المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : همنغـــواي نـــداء الحيــــــاة والمــــوت



bode
26-Oct-2007, 04:45
أن تكون ابناً لطبيب مولع بالصيد، ذي مزاج انفعالي حاد، ، ينهي حياته منتحراً، وأم مرهفة الطبع تدرّس الموسيقى، وتتعشق الأدب والفنون بعامة، وأن تنفر من مقاعد الدرس الرسمي، فتهجر جامعتك في مرحلتها الأولى نحو إغواءات الصحافة وتََرَحّل مُراسليها الدائم، وأن تختار دروب الحياة الخطيرة: الطيران، وصيد الأسود والثيران الوحشية، وجبهات القتال، معانداً قدَر بصرك الحسير، عابراً غير مرة ذلك البرزخ الزلق بين الحياة والموت، في مواقع عديدة من العالم: إيطاليا، إسبانيا، فرنسا، إفريقيا.. تُجرح هنا ، وتوشك على الموت هناك، وتسقط بطائرتك سقوطاً مروعاً في مكان آخر، فتنقطع أخبارك، وينتشر خبر موتك عنواناً مثيراً يتصدر عشرات الصحف.. أن تحوز جائزة "بوليتزر" الأمريكية عام 1953م، ثم "نوبل"السويدية عام 1954م، وأن تقبل على الحياة طولاً وعرضاً، تتزوج مرات أربع، وتعبُّ المجدَ والملذات بغير توقف: الأدب .. الثراء... الجاه.. النساء ، ثم هكذا، وببساطة متناهية، بعد سنوات سبع من إعلان فوزك الأدبي المجيد ، في يوم تموزي من العام الواحد والستين والتسعمئة بعد الألف، وأنت لم تتجاوز الثانية والستين، تستعيد إرث اليأس الملغز في سيرة الأب المنتحر، وقد نأت بك عنها عقود من الأزمنة ، فتلوذ بمنزلك متنكباً بندقية صيدك، وبغير تردد تنهي حياةً على هذه الدرجة من الاتساع والتنوع والنجاح...! فأنت بغير شك شخصية إشكالية بما فيه الكفاية في حياتك وفنك!

همنغواي الكاتب مقالات كثيرة شاهدة على النشاط الصحفي الغزير في مطلع الشباب، آلاف الرسائل، كتب في الصيد ومصارعة الثيران، مسرحية واحدة، قصائد ، مجموعات قصصية، وأعمال روائية ضاربة الشهرة، منها: "سيول الربيع" (1925)م، "ولا تزال الشمس تشرق" (1926)م، "وداعاً للسلاح" (1929)م، "ثلوج كيليمانجارو" (1936)م ، "الذين يملكون والذين لا يملكون" (1937)م، "لمن تُقرَع الأجراس" (1940)م ، "عبر النهر ونحو الأشجار" (1950)م، ثم "الشيخ والبحر" (1952)م... هذا هو "همنغواي" كاتباً.

في خصائص التجربة الروائية: يتنازع نتاجَ "همنغواي" الروائي عددٌ من الثيمات والخصائص المضمونية والأسلوبية، لعلَّ أبرزها: على المستوى المضموني:

1ـ الحرب: إذ تشغل الحرب والتجارب التي اختزنها "همنغواي" عبر إسهاماته العديدة فيها، حيزاً واضحاً؛ موضوعاً أو مناخاً أو نتائجَ؛ فحرب الجنوب والشمال الأمريكي تشكّل الخلفية النفسية لتداعيات البطل "سكريبس أونيل" في رواية "سيول الربيع" ، والحرب العالمية الأولى تهيمن بنتائجها على عالم روايته "ولا تزال الشمس تشرق"؛ حيث عجز بطلها وهو أحد أفراد "جيل الضياع" (الاسم الذي أُطلِقَ على الجيل الشاب الذي عانى نتائج الحرب العالمية الأولى) عن التوصل إلى نسيان الجراحات الجسدية والمعنوية للحرب، كما تشكّل هذه الحرب الفضاء التاريخي لروايته "وداعاً للسلاح". أما روايته "لمن تُقرع الأجراس"، فتتعيَّن أحداثها زماناً ومكاناً خلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936 ـ 1939)م.

