المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لمحات لحياة الروائي العالمي فيودور دستويفسكي ...



bode
26-Oct-2007, 01:09
ولد فيودور ميخايلوفيش دستويفسكي " أو دستوفسكي " في موسكو في الحادي عشر من نوفمبر 1821. كان والده ميخائيل أندريفيتش طبيبا عسكريا وأمه ماريا فيودورفنا وكان تسلسله الثاني بعد أخيه ميخائيل. وبقي فيودور وميخائيل على علاقة طيبة طيلة حياتهما. وكان له عدا ميخائيل خمسة أخوة, فارنكا, أندريا, فروجكا, نيكولاي, وأصغرهم الكساندرا. كان والدهم مربيا صارما, وقد وضع للأسرة نظاما دقيقا توجب على الجميع الالتزام به.

أما أمه فكانت رقيقة وطيبة للغاية , وكانت في بيتهم مربية ( تنحدر من طبقة متوسطة)....تدعى ألينا فرولفا. يتذكرها ديستويفسكي بحنو كما كان بوشكين يتذكر أرينا راديونفا. ومنها سمع أول القصص عن جار الطير و ألوشا بابوفيج وطائر الربيع وغيرها, وقد جرت العادة أن تنظم في بعض الليالي قراءات جماعية في آسرة دستويفسكي.

قرءوا فيها للمؤرخ كارامزين, لكتاب وشعراء منهم: درجافين , لاجشنيكوف, زاكوسكين, جوكوفسكي و بوشكين بطبيعة الحال. الأخ الأصغر لفيودور ميخايلوفيش , اندريا, كتب ذات مرة : (كان أخي فوديا " أسم التصغير لفيودور" يقرا الكتب التاريخية الجادة و كل ما تقع عليه يديه من روايات. أما أخي ميخائيل فكان مغرما بالشعر وينظمه, أما قاسمهم المشترك فكان حبهم لبوشكين فقد كانوا يحفظون أشعاره عن ظهر قلب تقريبا) تسبب موت الكساندرا "أخت الكاتب الصغرى" بحزن شخصي عميق لفيودور .

في عام 1834 يدخل الأخوين فيودور و ميخائيل مدرسة جرماكا الواقعة في شارع باسمانوي , ويبقيان هناك حتى عام 1837 . كتب كاجنوفسكي زميل فيودر في المدرسه عن تلك المرحلة من حياة الكاتب يقول : كان فيودور شاحب الوجه, جديا, وغارقا طول الوقت في التفكير , لم يكن يهتم باللعب , ويفضل استغلال أوقات الفراغ بقراءة الكتب وما تبقى من الوقت يصرفه في مناقشة طلاب الصفوف المتقدمة )

في شتاء عام 1837 توفيت والدة فيودور ميخايلوفيش وبوفاتها انتهت مرحلة الطفولة بالنسبة للكاتب, وبعد عام بالضبط يسافر بصحبة أخيه ميخائيل إلى سانت بيتربورغ للالتحاق بمعهد الهندسة العسكرية, لكن الحظ لم يحالف ميخائيل فرفض طلبه في الانتساب إلى المعهد لأسباب صحية مما أضطره لدخول المعهد الهندسي في رفلا. لم تستهو الدراسة في المعهد الهندسي فيودور ميخايلوفيش وكذلك الخدمة بعد تخرجه ويرجع السبب إلى إن دخوله المعهد لم يكن برغبته الشخصية إنما نزولا عند رغبة والده الذي عاجلته المنية في أوائل صيف 1839 .

تأثر الكاتب كثيرا لموت والده , وكانت أول حالة لنوبة مرض الشقيقة التي لازمت الكاتب طيلة حياته مرتبطة بوفاة والده . وفي هذا الأثناء تناقلت الألسن إشاعة انتقلت كالنار في الهشيم عن مقتل أخيه ميخائيل "الذي كان يهوى مشاكسة الفتيات القرويات" على أيدي فلاحي قرية دار وفيا " القرية التي كان يقضي فيها فيودر الصغير عطلة الصيف " .

