المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العمل الأهلي:رؤية إسلامية



بن نزار
26-Oct-2006, 02:10
العمل الأهلي:رؤية إسلامية

بقلم/ هشام جعفر
خبير في البحوث السياسية والاجتماعية



--------------------------------------------------------------------------------

تقديم:

يهدف هذا المقال -بشكل أساسي- إلى إعادة تعريف مفهوم "المجتمع المدني"، ليس بغرض تبني تضميناته الفلسفية، وإنما بهدف بيان الأسس الفلسفية التي يمكن أن نؤسس عليها مفهومنا -نحن العرب والمسلمين- للعمل الأهلي، مع توضيح الخبرة الحضارية التي يمكن أن تساهم بها أمتنا على المستوى العالمي في إثراء النقاش والجدل الدائر حول هذا الموضوع.

إن إعادة البناء هذه عملية منهاجية بالغة التعقيد؛ لأنها تتضمن عمليات عديدة تتكامل فيما بينها، وبالمناسبة فهذه العمليات ليست قاصرة على موضوع العمل الأهلي، وإنما تمتد لتشمل غيرها من القضايا والموضوعات التي تتعلق بمناطق الاحتكاك الحضاري والثقافي بين أمتنا والغرب، وهذه العمليات المنهاجية المركبة من شأنها أن تؤدي بنا إلى أن نمسك الميزان ثم نستورد ما هو موزون لنقوم نحن بوزنه، وعلى هذا فإننا لسنا ضد الوافد أياً كان، ولكن ضد أن نستورد الميزان من الآخر لنزن به، ونحن بهذا الشكل نطرح رؤية انفتاحية حقيقية يعبر عنها كلمة أو مصطلح اجتهاد في الرؤية الإسلامية، الذي يعني النسق المفتوح وليس النسق المغلق المصمت، ولكنه يظل في النهاية اجتهاداً نابعاً من الذات الحضارية لأمتنا ، هذه العمليات هي:

للإسلام، ويبين التصورات التي يستند إليها العمل الأهلي، وبالمقابل فإن هذا الموقف العقدي يتطلب إدراك الأسس الفلسفية التي تستند إليها الحضارة الغربية، أي إدراك ملامح الرؤية الكونية الغربية وتأثيرها في مناهج ومقتربات ومفاهيم ومظاهر الحضارة الغربية.

جانب فقهي تشريعي يؤصل المبادئ والأصول العامة، كما يرسم الضوابط والحدود للموضوع المطروح.

جانب واقعي يتعلق بالصيغ والأشكال المؤسسية والتنظيمية التي تم من خلالها التعبير عن العمل الأهلي في الخبرة الحضارية لأمتنا، فهذه الأشكال والصيغ المؤسسية تكشف عما استقر في الضمير الجمعي للأمة، وانتقل من ناس إلى ناس بالتقبل الشعبي العام.

وعلى هذا فإن هذا المقال ينقسم إلى النقاط الخمس التالية:

أولاً: بواعث رواج مفهوم المجتمع المدني في الخطاب السياسي العربي المعاصر.

ثانياً: الأسس الفلسفيةلمفهوم المجتمع المدني

في خبرته الغربيةلا يمكن بحال عزل مفهوم "المجتمع المدني" عن السياق التاريخي الذي نشأ فيه، ونقصد بالسياق التاريخي هنا: نشأة المفهوم داخل التشكيل الحضاري الغربي باعتبار المفهوم بلفظه والدلالات التي يحملها والمضمون الذي يحدده قد نشأ وتطوّر داخل هذا التشكيل بواقعه وصراعاته الاجتماعية والفكرية.