2ـ اللحظات الحرجة: تشغل اللحظات الحرجة، التي تتولّد عن ارتياد المخاطر في التجربة الإنسانية، حيزاً آخر موازياً للحيز الذي تشغله قضايا الحرب في رواياته السابقة؛ ففي رواية "ثلوج كيليمانجارو"، نحن أمام قضية مواجهة الموت ولحظاته الأخيرة لبطلها "هاري"، المصاب بالغنغرينا بعد جرح ركبته وإهماله معالجتها في رحلة قام بها مع زوجته الثرية إلى إفريقيا، وفي "وداعاً للسلاح" نواجه سلسلة من اللحظات الحرجة: مقتل رفاق الملازم "فردريك هنري" على الجبهة تباعاً، وخلال التراجع، وتعرضه لمحاولة الإعدام من قِبَل بعض الغوغاء المحتجين على تراجع جيوش بلدانهم، ثم مخاطر فراره الليلي على متن قارب تجذيف في بحيرة من إيطاليا إلى سويسرا بمصاحبة زوجته الحامل، وساعات احتضار الزوجة؛ وعذاباتها قبل الولادة وبعدها. بل إن "الشيخ والبحر" كلها، خلا صفحات قليلة في بدايتها وخاتمتها، ليست سوى لحظات متلاحقة من الصراع الإنساني المجيد، ولحظاته الحرجة.

3 ـ أولوية التجربة الشخصية: إذ تبرز في أعمال "همنغواي" الروائية الخبرات والتجارب الإنسانية العميقة والمتنوعة التي خاضها في حياته: الحرب وكل ما يتصل بها من وقائع وتفاصيل وانعكاسات عامة وخاصة .. الصيد البري والبحري؛ صيد الأسود والثيران الوحشية وسواها؛ وصيد الأسماك والكائنات البحرية بأنواعها؛ وما يتصل بحياة الصيادين وتجمعاتهم ورحلاتهم وأدواتهم وحياتهم المهنية والشخصية.. مصارعة الثيران؛ وطبقات المصارعين؛ وأنواع الثيران وخصائصها؛ وتقاليد المصارعة النزيهة وأعرافها، وسوى ذلك مما يتصل بهذه الرياضة التي تعلّق بها أشد التعلق، ومضى به تعلقه إلى فلسفة معانيها وطقوسها، وذلك في روايته الشهيرة: "ولا تزال الشمس تشرق"، وكتابه: "موت بعد الظهيرة" (1932)م.

4ـ مركزية قضية الموت: وذلك عبر رصد لحظاته المؤثرة، والشرط الإنساني العاجز في مواجهته، وما يتوارد إلى ذهن الإنسان حينها من تأمل سريع لمراحل حياته كلها، وأسفه على المشاريع التي لن يمهله الزمن لإنجازها. الموت بوصفه القضية الفلسفية الكبرى، وكذلك بوصفه تجربة معيشة ملموسة؛ فـ"ثلوج كيليمانجارو" مثلاً، تضعنا مباشرة أمام الاحتضار البطيء لـ "هاري" الذي يفتقد أي أمل جدي بالنجاة. وفي الروايات المعنية بزمن الحروب وأحداثها يطالعنا الموت المتلاحق الذي يحصد ضحاياه بغير رحمة: موت الأصحاب، والرفاق، ومقاتلي الصف الواحد، موت الأبرياء، والموت العبثي والقتل المجاني الذي يتم أحياناً بين أبناء الجبهة الواحدة، في مناخ الهزيمة وتحميل مسؤوليتها في: "وداعاً للسلاح" و "لمن تُقرع الأجراس"، أو أنباء الموت القادمة من الجبهة لمن حكم عليه شرطه الخاص بالابتعاد عنها، كما هو حال الملازم "فريدريك هنري" فيما يتواتر إليه من أنباء خلال أشهر تواجده للاستشفاء في مشفى مدينة "ميلانو" الإيطالية بعد إصابته، في "وداعاً للسلاح".