يعتز دستويفسكي كثيرا بتعرفه على الشاعر شيدلوفسكي خلال فترة دراسته في بيتربورغ. لنقرأ ما كتبه لأخيه ميخائيل عن هذا الشاعر: ( ياله من إنسان رائع ونقي .. كم تمنيت لو أنك قرأت الأشعار التي كتبها في الربيع الماضي ) كان دستويفسكي يجد في صحبته متعة تزيح عن كاهله ثقل الدروس المملة في الكلية العسكرية. يمكن وصف سنوات الكلية العسكرية بالسنوات التي ولدت دستويفسكي الكاتب , وكتب عنها غريغورفيتش زميل دستويفسكي في الكلية يقول:

( في تلك الفترة بدت على فيودور ميخايلوفيش علامات العزلة والابتعاد عن الناس , فبدلا من المشاركة في الألعاب , كان يجلس منزويا وعيناه لا تفارقان كتابه .... تكاد رؤيته تتعذر من دون صحبة كتاب) في ذلك الأثناء كان ديستويفسكي يقرأ أعمال شيللر وشكسبير وغوته وبلزاك . وفي تلك السنوات بالذات غاص فيودور في أعماق شخصية غوغول وصوره الإبداعية التي برع بنسجها على الورق بإتقان ودقة.

بعد انتهاء الكلية في عام 1843 تم فرز دستويفسكي للعمل في قسم الرسم الهندسي وبعد مضي عام يطرد من الخدمة ويتحقق له ما كان يتمناه فيؤجر شقة برفقة غريغورفيتش ( أحد أصدقاء الكاتب ), وفي أيار 1845 يكتب دستويفسكي أول أعماله ( الناس الفقراء ) ولكن قبل ذلك ترجم رواية ( افغينيا غراندا ) لبلزاك والتي نشرت عام 1844.

غريغورفيتش كان أول من قرأ رواية ( الناس الفقراء ) وبدوره أطلع عليها نيكراسوف الذي علق عليها قائلا ( أنه غوغول جديد يظهر من بيننا) ونيكراسوف بدوره أطلع عليها بيلينسكي. وفي موقف مؤثر خاطب فيسارفيتش غريغورفيتش الكاتب بقوله ( هل تعرفون ماذا كتبتم ؟ أن تكتبون ذلك وانتم في سن العشرين يعني أنكم تتمتعون بموهبة فذة , حافظوا على هذه الموهبة وستصبحون كاتبا عظيما ) عندما يتذكر دستويفسكي هذا الكلمات يردد مع نفسه ( إنها أروع لحظة عشتها في حياتي ). بقي دستويفسكي أمينا لموهبته لكنه سلك طريقا مختلفا عن طريق بيلينسكي ( بيلينسكي كان ملحدا ) , ولكن ديستويفسكي بقي يتذكر الناقد العظيم بامتنان كبير.

رواية ( الناس الفقراء) طبعت في بيتربورغ وبعد ذلك ذاع صيته في كل الأرجاء . ومثلما قال عنه نيكراسوف رأى فيه الكثيرون موهبة كبيرة ووريثا لتقاليد غوغول , رغم أنه اختلف عن غوغول بتحليله العميق للجوانب النفسية من حياة أبطاله .

وبعد النجاح الذي حققته روايته " الناس الفقراء" بدأت رواياته التي يصف فيها حياة طبقات المجتمع المختلفة تتوالى على الصدور ومنها " التوأمان" " ربة البيت " " رواية من تسعة رسائل" " السيد بروخارجين" " بولزينكوف" وكتابات أخرى تتناول حياة الحالمين, وهم الأشخاص الذين لم تتوفر فيهم الشجاعة لمواجهة أقدارهم فآثروا عالم الأحلام والتخيلات. اشهر حالمي دستويفسكي كان بطل رواية الليالي البيضاء . بطل الرواية يقرر فجأة مغادرة عالم أحلامه , ولكنه يصاب بهزيمة كبيرة في أول مواجهة حقيقية له مع الواقع. بعد ذلك يبدأ دستويفسكش بكتابة روايته " نيتوجكا نيزفانفا" التي لم يتمكن من إكمالها.

