجود في تاريخِ الْبشريةِ، لما يحتويه من مُعالجاتٍ اجتماعيةٍ، ودراساتٍ مُستفيضةٍ عن الْمُجتمَعاتِ الْمدنيةِ.

فيا لها من نظرةٍ مُتعاميةٍ وقاصرةٍ، تلك التي أدت بمثل هذا الْمخطوط، إلى أنْ يُهالَ عليه غُبار أرفُفِ المكتباتِ، وكان سيظلُّ تحت الظلِّ، لولا أنْ ألقى به الْقدر بين أيدي الْغُرباء الْغربيين، ليحللوا ما دوِّن فيه، فيعرفوا قيمته و جدّواه، فهل على كُتَّابِِنا الآن، أنْ يصبروا ويصابروا، حتى ترمي لعبة الحظ بنصوصهم في أيدي الأجانب، نتيجةً لهذا التَّجاهلِ، الذي يعيشونه داخل أوطانهم؟

زياد العيساوي – ليبيا
ميدل ايست اونلاين