5ـ كره الحرب: إذ بوسعنا أن نلاحظ دائماً، على الرغم من تقدير "همنغواي" الكبير للرجولة والشجاعة والإقدام وحب المخاطرة والمغامرة في الحياة الإنسانية، وهو ما تجلى لديه مراراً على الصعيد الإبداعي في القضايا التي كانت تثيرها أعمالُه الروائية وتحتفي بتفاصيلها، وكذلك كتبه الأخرى من طراز "موت بعد الظهيرة" و"روابي إفريقيا الخضراء" (1935)م، بوسعنا أن نلاحظ على الرغم من ذلك، المقتَ الشديدَ للحربِ، وما توقعه من ضحايا بريئة أحيانا. إن رواية "وداعاً للسلاح" كلها تكاد تكون بمثابة صرخة احتجاج حاد النبرة ضد عبثية الحرب ووحشيتها بوصفها النقيض للحياة التي يجلّها"همنغواي" أيما إجلال؛ فهذه الرواية لا تكتفي بالحوارات التي تدور بين أصوات مختلفة في تقويم الحرب يناصر فيها "همنغواي" بوضوح آراء أعدائها، بل إن موت "كاترين " في الولادة، وموت وليدها قبلها إثر حمْلٍ كان يبدو طبيعياً تماماً، وعلى الرغم من الحب والحنان العارمين اللذين أغدقهما الحبيب "فريدريك" عليها، يجد تفسيره الوحيد في استحالة الحب الحقيقي المثمر زمن الحرب.

فالحرب فاصل زمني خاص منذور للموت والفناء لا للحياة أو الخصب. لكن ما يجدر لفت النظر إليه في ذلك، هو أن كره "همنغواي" للحرب لم يكن يحمل أي معنى انهزامي؛ فهو مصحوب دائماً بنظرته المسؤولة التي يمكن تلخيصها ـ بشهادة غالبية أعماله ـ بالمقولة التالية: مادامت المعركة قد فُرِضت علينا فلنخضْها بشرف وشجاعة حتى انتزاع النصر فيها؛ ذلك أن انتصار قوى الشر هو أكثر قذارة من الحرب نفسها.

على المستوى الأسلوبي على الرغم من توصيف بعض النقد لأسلوب "همنغواي" بالنزعة الصحفية، فإن مثل هذا التوصيف يبدو شديد التعسف والرؤية الأحادية التي تغفل جوانب أساسية في مقاربة تجربة روائية جليّة التنوع والخصوبة؛ وذلك للأسباب التالية:

1ـ ثمة نمطان أسلوبيان شديدا التمايز في أداء "همنغواي" الروائي: نمط ذو خصائص صحفية إلى حد ما: المباشرة والبساطة في السرد والاحتفاء بالتفاصيل المرئية، والإسهاب أحياناً، وغلبة الحوار، وروح الدعابة السريعة العابرة. ونمط آخر يتسم بالحرص على استبطان الشخصيات وملاحقة تنازعاتها النفسية، وذلك في لحظات خاصة ومؤثرة من حياتها. في هذا النمط يلفتنا الإيجاز، والكثافة، والقدرة الإيحائية للمفردات والتراكيب، والنبرة الخاصة للّغة الأقرب ـ إذ تتوغل في أعماق النفس الإنسانيةـ إلى الهمس منها إلى الكلام العادي.‏أما الدعابة الخفيفة العابرة فتستحيل هنا تهكماً متطامن النبرة، لكنه عميق يختزن حكمة "همنغواي" التي تتأمل الحياة الحقيقية ومعانيها خلف خداع سطوحها.

2ـ يتجلى النمط الأول في الأعمال المعنية بالحرب مباشرة، وهي التي تبدو في كثير من تفاصيلها أقرب إلى أن تكون أعمالاً سيرية منها إلى أن تكون أعمالاً روائية ذات أحداث وحبكة تخييلية. أما النمط الثاني فهو الأكثر بروزاً في الأعمال الروائية، التي ترصد لحظات خاصة في الحياة الإنسانية: لحظات احتضار "هاري" في "ثلوج كيليمانجارو , وتجربة الشيخ "سانتياغو" خلال أيامٍ ثلاثة من مغامرة صيده بعد أربعة وثمانين يوماً من الإخفاق المتواصل في "الشيخ والبحر".

