المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذي نيويوركر.. ثمانون عاما من الرقي الصحفي



bode
06-Nov-2007, 04:14
حصلت على 46 جائزة منذ انطلاقها عام 1925...
ذي نيويوركر.. ثمانون عاما من الرقي الصحفي

غالبا ما يشار إلي مدينة نيويورك "بعاصمة العالم الإعلامية"، حيث تحتضن أكثر الاستوديوهات التليفزيونية إنتاجا، وأكبر دور النشر، وأهم الصحف، وأكبر الشركات في العالم، وبالتالي أصبحت وسائل الإعلام في مدينة نيويورك لها تأثير كبير على المستوى الدولي. ومن بين تلك المجلات الهامة التي نالت شهرة كبيرة مجلة ذي نيويوركر The New Yorker، التي انطلقت من تلك المدينة الإعلامية، وكانت تركز في البداية على الحياة الاجتماعية والثقافية بالمدينة، كما كانت موجهة في الأساس لجمهور الطبقة الراقية المحلي. وبعدما اتسع نطاق الموضوعات التي تغطيها المجلة، بدأت في جذب جمهور أكبر من خارج المدينة، وأصبحت صوتا مسموعا بين الصحافة الأمريكية الجادة. وتغطي حاليا هذه المجلة، التي تصدر 47 مرة في العام، عددا متنوعا من الموضوعات المتعلقة بالحياة في المدينة، والولايات المتحدة، والعالم.

تاريخ المجلة

أسس الصحفي الأمريكي هارولد ولاس روس مجلة ذي نيويوركر في العام 1925. وبوحي من المجلة الفكاهية جودي، حاول روس تصوير ثقافة الإبهار والتقدم الحضاري لمدينة نيويورك، بابتكار مدخل جديد وإبداعي "للمجلة الفكاهية". وظل روس محررا للمجلة حتى وفاته في العام 1951. وتلاه عدد من المحررين مثل: وليام شاون (87-1952)، وتينا براون (98 -1992)، ودافيد ريمنيك (من العام 98 حتى الآن). وقد منحت مجلة أدفيرتايزنج إدج ريمنيك لقب محرر العام في العام 1999. وحمل غلاف أول عدد للمجلة الصورة، التي أصبحت شهيرة الآن، التي يظهر فيها شخص متأنق (من أبناء الطبقة الراقية) رافعا نظارته ذات العدسة الواحدة لفحص فراشة. وقد عرف هذا السيد المتأنق باسم "يوستاك تيلي"، وهي شخصية إبتكرت خصيصا للمجلة.

ومنذ أن رسخت هذه الصورة نبرة المجلة المثقفة بفاعلية شديدة، أصبح الآن استخدام تلك الصورة في الاحتفال بالعيد السنوي للمجلة في (21 فبرابر) من كل عام تقليدا متبعا. ومع ذلك فإن "يوستاك تيلي" ما هو إلا شخصية من عدة أعمال فنية ابتدعت لتصوير ثقافة مدينة نيويورك ومعرفتها وسحرها.وقد كانت هذه الأغلفة وما زالت تقدم موضوعات متنوعة كالعرق، والدين، والطبقة الاجتماعية، والثقافة السياسية.

ومن خلال العرض المبدع للتعبير الفني، استطاعت ذي نيويوركر توصيل رسالة مؤثرة بشكل فريد وفعال إلى جمهورها. وعند بداية ظهور المجلة كانت تنشر عددا من القصص القصيرة كل أسبوع، أما الآن فتنشر قصة واحدة في كل عدد، وأصبحت تغطي تدريجيا مجالات أوسع تشمل، الشؤون الجارية، والأدب، ومقالات واقعية تغطي جميعها العديد من الموضوعات المتنوعة. كما تقدم المجلة عدة أقسام مختلفة، مثل "ما يدور في المدينة" وهو قسم يستخدمه العديد من السائحين، والسكان المحليين على حد سواء كدليل لكل ما يجري في مدينة نيويورك، حيث ينشر قائمة بالأحداث الثقافية والترفيهية التي تجري بالمدينة.