إن هذا التاريخ من شأنه أن يدلنا أولاً على الظروف التاريخية التي أحاطت بتشكيله وتشكله حتى استقر الحال على ما هو عليه الآن من طرحه "كقيمة مرجعية حاكمة" -أو ينبغي أن تحكم- حركة التطورات العالمية في علاقة المجتمع بالدولة وفي تحقيق النظام الديمقراطي.
كما أن إدراك هذا التاريخ من شأنه أن يوضح لنا ثانياً التضمينات الفلسفية التي تقف وراء المفهوم فتتلبس به ولا تنفك عنه، وهذا الإدراك من شأنه أن يساعدنا -نحن العرب والمسلمين- على تحديد أو بناء موقف أكثر تركيباً وعمقاً في النظر إلى مفهوم "المجتمع المدني" والتفاعل معه، وأخيراً فإن إدراك الظروف التاريخية التي أحاطت بنشأة المفهوم تساعدنا على بلورة وتحديد الملابسات التي يجب أن نعيها عند نقل هذا المفهوم -الذي نشأ داخل تشكيلة حضارية ما- إلى التشكيلة الحضارية للأمة بقيمها وفلسفتها ونظرتها للكون والحياة والإنسان.
مفهوم "المجتمع المدني" -في جذوره التاريخية- نشأ في إطار الصراع بين القديم والجديد في أوربا القرن السابع عشر والثامن عشر، أو بعبارة أخرى فقد نشأ المصطلح في إطار التخلص من "أزمنة العصور الوسطي"، وفي إعلان القطيعة مع النظام القديم جملة وتفصيلاً، والقبول بنظام جديد يقوم على أسس مختلفة ومخالفة، وقد التبس هذا الصراع بمعارك فكرية وأيديولوجية، كما ارتبط بقوى اجتماعية صاعدة وأخرى مندثرة، وقد تركت هذه المعارك آثارها على الأسس الفلسفية التي يتأسس عليها المفهوم -مفهوم المجتمع المدني- وينطلق منها، أهمها: الصراع:
والصراع هنا ليس قاصراً على الصراع بين المجتمع والدولة، كما يحلو لبعض أنصار المجتمع المدني أن يصوره، ولكنه صراع -أيضاً- بين الأفراد والتكوينات داخل "المجتمع" بغية تحقيق صالحهم الخاص، فالمجتمع المدني يعرف بأنه: "مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها".
وإذا كانت نشأة مفهوم المجتمع المدني قد تمّت في إطار الصراع بين الأفراد لتحقيق مصالحهم الخاصة ، فإنه أيضاً نشأ نتيجة الصراع بين الدولة والمجتمع المدني في أوربا، وفي ظل تطورات العلاقة التي قامت بينهما حين تكونت لدى الدولة إرادة السيطرة والاحتواء، وتكون في المجتمع نزوع نحو مزيد من الاستقلال والتمايز عن الدولة، ودعوة إلى التقليل من ثقل حضورها.
إن نشأة "الدولة القومية" في أوروبا ذات دلالة هامة في فهم الملابسات التي أحاطت ببروز مفهوم المجتمع المدني ، فقد كانت الدولة سبيلاً أساسياً وأداة ناجعة في التخلص من العصور الوسطي والانتقال إلى العصور الحديثة. كانت "الدولة القومية" أداة توحيد للقوميات المتباينة والمنقسمة بشدة في أوروبا، كما كانت السبيل لتحقيق "السوق الواحدة" الذي يعد متطلباً أساسياً من متطلبات الانتقال من مرحلة الإقطاع إلى مرحلة الرأسمالية، لأنها -أي السوق الواحدة- سبيل تبادل السلع والخدمات بحرية كاملة، وما يرتبط بذلك من إنتاج كبير ووفير يسمح بهذا التبادل.
في هذا السياق ولتحقيق هذه الأغراض توغلت الدولة القومية في أوروبا، وزادت سطوتها على المجتمع حيث أنيط بها إنجاز كثير من المهام والأدوار لصالح بعض الفئات الاجتماعية الصاعدة وبخاصة الفئة الرأسمالية، وقد تأكد هذا التوسع في دور الدولة مع المرحلة الاستعمارية حين تحولت الدولة إلى أداة الاستعمار الغربي ووسيلته الأساسية.
كل هذه التطورات أدت إلى ميل الكفة لصالح الدولة على حساب المجتمع، ثم في تطور آخر كان لا بد للمجتمع أن يعود للتوازن بينه وبين الدولة، وهنا ملاحظة جديرة بالتأمل، وهي أن بعض دعاة المجتمع المدني في بلداننا يحلو لهم أن يروّجوا لأسطورة الفصل التام بين الدولة والمجتمع، أو الصراع الدائم والمستمر بين الاثنين، وهؤلاء يتناسون أو يتغافلون عن أن هذا الفصل ليس هو واقع الحال بين الطرفين في الغرب، ولم يكن كذلك في الماضي فالدولة والمجتمع نشآ متضافرين لتحقيق "مشروع الحداثة"، وفي إطار التحول عن القديم، وهذا لا يعني بالطبع عدم وجود قدر من الصراع بينهما، ولكنه صراع على حدود الفعل ومساحته، وليس على المقصد من وراء الفعل أو الغاية منه.
إن الصراع المتوهم بين المجتمع والدولة في واقعنا العربي والإسلامي من شأنه كما يروج بعض دعاة مفهوم "المجتمع المدني" أن يضعف كلاً منهما لصالح الخارج، وهذا هو خطورة نقل خبرة حضارية من واقع لواقع آخر دون إدراك خصوصياته وتوظيفاته في الواقع الجديد، ويجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن خبرة العلاقة بين المجتمع والدولة في الغرب أدت إلى إيجاد "اعتماد متبادل" بينهما لتحقيق مصالح وغايات الحضارة الغربية وأهدافها العليا.