في ساعة مبكرة من صباح 23 أبريل 1849 وبأمر شخصي من القيصر نيكولاي الأول ألقى البوليس القبض على الكاتب وأودع في قلعة بتروبافلوفسكي ومعه مجموعة كبيرة من أعضاء حلقة بتراشوف التي كان الكاتب ينتمي إليها. في مارس من عام 1846 وبينما كان الكاتب يتجول في شارع نيفسكي تقدم منه رجل بمعطف أسود مخاطبا إياه:

" هل تسمحوا لي بالسؤال عن موضوع روايتكم القادمة سيد فيودور ميخايلوفيش؟ " وكان ذلك أول لقاء يجمعه بالموظف السابق في وزارة الخارجية بوتاشفيج بتراشفسك! الذي أصبح فيما بعد عضوا في حلقته وسبب مطاردة السلطات القيصرية له انتهاء بسجنه.

في بداية ربيع عام 1847 يصبح الكاتب عضوا في حلقة بتراشفسك , وكانت تناقش فيها مواضيع سياسية واجتماعية واقتصادية وقضايا أخرى. وكان دستويفسكي من المؤيدين لإنهاء السلطة الملكية ورفع الرقابة عن الأدب, لكنه لم يشاطر الآخرين فكرة تغيير النظام باستخدام القوة.

في إحدى اللقاءات ناقش دستويفسكي مع بعض الأعضاء فكرة إنشاء مطبعة سرية , لكنه أعتقل بعد ذلك التاريخ بقليل ولم تر مطبعته النور . في أحد ى المناسبات يقرأ الكاتب على الحضور رسالة بيلينسكي الشهيرة إلى غوغول " مقتطفات مختارة من رسائل للأصدقاء " . وستتحول قر ائته لهذه الرسالة " الإجرامية " إلى تهمة يعتقل الكاتب بسببها إذا سلمنا بأن فكرة تأسيس مطبعة سرية لم تتولد عنها أية عواقب.

لم يكن الكاتب من أتباع الاشتراكيين الحالمين وكان انضمامه للحلقة بسبب خوفه من الانعزال عن الحياة الاجتماعية وليس للتآمر على سلطة القيصر. لذا كان مستاء من السلطات لاعتقاله لسبب تافه وهو قراءته لبيلينسكي وغوغول , وأي منهم بالضبط كان السبب في اعتقاله, هذا ما لم يستطع الكاتب معرفته بالضبط. بقرار من المحكمة , يسجن الكاتب و تسعة آخرين من أعضاء الحلقة في قلعة بتروبافلوفسك . لكن هذا الاعتقال لم ينل من معنويات الكاتب, فقد كتب من السجن لأخيه يقول:

"أرى أن حب الحياة متجذر فيٌ للحد الذي يستحيل اقتلاعه" كان اهتمام دستويفسكي خلال الأشهر التسعة التي قضاها في القلعة في انتظار المحكمة منصبا على فترة ما بعد السجن , وكان يطلب من أخيه تزويده بالمزيد من الكتب وهناك كتب قصة " البطل الصغير". و أثناء التحقيق أنكر الكاتب جميع التهم الموجهة إليه , لكن المحكمة العسكرية وصفت دستويفسكي ب " أحد أخطر المجرمين " ووجهت له تهمة التآمر وحكمت عليه بالموت رميا بالرصاص.

ولكن القيصر نيكولاي الثاني ترك الباب مفتوحا لإمكانية الصفح عنهم على أن يتم ذلك قبل لحظات من تنفيذ الحكم . في 22 ديسمبر 1849 وقف ديستويفسكي في ساحة سميونفسكي وجها لوجه أمام فرقة الإعدام ليواجه الموت رميا بالرصاص. وبالفعل صدر أمر بالعفو عنهم و نقل دستويفسكي إلى إقليم أومسك حيث بقي هناك حتى شباط 1854 .

يصدر القيصر عفوا عن فيودر ديستويفسكي وأعضاء حلقة بيتراشوف الثورية وعددهم واحدا وعشرون ويُستبدل حكم الإعدام بالسجن والأشغال الشاقة لمدة 4 سنوات فيُنقل السجناء وهم مقيدون بالسلاسل الثقيلة إلى سجن أومسك الرهيب في سيبيريا في رحلة طويلة تقارب الأسبوعين ودرجات حرارة تزيد عن الأربعين.