أما أهم أقسام المجلة، ويسمى "حديث المدينة" فيعرض تقاريرمحببة وخفيفة تشمل قصصا وعروضا للكتب والأفلام والفنون والموسيقى والمسرح. وغالبا ما يعرض هذا القسم أشعارا، ورسوما كاريكاتورية، و"لمحات شخصية"، أو حتى"رسائل" من مراسلين أجانب. إضافة إلى ذلك تنشر المجلة قصصا حول الحقيقة والخيال، وغالبا ما تتميز بأسلوب أدبي صحفي. وتشتهر ذي نيويوركر بعرضها قصص واقعية رئيسية، تكتب بأسلوب القصة أكثر من العرض البسيط للحقائق الموجود بالصحافة اليومية التقليدية.

وبما أن "جمهور المجلة المثقف" لا يرضيه سوى المقالات التي تحوي أهم الأخبار، والمكتوبة بأسلوب جيد، فقد عرفت المجلة بجذب بعض أبرز كتاب القرن العشرين والواحد والعشرين مثل: آن بيتي، وأليس مانرو، وهاروكي موراكامي، وفلادمير نابوكوف، وفيليب روث، وجا دي سيلانجير، وجون أبديك، وكثيرين آخرين. ومنذ ولادة المجلة اهتمت بالأحداث الجارية، والهجاء الساخر. وفي الوقت الذي لم تفقد فيه المجلة للحظة روح الفكاهة التي تتميز بها، فإنه بنهاية الحرب العالمية الثانية، احتلت ذي نيويوركر مكان الصدارة بين الصحافة الجادة والخيال.

وبالرغم من اهتمامها في الأساس بجمهور الطبقة الراقية المحلى، فقد زاد عدد قراء المجلة وشعبيتها بسرعة كبيرة داخل البلاد وخارجها. وقد ظهر تحول المجلة نحو الموضوعات السياسية والثقافية الجادة، في أوضح صوره، في العدد الصادر عام 1946 حول هيروشيما، الذي نشر فيه مقال للروائي الشهير جون هيرزي. وباستمرار تحول اهتمامات المجلة، كذلك ظل تحول جمهورها. وسارت مجلة القرن العشرين المرحة الراقية تتحدث بنبرة سياسية وأكثر جدية.

الاتجاهات السياسية للمجلة

ظلت مجلة ذي نيويوركر في الأساس مجلة ليبرالية، لا تنتمي لأي حزب، وعرفت على نطاق واسع بأنها ليبرالية، لكنها لم تكن قط راديكالية. وحتى وقت قريب لم تظهر المجلة أي تحيز لأي مرشح سياسي. إلا أنه في العام 2004، ولأول مرة في تاريخ ذي نيويوركر الذي بلغ 80 عاما، أيدت المجلة مرشحا رئاسيا. فخلال الحملة الرئاسية في هذا العام أيد بشدة كاتب التحقيقات هيندرك هيرتزبيرغ، والمراسل السياسي فيليب غورفيتش المرشح الديمقراطي جون كيري الذي كان مرشحا ضد الرئيس الجمهوري الحالي جورج دبليو بوش. وفي خمس صفحات تحريرية وقعت باسم "المحررين" أيدت المجلة كيري، في حين استهجنت سياسات إدارة بوش، وأثنت على كيري وهو يصف شخصيته الثابته السوية التي تمتع بها طوال مشوارة السياسي، واتهامة لإدارة بوش بالفشل والغرور وعدم الكفاءة. وبالتأكيد عبر كتاب المجلة عن آرائهم بأسلوب ساخر.

فعلى سبيل المثال عند وضع رسامي الكاريكاتور وجهات النظر السياسية على ألسنة شخصياتهم الفكاهية، فلا يعني ذلك أخذها على محمل الجد. وبالطبع فإن الطريقة التي قدمت بها تلك الشخصيات والموضوعات قد تغيرت إلى حد بعيد منذ تفعيل الاستقامة السياسية. وأصبحت النكات حول العرق، والنوع، والطبقات الدنيا ماضيا بالنسبة لمجلة ذي نيويوركر، وأي مجلة تحاول أن تنأى بنفسها عن المشاكل. وفي حين يحاول بعض كتاب المجلة وفنانوها توصيل رسالاتهم عبر أسلوب ساخر، بدأ العديدون في تقديم أعمالهم بصورة أكثر جدية.