مقومات مفهوم المجتمع المدني
وإذا كانت مفاهيم الصراع والتعاقدية والمدني هي الأسس الفلسفية التي يقوم ويتأسس عليها مفهوم المجتمع المدني في خبرته الغربية، فإن المفهوم يستند إلى عدد من المقومات الأساسية أهمها:

فكرة الطوعية: باعتبارها أحد أسس تكوين بعض التشكيلات المؤسسية والاجتماعية.

المؤسسية: أو بالأحرى المؤسسات الوسيطة التي تنشأ لتملأ الفراغ بين الدولة والسلطة السياسية والأسرة، ولتقوم بوظائف ومهام متعددة.

3 - أما العنصر الثالث: فيتعلق باستقلال هذه المؤسسات عن السلطة السياسية، ومحاولة التملص من هيمنة الدولة وطغيانها على المجتمع.

4 - وأخـيراً: فإن المفهوم يرتبط بعدد من القيم والمفاهيم الأخرى التي لا تنفك عنه لزوماً وتلازماً، أبرزها: مفهوم المواطنة، ومفهوم حقوق الإنسان، والمشاركة السياسية والشعبية، والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف…إلخ.


إن التمييز بين الأسس الفلسفية التي يستند إليها مفهوم "المجتمع المدني"، وبين المقومات التي تمثل مؤشرات دالة عليه وموضحة لمضمونه، إن هذا التمييز من شأنه أن يساعدنا في بناء موقف أكثر تعقيداً وتركيباً في النظر إلى المفهوم والتعامل معه، فإذا كان الإنسان المسلم -عند تعامله مع هذا المفهوم- يرفض الأسس الفلسفية التي ينطلق منها المفهوم باعتباره يحمل نظرة للكون والحياة والإنسان تتناقص أو تتباين مع هذه الأسس، إلا أن الموقف من المقومات موقف مختلف، لأنه قد يقبل من هذه المقومات ويرفض، بل إن الخبرة الحضارية لأمتنا تسمح بتقديم نموذج مختلف يمثل إسهاماً حقيقياً لها في صياغة الواقع والأفق العالمي المنشود، وهذا ما سأناقشه في الجزء التالي من المقال.

رابعاً: الأسس الإسلامية للعمل الأهلي

العمل الأهلي هو جهد تبذله الأمة بجميع فئاتها وطوائفها ومؤسساتها مستهدفة تحقيق مقاصد الشرع الخمسة (حفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ النفس، وحفظ العرض)، أو بعبارة أخرى، فإن جوهر العمل الأهلي -في الرؤية الإسلامية- هو تحقيق مقصد "العمران" في الأرض {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} "هود:61"، الذي هو سبيل تحقيق ذاتية الأمة ومثاليتها في أرض الواقع.