3ـ ثمة أعمال يتلاحم ويتفاعل فيها الأسلوبان معاً، من طراز رواية "سيول الربيع"؛ التي تعتمد سرداً ذا مستويين أولهما بسيط عادي، يبدو وكأنه يكتفي بتسجيل موضوعي خارجي تماماً للوقائع: هرب زوجة "سكريبس أونيل" الأولى مثلاُ، وأثره السلوكي عليه، ثم زواجه من النادل المسنّة "ديانا"، وتعلقه بالنادل الجديدة الشابة "ماندي" بعدها..إلخ، والثاني ما يتلامح خلف هذا السرد البسيط من أبعاد؛ فنبرة السخرية، والسرد المباشر والموجز تخفي تأملاً عميقة في معاني الحب والوفاء وتَبَدّل العواطف الإنسانية، والقدرة على جحود الماضي، والتنكر له جملةً وتفصيلاً. إن كل لحظة سردية في هذا العمل المُبَكِّر والجميل، وعلى الرغم من نبرته الساخرة تخفي ألماً إنسانياً وتأملاً بالغ العمق. وهو ما لا يمكن عدّه أسلوباً صحفياً على الإطلاق صنيعَ من يختزل أسلوب همنغواي بتعميم الطابع الصحفي لبعض أعماله، غافلاً عن تنوع هذا الأسلوب وثراء طرائقه التعبيرية.

4ـ النبرة الترددية التي تشيع في الأعمال ذات الاحتفاء الخاص بدخائل الشخصيات، من طراز الأعمال الثلاثة السابقة، حيث يتردد في "سيول الربيع"عرض "سكريبس أونيل" مشكلة هرب زوجته على كل من يقابله. وفي "ثلوج كيليمانجارو " تتردد الإشارة إلى الضبع وعوائه. وفي "الشيخ والبحر" تتردد أمنية الشيخ "سانتياغو" في تواجد الغلام "مانولين" معه خلال رحلة صيده وما يواجهه فيها من صعاب ومخاطر. إن هذه الصيغ الترددية، التي تمنح نصوص "همنغواي وقعاً إيقاعياً ملحوظاً ومؤثراً، هي بعيدة عن أن تكون ناتج هاجس شكلي من أي نوع كان؛ بل هي قضايا مضمونية تفرض شكلها الأنسب. فـ"سكريبس" شديد المعاناة والحيرة في هرب زوجته. ولذا فهو ينقل حكايتها إلى كل من يصادفه، في نوعٍ من التحرر من شحنة الأسى التي تطبق عليه، والضبع حاضر بوصفه رمزاً للموت الوشيك لـ "هاري" "، و الغلام "مانولين" حاجة ماسة ودائمة للشيخ في وحدته القاسية ومعارك مصيره مع سمكة السيف، وأسماك القرش المفترسة.

إن روابط وثيقة تشد الشكل إلى المضمون في أعمال "همنغواي"، بوصف كليهما ضرورياً للآخر، بعيداً عن أي هاجس تزييني يغري بعض النقد بالإشارة إليه، أو التنديد به. خاتمة قد يكون بوسعنا تقديم عدد من الملاحظات أو المآخذ على بعض أعمال "همنغواي" على شهرتها، من طراز: "و لا تزال الشمس تشرق"، أو "وداعاً للسلاح"، أو "لمن تُقرع الأجراس"، في إسهاب حواراتها، وبعض تفاصيلها، التي تبدو بمثابة استسلام للهاجس السيري فيها، يجعلها تهمل بعض مقتضيات وخصائص السرد الروائي الفني الذي يُعنى بالانتقاء والاقتصاد، والاحتفاء بالقليل الدال وسط الوفرة المتاحة، أوفي الإسراف في إطلاق الدعابات خلال الحوار، وما شابه ذلك. لكن حين يتعلق الأمر بعمل من طراز "الشيخ والبحر" سنجد أنفسنا مضطرين للوقوف بكثير من التهيب أمام إبداعٍ روائي نادر تصل بلاغته إلى مستوىً يقارب الإعجاز؛ إبداع هو إحدى المآثر في التاريخ الروائي في العالم، على الرغم من قلة عدد صفحاته، إلى الحد الذي يبدو معه أن الإيجاز فضيلة الفن الكبرى، وأن الجمال الحقيقي قرين هذا الإيجاز وتجنب الإطناب أبداً.
د. جهاد عطا نعيسة - ملحق الثورة الثقافي

smart smile
26-Oct-2007, 05:46
اعتقد اني قرأة له مره واحده
وكان كتاب الشيخ والبحر
كان جميل هالكاتب
وله نكهته الخاصه في الطرح

bode
27-Oct-2007, 08:05
smart smila

شكرا للمرور والتعليق