المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصحافة العربية.. ولعبة الحقائق



bode
24-Oct-2007, 10:10
لفت نظري مقال لكاتب ناشئ في إحدى الصحف العربية، يتحدث فيه عن معاناة الكاتب الناشئ، والحقيقة أن المقالة يفوق مستواها مستوى الكثير من كتابات الكتاب المحترفين الذين يُشار لهم بالبنان!! وقد أثار الكاتب عدة قضايا في مقالته، من أهمها رد الاتهام المنصب على الجيل الصاعد من الكتاب والصحافيين، حول عدم امتلاكهم المهارات الكافية التي تؤهلهم لخوض غمار الصحافة مقارنة بأقلام جيل الماضي، بجانب شكواه من رؤساء التحرير الذين يرفضون تقديم مكافأة ولو ضئيلة للكتاب الناشئين، وأن هذا من وجهة نظره استغلال للأقلام الناشئة من منطلق تلهفهم على رؤية أسمائهم منشورة على صفحات الجرائد، معلقا بأنه لا يكتب فقط لمجرد الكتابة، لأن الحياة لها معايير أخرى ومطالب متعددة، بجانب تحسره على خيبة توقعاته في أن يكون مليونيرا من خلال عائد نتاجه الكتابي!!

هذه المقالة أرجعتني إلى الوراء، وتداعت الذكريات في خاطري، ففي بداياتي قمت بعمل العديد من التحقيقات الصحافية قبل أن أتحول للكتابة الأسبوعية والمجال الأدبي، وأتذكر أنني بعد نشر أول تحقيق لي في صحيفة سعودية محلية، طالبت رئيس تحريرها بمكافأتي المادية فاعتذر بحجة أنني صحافية ناشئة وأن نشر تحقيقي يعتبر في حد ذاته نجاحا لي!!

مع تكرار تجاربي من هذا النوع مع صحيفتي المدينة والبلاد، أيقنت بأن تصرف اول رئيس تحرير اتعامل معه لم ينبع من موقف شخصي، وإنما هو نهج عام يتبعه معظم رؤساء التحرير في تعاملهم مع الصحافيين والكتاب الناشئين. وقد تزامن مع ذلك التوقيت انني نشرت «وجدانيات» في مجلة «صباح الخير» المصرية واتبع رئيس تحريرها معي نفس الأسلوب في تجاهله تقديم أي مكافأة مادية لي على الرغم من أن «الوجدانيات» كانت تنشر في مكان بارز بالمجلة، ولم أحصل على عائدها المادي إلا بعد أن جمعتها في كتابي الأول «رسالة إلى رجل».

وكانت أول مكافأة مادية أتحصّـل عليها، من تحقيق قدمته إلى جريدة «الرياض»، أحسست لحظتها بسعادة تغمرني وأنا أقبض عليها بيدي، لإدراكي الخاص بأنني خطوت أولى خطواتي لأكون في مصاف الكتاب والصحافيين المحترفين.

تصلني رسائل إليكترونية من بعض الكتاب الناشئين يطلبون مني التوسط لهم في واحدة من الجرائد العربية البارزة، وأعتذر لهم على استحياء لأنني بالفعل لست في موقع المسؤولية لأبت في هذا النوع من القرارات. وأعود إلى الكاتب الناشئ الذي كان يمني نفسه بأن يكون ثريا من وراء الكتابة!! أقول له: «كان غيرك أشطر». لقد اندهشت وأنا أقرأ عن مؤلفة قصص «هاري بوتر» التي كانت تعيش الفقر والفاقة إلى أن أصبحت ثروتها اليوم تفوق ثروة ملكة بريطانيا، متسائلة بحسرة.. كم من ادبائنا العرب استطاعوا أن يجنوا ثروات من نتاجهم الفكري؟!