العمل الأهلي بهذا المعنى يتأسس على مجموعة من المفاهيم المحورية أهمها:

فروض الكفاية والمسئولية الجماعيةللأمة:

تجد فروض الكفاية سندها في توجه الخطاب القرآني بتكاليف الله سلباً وإيجاباً للأمة {يا أيها الناس…} {يا أيها الذين آمنوا …} {أقيموا الصلاة..} {وافعلوا الخير…}. وخطاب الله للأمة شمل التكاليف الفردية كما شمل التكاليف الجماعية، فالإسلام لا يخاطب الفرد فحسب، وإنما يخاطب الجماعة في عمومها أيضاً، فهناك فروض أوجبها الإسلام على كل فرد بعينه وهناك فروض أوجبها الإسلام على الجماعة بجمعها وبوصفها كلاً متميزاً عن ذات الأفراد المندرجين فيها، وهذه الفروض هي ما يطلق عليها "فروض الكفاية" التي تعد بمثابة واجبات اجتماعية تساهم في تماسك نسيج الأمة الاجتماعي وتشعرها بالمسئولية التضامنية وتنتهي بها إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي على مختلف الأصعدة، مما تتحول معه فروض الكفاية التي إذا قام بها البعض سقطت عن الآخرين إلى فروض عين على من توفرت فيه أهلية القيام بها حتى يؤديها على الوجه الأكمل إلى درجة الكفاية الاجتماعية. ولا يعنى ذلك مباشرة الفروض فقط كما هو شائع؛ إذ العبرة بتحقيق المقصود وإنجاز المصلحة ودفع المضرة وتحقيق الطلب. وعلى هذا فإن معيار القصد والغرض والمصلحة المعتبرة شرعاً تتحكم في الكم، كم القائمين بفرض الكفاية، إلى الدرجة التي يتحول معها فرض الكفاية إلى فرض عين. ومن هنا جاءت المسئولية التضامنية والجماعية في القيام بهذه الفروض أو في الجزاء عليها فيما يعرف بالحساب الجماعي للأمم والمجتمعات، فكما أن للأفراد ‎أجلاً فكذلك للأمم والمجتمعات أجل {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} "الأعراف:34"، وكما أن للفرد كتابه فكذلك للأمم كتابها {وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون} "الجاثية:28". وعدم الأخذ على يد الظالم ما يزال موجباً لنزول العقاب على الجماعة كلها {واتقوا فتنة لا تُصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب} "الأنفال:25".
وفروض الكفاية تعبير عن مدى التزام الأمة أولاً بأحكام الإسلام وشرائعه وإن لم تلتزم السلطة بتلك الأحكام وهذه الشرائع، فمقصود الدين في الرؤية الإسلامية يتحقق بالأمة -كما يرى ابن تيمية- وليس بالسلطة أو الإمام، باعتبار أن السلطة مؤسسة من مؤسسات كثيرة تنشئها الأمة لتحقق بها مقصود الدين وتجسده في واقع معاش.

فروض الكفاية المسئوليةالفردية:

الإنسان وفق الرؤية الإسلامية إنسان مكلف ومسئول عن أعماله: إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وهو يقوم بدوره وواجبه انطلاقاً من هذه المسئولية {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} "مريم:95".
وهنا ملاحظة جديرة بالتأمل ترتبط بموضوعنا، وهي قول الفقهاء في موضوع الوقف: إن "شرط الواقف كنص الشارع" حين يعبر الفرد عن إرادته في صورة مجموعة من الشروط التي يحدد بها كيفية إدارة أعيان الوقف وتقسيم ريعه وصرفه إلى الجهات التي ينص عليها أيضاً.