فعلى أحد أغلفة ذي نيويوركر رسم أرت سبيغلمان رسام الكاريكاتور، الذي عمل بالمجلة لمدة عشر سنوات، ما بدا أنه غلاف أسود، وبالتدقيق تظهر الصور الظلية لبرجي التجارة العالمية. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر بوقت قريب، بعد اكتشافه أن وجهة نظر المجلة التحريرية قد مالت إلى حد ما نحو اليمين، قدم سبيغلمان استقالته، وأطلق علي هذا الوضع "الانقياد العريض لوسائل الإعلام في عصر بوش". كما انتقد أخرون ذي نيويوركر بزعم أنها تتخذ "موقفا سياسيا ضعيفا".

نجاحات ذي نيويوركر

هل كانت ذي نيويوركر مركزا للجدل؟ بكل تأكيد. وهل نالت حصتها العادلة من النقد؟ بالطبع. لكن حتى هؤلاء الذين يزعمون "كراهية" المجلة لما يسمونه "الهراء الرنان" لا يتوقفون عن قرائتها. فحتى الآن لا شيء يعوق هذه المجلة الأمريكية الشهيرة عن الوصول إلى القمة، وبالنسبة للبعض، خاصة من أهل نيويورك، فإنهم يعتبرونها الأفضل.

ومنذ تدشين جوائز "المجلة القومية" في العام 1966، حصلت ذي نيويوركر على 46 جائزة، أكثر من أي مجلة أخرى من نظرائها. وفي الحفل السنوي لتوزيع جوائز العام 2005، جذبت ذي نيويوركر الأضواء كالعادة ، وحصلت على خمس جوائز. ففي باب الاهتمامات العامة فازت المجلة بالجائزة عن ثلاث مقالات حول موضوع سوء معاملة السجناء بسجن أبو غريب بالعراق الشهير، كتبها سيمور هيرش.

كما فازت أيضا في باب العرض والنقد بثلاث عروض كتبها آدم غوبنك، كذلك في باب الكتابة عن الشخصيات بمقال إيان باركر عن المتبرعين بالكلى. وفي باب التقارير حصلت على الجائزة بمقال سامنثا باور عن السودان. والأهم من ذلك فوز المجلة بجائزة التفوق لتوزيعها مليون إلى اثنين مليون نسخة.

أما أحدث الجوائز التي نالتها ذي نيويوركر في العام 2006 فقد كانت خاصة بأبواب الأعمدة والتعليقات والاهتمامات العامة. أسعدت ذي نيويوركر جمهورها لعقود بخفة ظلها الذي لا حد له، وتعبيراتها الفنية المبدعة، وأسلوبها الصحفي المبتكر. والآن مع الإصدارات الحديثة المكونة من (كتاب و8 أسطوانات دي في دي، وأسطوانات مضغوطة) تحمل اسم "نيويوركر الكاملة: ثمانين عاما كأفضل مجلة بالبلاد"، يستطيع الجمهور الوصول إلى أي صفحة بأي عدد. حيث تغطي هذه المجموعة تاريخ المجلة بأكمله من فبراير 1925 إلى فبراير 2005، كما توفر جميع الرسوم الكاريكاتورية، والصور والإعلانات. كما توفر أيضا المجلة موقعا إلكترونيا http://www.newyorker.com/ يمكن الاطلاع من خلاله على محتوى النسخة الورقية للمجلة الحالية.

أخيرا ومع كل تلك التطورات، فإن جمهور ذي نيويوركر الكبير الذي كان مهتما بجمع كل أعداد المجلة سوف يستطيع الآن التخلص من هذه المجموعات الضخمة، والاحتفاظ بها بطريقة أكثر ملائمة، وأسلوب تخزين عملي. وعبر مدخلها الصحفي الفريد، احتلت ذي نيويوركر مكانة بين أفضل المنابر المرموقة تعبيرا عن الثقافة الأمريكية. وبالنسبة لهذا الجمهور الذي لا يعد ولا يحصى، والمبهور بسحر تلك المجلة، تواصل ذي نيويوركر تقديم السعادة، والضحك، والإحساس العالي للجمهور الأمريكي الراقي.
كارا بانتلي