إن نجيب محفوظ الأديب العربي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل في الأدب لم يصبح مليونيرا، وهذا يعود إلى السبب الذي يعرفه الجميع وهي أن الأفراد في المجتمعات الغربية يهتمون بالقراءة، وتجدهم يقرأون في الحافلات وفي المطاعم وحتى في عيادات الأطباء احتراما للوقت، بعكس الأفراد داخل المجتمعات العربية الذين ينصرف جلهم عن القراءة وبالكاد قلة منهم تقرأ، لذا نجد أن أعلى نسبة بيع لكتاب لا تتجاوز الخمسة آلاف نسخة، يذهب جزء منها في الإهداءات، والبقية تتراكم عليها الأتربة وهي ناعسة على الرفوف، تنتظر أيدي حانية تلتقطها!! بجانب جشع جـلًّ دور النشر من خلال استغلال احتياج الكاتب لها، ومعرفتها عدم قدرته على تحمّـل تكاليف طباعة كتبه مما يجعله يرضى بالفتات!! ويضطر الكاتب الى أن يتجه للكتابة في الصحف والمجلات لكي يسدد نفقات أسرته ويعيش في مستوى اجتماعي لائق بمكانته الأدبية!!

هناك عبارة صائبة أوردها عثمان العمير في كلمته التي ألقاها في ملتقى الإعلام العربي بالكويت، حين قال بأن وزراء الإعلام إذا أنفقوا فإنهم يعتمدون مبلغا نزيها لدعم أعمالهم، لا يساوي مبلغ ثلاثة مذيعين عالميين!! فهل هذا يعني أن رؤساء التحرير مظلومون، كونهم ملتزمين بميزانية محددة تجاه مالكي المطبوعة؟! هل هذا يعني أن تنتهج العديد من الجرائد خطا منفردا حتى تحقق المكسب المادي المطلوب منها؟! وهل هذه الدوامة التي يحيا في وسطها رؤساء التحرير دفعتهم إلى إعطاء ظهورهم للأقلام الناشئة؟! وهل يشكل هذا سببا كافيا للتعامل مع الأقلام الناشئة بهذه القسوة؟! إذا اقتنعنا بهذه التبريرات، فهذا يعني بأن الصحافة الورقية ستتحول يوما إلى صحافة شائخة لا تجديد لروح الشباب فيها، خاصة أن العديد من الصحف العربية باتت تبحث عن الصخب الإعلامي لكي تضمن الربح السريع من دون النظر إلى المضمون الجيد الرصين، وهو ما جعلها تحصر دورها في هذا الإطار ولا تلتفت إلى تقييم كفاءة الصحافي أو الكاتب الناشئ من الزوايا المهنية!! وقد شاع استخدام هذا التوجه لكي ينافس الصحافة المرئية، حيث غدت الفضائيات تنتج برامج سطحية لا مضمون فيها، تقدمها مذيعات جميلات ليستقطبن أكبر قدر من المشاهدين!!

هناك ظاهرة جديدة ظهرت في الآونة الأخيرة، من خلال تخصيص العديد من الجرائد العربية، صفحات لنشر مقالات لكتاب وصحافيين غربيين على مختلف توجهاتهم، وليس عندي اعتراض على هذا المنحى، كون القارئ العربي من حقه أن يطلع على وجهات نظر الآخرين، لكنني على الجانب الآخر ترتسم علامة استفهام كبرى في خاطري.. لماذا نادرا ما نجد قلما عربيا يستحوذ على حيز مناسب في جريدة غربية؟! هل هذا يعود إلى شعورنا بالنقص تجاه الغربيين، وتضخّم عقدة «الخواجا» في داخل كل فرد عربي؟!

أن القضية في رأيي تنصب في أننا لم نملك إلى اليوم هوية إعلامية واضحة الرؤية، ولم نفلح في وضع بصمة مميزة في الإعلام العالمي!! بجانب انعدام مصداقية معظم الأقلام العربية وكونها صارت تتمايل مع اتجاه الريح!! فهناك أقلام تمارس الكتابة كترف اجتماعي!! وهناك أقلام تستخدم أقلامها في نشر العُـهر الفكري من خلال الترويج لقضايا تشوه فكر المجتمع العربي!! ويجب أن لا نغفل أمرا مهما وهو انهم في الغرب لا يعبأون بما نكتب من منطلق قناعتهم بأننا شعوب مقموعة تكتفي بعزف أوجاعها داخل حجراتها بعد أن تم جز حبالها الصوتية، وتعيش على هامش الحرية الفكرية، ومحرومة من حقها في التعبير!! هناك أسئلة كثيرة بحاجة إلى أجوبة موسعة حتى لوكانت أعيرتها النارية ستحدث دويا في الفضاء!! وما زال الحديث مستمرا..
زينب حفني