في كتابه ( ذكريات من بيت الموتى ) يقدم فيودور دستويفسكي وصفا دقيقا لحياة هؤلاء للسجناء, ليست حياة القديسين والعشاق المعذبين بالطبع بل عتاة المجرمين القتلة وقطاعي الطرق الأشقياء وعديمي الضمائر, ومنهم الجنود الذين لم يتحملوا المعاملة القاسية في الخدمة فانتقموا من ضباطهم , وآخرون أبرياء ألصقت بهم جرائم لا علاقة لهم بها.

كان الكاتب يعاني من العزلة الثقيلة داخل السجن لعزوف المعتقلين من الاختلاط به بسبب انتماءه إلى عالم يختلف تماما عن عالمهم , فكان يستغل وقته في الكتابة ـ رغم أنها كانت ممنوعة ــ , فكتب " دفاتر سيبيرية " التي ضمنها خواطره وأغاني السجناء وأمثال شعبية وغيرها , ولاحقا تتحول " دفاتر سيبيرية " إلى مصدر مهم لكتابه" ذكريات من بيت الموتى" .

في شباط 1854 تقرر المحكمة ــ نفس المحكمة التي أصدرت حكم الإعدام على الكاتب عام 1849 ــ إرساله إلى الخدمة في الكتيبة السيبيرية قرب الحدود الصينية وهناك يجرب الكتابة من جديد لكنه لم يتمكن من إنجاز أي عمل يذكر. وفي هذا الأثناء كانت شهرة الكاتب قد طبقت الأفاق فتعرف إلى شخصيات مهمة , من ضمنها الحاكم فرانككل " الذي كان حاضرا يوم تنفيذ حكم الإعدام بأعضاء حلقة بيتراشيف في شتاء 1849 " وبمساعدته يشق طريقه إلى أوساط المجتمع الأرستقراطي الراقي ( حيث تعرف بباليجانوف القائد القوقازي الشهير , وجمعتهم صداقة امتدت إلى ما بعد عودته من المنفى ) وبفضل هذه العلاقة يحصل الكاتب بعد عودته من المنفى على ترقية وقبل ذلك بقليل وبأمر من القيصر تعاد للكاتب رتبته العسكرية التي أسقطت عنه عام 1849 . .

في أوائل عام 1857 يتزوج الكاتب من ماريا دميتريفنا يسايفا, التي عرفها وأحبها منذ كانت متزوجة من رجل أخر, ولم يكن زواجهما ناجحا بسبب التباين الذي ظهر بينهما بعد الزواج , وبعد عامين يحال الكاتب على التقاعد ولكن السلطات رفضت السماح له بالعودة إلى سانت بيتربورغ ولم يسمح له بالعيش في موسكو أيضا. واستقر به المقام في آذار 1859 في تفيري . وبعد وقت قليل ينجح الكاتب في العودة إلى العاصمة الشمالية " موسكو", وفي ديسمبر 1859 وبالضبط بعد عشرة أعوام من حكمه بالإعدام يعود الكاتب إلى مدينة سانت بيتربورغ.

بعد العودة من سيبيريا يسعى الكاتب إلى التعريف بتجربته التي عاشها في السجن, فيبدأ العمل رئيسا لتحرير مجلة ( الوقت ) السياسية ـ التي أسسها أخيه ميخائيل في عام 1861 ـ وعلى صفحات هذه المجلة نشر ديستويفسكي أول عمل له بعد عودته من المنفى, وهو روايته " المهانون والمحتقرون" وقد جسد بطلها أيفان بيتروفيش جوانب كثيرة من حياة الكاتب نفسه.

وفي هذا الأثناء تصدر رواية الكاتب " ذكريات من بيت الموتى". وفي عام 1863 ينشر دستويفسكي سلسلة مقالات تحت أسم "ملاحظات شتوية حول انطباعات صيفية " سجل فيها مشاهداته في بعض الدول الأوربية التي زارها في صيف 1862 . سلكت مجلة " الوقت " ومنذ بداية صدورها خطا سياسيا مستقلا لم يرق للسلطات القيصرية, وبسبب المقال المثير " قضية مصيرية" لعضو هيئة التحرير ستراخوف حول الانتفاضة البولونية, تغلق الرقابة المجلة في أبريل 1863 وتمنعها نهائيا من الصدور .

