المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قد يعيش المريض سنوات ويموت الصحيح المعافى في ساعات !



Pure
18-Nov-2007, 04:23
أغسطس 8, 2007
أبو عبدالله

رجل له من الأبناء خمسة ، أحد أبنائه مصاب بسرطان الدم، التقيته صدفة في الجناح الشرقي بمستشفى الملك فيصل التخصصي حينما كان يرافق ابنه في الغرفة المجاورة، وكنت حينها في المستشفى أخضع لبعض الفحوصات بعد نوبة الإنفلونزا الشديدة التي مرت بي ( من مميزات مستشفى الملك فيصل أنهم يفتحون للمريض ملف كامل، وحينما يصاب بأية مرض كالسعال مثلاً لا يذهب لأي مستشفى أو مستوصف آخر، يأتي مباشرة للمستشفى والذي بدوره يقوم باتخاذ اللازم بناءً على حالة المريض).
دخل علي بالخطأ بعدما تسننت للظهر وجلست لأقرأ بعض الآيات، كان مرتبكاً وعلته المفاجأة حينما رآني .. اعتذر بشدة لدخوله ظناً بأن هذه غرفة ابنه، لم أدعه يخرج حتى دعوته إلى قهوة كانت موجودة في حافظة قريبة، بدأ عليه التردد ، ابتسمت إليه وأنا أقول: أنا لا أعدي .. تفضل هذا سكري القصيم ، انفرجت شفتاه عن ابتسامة وبدأ يتناول القهوة وما مكث سوى ثواني حتى عاد إليه الحزن ، علمت منه أن ابنه أصيب بالداء الخبيث!! كما يسمونه منذ عام تقريباً ويراجع به خلال فترات متقاربة، استوقفتني كلمة: الداء الخبيث!! لماذا خبيث ؟! لم يكن (أبو عبدالله) ذاته مقتنعاً بالمبررات .. يقولون: أن نطقها تفاؤلُ بالسوء ؟! أو أنها تجلب المرض !!!! ، همست لأبي عبدالله قائلاً: أتصدق هذا الكلام وأنت رجل عالم وفاهم ؟! ، قال: يقولون يا رجل ومالنا إلا أن نسير مع الناس .
رغم أن هذه الإجابة لا تعجبني .. إلا أنني لم أشأ أن أخوض معه معركة مصطلحات وأفكار، أنهى فنجاله على عجل وقال بأنه سيزورني قريباً، صليت الظهر وتناولت بعض الأكل ( سبحان الله .. رغم الجوع إلا أن الصحيح قبل المريض لا يستصيغ أكل المستشفيات أغناكم الله عنه) وتابعت التلفاز بعض الوقت قبل أن أنشغل في رواية كنت قد اشتريتها من جرير ذات يوم.
قبل صلاة العصر سمعت طرقا ًخفيفاً على الباب، سمعت صوت أبي عبدالله، دعوته للدخول، كان منحرجاً ولكن ابنه قد غط في نوم عميق فلم يرد إزعاجه ” كان ابنه في حالة نفسية سيئة كل ما دخل المستشفى لإجراء أي فحص” تحدثنا في أمور كثيرة، وكان يتوقف كثيراً حينما يكون الحديث عن ابنه، لفت نظري أنه يتعمد أن يلقي كلاماً يائساً سوداوياً، كأنه لم يتهنأ بشبابه … فقد لذة الحياة … ألفاظ تنبئ بأنه يائس من شفاء ابنه.
لمحت له حول هذا الموضوع وفوجئت بقوله: من أصيب بهذا المرض لا يعيش طويلاً بإذن الله.
سلطان: استغفر الله .. الأعمار بيد الله !
أبو عبدالله: أعلم ذلك .. ولكن كل من عرفتهم قد أصيبوا بهذا المرض لا يدعهم حتى يفارقوا الحياة!
سلطان: أنت الآن تظن ذلك !
أبو عبدالله: أخشى أن أقول لك أنني متأكد !! نفسية الولد السيئة .. وحالته المتردية .. والأورام المستشرية .. لا تنبئ بخير !
سلطان: يا أبا عبدالله .. أنت رجل مؤمن كيف تقول هذا الكلام، هل الموت يفرق بين صغير وكبير ؟!
أبو عبدالله: لأ .. أنا أعرف ذلك ولكن …
سلطان: إذا شفي ابنك بإذن الله .. وخرج من المستشفى ألا يمكن أن يقطع الشارع وتصدمه سيارة !؟
أبو عبدالله: أعوذ بالله
سلطان: هه .. أنظر لنفسك .. أنت تتفاءل عليه بالسوء يا رجل، أحسن الظن بالله ، كم من شاب يموت في شبابه، وكم من شيخ يناهز المئة وهو في كمال صحته.
أبو عبدالله: عجيب .. كيف تقول هذا الكلام ؟!
سلطان: لأني مثلك إن شاء الله مؤمن بقضاء الله وقدره، أعلم أن ما أصابني لم يكن ليخطئني .. قد يعيش المريض سنوات ويموت الصحيح المعافى خلال ساعات !
تأمل حديثي (أبو عبدالله) واستأذن للعودة إلى الغرفة، طلبت منه أن أقوم بمرافقته للتخفيف عن ابنه، كان عبدالله ( بالمناسبة عبدالله ترتيبه الرابع واسميته بأبي عبدالله لأني لم اعرف اسم ولده الكبير) ، في حالة نفسية سيئة .. عينيه محمرتين من شدة البكاء .. جفناه تكاد تجف .. على خديه خطوط من الدموع القديمة ، صورة مأساوية مؤلمة .. مكثت ساعة أحكي له فيها قصصاً عن أشخاص أصيبوا بمرض فعمدوا إلى الرقية الشرعية وتعافوا بإذن الله .. وآخرين استمروا على العلاج لسنوات حتى كتب الله لهم السلامة.
كان يهز رأسه ولم يكن مقتنعاً بتلك الدرجة، كان ينظر إلى التلفاز متمللاً أو متبعداً عني، ولكنني ذكرته بالله كثيراً وأنه يجب أن يتقبل أمر الله ولا يسخط منه، فنبي الله أيوب مكث 18 عاماً أو تزيد في مرض أشد منا مرضاً وحصل على مصائب مؤلمة من فقد الولد وبعد الناس عنه ، هدأت نفسه ومع ذلك بقي الحزن ثابتاً لم يتغير..
تذكرت مقولتي لأبي عبدالله: قد يعيش المريض سنوات ويموت الصحيح المعافى خلال ساعات !
نعم .. وصلني بعد شهرين مصادفة من صديقي محمد (الذي يعمل في استقبال الحالات المرضية) أن والد المريض عبدالله قد توفي بسكتة قلبية !
سبحان الله .. وهو الصحيح المعافى !
إنا لله وإنا إليه راجعون ..
بكيت كثيراً تلك الليلة .. تذكرت ملامح وجه الأب اليائس .. والابن البائس .. قضاء الله نافذ
أصبحت هذه القصة مثلاً واقعياً أقوله لكل المرضى الذين أصادفهم أثناء مراجعتي للمستشفى! .. ولأنها قصة واقعية بشهادة الزملاء في إدارة المستشفى .. بدأت النفوس تهدأ أكثر .. وتعلم حكمة الله على هذا الكون
لكم التحية
الرياض
الكاتب : سلطان
من مدونة سلطان