في عام 1864 ينجح الكاتب في الحصول على امتياز لإصدار مجلة جديدة اسمها " العصر " , وفي نفس العام ينشر على صفحاتها كتابه " كتابات ممنوعة " العمل الذي أعتبره الكثير من النقاد نقلة نوعية في الفن الروائي الناضج. في نفس العام توفيت زوجة الكاتب ماريا دميتريفنا , وبعد أشهر توفي أخيه ميخائيل بعد معاناة طويلة مع المرض, الأمر الذي ألقى بأعباء جديدة على كاهل دستويفسكي في تسيير أمور المجلة , فلم يوفق بمفرده في القيام بذلك مما أدى إلى إغلاقها في شباط 1856.

كانت للكاتب قبل وفاة ماريا دميتريفنا قصة حب أخرى بطلتها الشابة المتمردة أبوليناريا سوسلفا, الفتاة المولعة بكل ما هو ثوري فأعجبت بالكاتب الذي أمضى خمسة أعوام في سيبيريا لنشاطاته الثورية. وفي ذلك الوقت كانت زوجته المريضة ماريا دميتريفنا تسافر لفترات طويلة أما للعلاج أو لزيارة أبنها المختل ــ من زوجها السابق ــ أو للمكوث عند والديها.

أيقظت سولوفا مشاعر حبيسة في قلب الكاتب كان قد نساها منذ زمن طويل فيسارع إلى طلب يدها فتجابهه بالرفض مفضلة العيش مع رجل أخر, لكن اليأس لم يتسلل إلى قلبه فيبقى يطاردها إلى أن يلتقيها في باريس , ويقررا العيش والتجوال معا في أوربا , لكن إدمان الكاتب على لعبة الروليت ( خسر الكاتب كل ما يملك وما تملكه سوسلوفا من مجوهرات ) يدفع سوسلفا على العودة وحيدة إلى روسيا , و يواصل دستويفسكي التردد على نوادي القمار التي جلبت له الويلات حتى صيف عام 1871. لكنه لم يقطع علاقته بسوسلوفا ــ وكانوا يتبادلون الرسائل ــ حتى مارس 1867 حيث يتزوج ديستويفسكي ثانية . وبقيت سوسلفا حاضرة بمشابهتها بولينا في رواية الكاتب " المقامر".

لم يتبق للكاتب أي مصدر للعيش فيوقع اتفاقا مع إحدى دور النشر يتعهد بموجبه بكتابة رواية جديدة قبل 1 نوفمبر 1866 وعكس ذلك سيفقد حقوقه في نشر جميع مؤلفاته. ولم يتمكن ديستويفسكي من كتابة شيء, وحين أشرفت المهلة على الانتهاء ولم يبق منها غير شهر واحد , نصحه أصدقائه المقربين بالبحث عن سكرتيرة ذات خبرة بالطباعة وفي فترة 28 يوم أملى على مسامعها روايته الشهيرة " المقامر" خاصة وأن الكاتب على معرفة دقيقة بسايكيلوجيا المقامر والتي خبرها أكثر من أي شخص أخر. بعد وقت قصير يتزوج الكاتب من آناغريغورفنا سنيتكنا , ولم تكن تلك الفتاة غير تلك التي أملى عليها روايته " المقامر". في عام 1866 يكتب دستويفسكي روايته الشهيرة " الجريمة والعقاب " والتي أكملها في عام واحد.

كتبت أنا غريغورفنا تقول: في الأيام الأولى من زواجنا وعندما كنت أتجول بصحبة فيودور , طلب مني اللحاق به إلى أحد البيوت المهجورة وهناك أراني حجر كان راسكولنيكوف " بطل رواية الجريمة والعقاب " قد أخفى تحته المسروقات التي سرقها من ضحيته العجوز.

أن أشد العقوبات قسوة بعد ارتكاب الجريمة تكمن في نظر ديستويفسكي في المعاناة الرهيبة التي يعيشها الإنسان مع نفسه وليس في السجن أو في مكان أخر. حازت رواية الجريمة والعقاب على لقب أول عمل بوليسي في العالم. وتهربا من الدائنين , يعيش دستويفسكي وآنا خارج روسيا (من عام 1867 إلى 1871) متنقلين بين درزدن وبرلين وبازل وجنيف وفلورانس .

و في نهاية 1871 يتمكن الكاتب من تسديد قسما من ديونه ويعود إلى مدينته سانت بيترسبورغ.))

منقول