ويلاحظ أن الفقهاء بهذه المقولة قد أضفوا على هذه الشروط -شروط الواقف- صفة القداسة، ما لم تحرّم حلالاً أو تحلّ حراماً، وجعلوا لها حرمة لا يجوز انتهاكها إلا في حالات استثنائية، وذلك بأن دفعوها إلى منزلة النصوص الشرعية من حيث لزومها ووجوب العمل بها، فالفرد ينشئ الشخصية المعنوية للوقف التي تنشأ مع نشأة الوقف وبإرادة الواقف.

إن المسئولية الجماعية والمسئولية الفردية معاً، والتوازن الدقيق الذي يقوم بينهما في الرؤية الإسلامية يستدعيان مفهومين على درجة كبيرة من الأهمية يتأسس بهما العمل الأهلي في الرؤية الإسلامية وهما: الفرد والأمة.

خامساً: العلاقة بين العمل الأهلي والدولة في الخبرة الحضارية لأمتنا

الخطاب الغربي لمفهوم "المجتمع المدني" (ولا أقول الخطاب العالمي لأن الغربي لا تضم العالم كله) يتضمن فيما يتضمن مقابلة وصراعاً -كما قدمت- بين الدولة والمجتمع، وهذا في جزء كبير منه نتاج الخبرة الحضارية الغربية في بناء الدولة القومية؛ التي قامت على نظرية العقد الاجتماعي التي هي في جوهرها تعتمد على فكرة افتراضية تقوم على تنازل الأفراد عن جزء من سلطانهم لصالح الدولة من أجل صالح الجميع.
وهذه النظرية تختلف كلياً عن نظرية نشأة الدولة في التصور الإسلامي؛ فالأمة هي التي أنشأت مؤسسة الدولة، كما أنشأت بجوارها العديد من المؤسسات التي تستهدف منها تحقيق ذاتيتها ومثاليتها. ففي البدء كانت الأمة.

الأمة استطاعت أن تقدم مفهوماً للعمل الأهلي يختلف بالكلية عن الخبرة الغربية في مجال المجتمع المدني، هذه الخبرة جوهرها قدرة كل من الدولة (السلطة) والأمة أن تصنع مجالاً مشتركاً بينهما مع وجود مجالات منفصلة لكل منهما عن الآخر، فالأمة التي تنهض بنفسها وتؤسس فاعليتها وحركتها ومشاركتها، ليست بديلاً عن الدولة ولا مزاحمة لها، وإنما موازية ومتكاملة معها. العمل الأهلي الفاعل -إذن- هو مصدر من مصادر قوة الدولة والأمة معاً، أما كونه مصدراً من مصادر قوة الأمة فبما يمكن أن يوفره من مؤسسات تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وبما يمكن أن تقدمه تلك المؤسسات من خدمات في مجالات الحياة المختلفة.

أما كونه مصدراً من مصادر القوة للدولة، فبما يمكن أن يخفف عنها من أعباء القيام بتلك الخدمات، وإدارة تلك المؤسسات ومراقبتها، فالرؤية الإسلامية في هذا الشأن هي أنه يجب ألا تمتد يد الدولة إلى عمل أو مهنة يمكن أن يقوم به أو بها المسلمون أفراداً أو جماعات. وبهذا المعنى يمكن أن يكون العمل الأهلي أحد أهم آليات ضبط العلاقة بين الأمة والدولة ضمن إطار تعاوني غير صراعي، لا يُسمح فيه للدولة بالتضخم على حساب الأمة أو السيطرة عليها بحجة توفير الخدمات العامة، بينما هي تحتكر المبادرات الاجتماعية وتصادر الجهود التطوعية، كما لا تتلاشى فيه سلطة الدولة أو تصبح ضعيفة، وإنما تظل حاضرة وقوية في حدود وظائفها الأساسية التي لا تتخطاها بالتدخل في الشئون الأهلية.

بعبارة أخري: العمل الأهلي يمكن أن يكون مجالاً مشتركاً بين السلطة والأمة، وليس مجالاً للصراع بين الطرفين كما هو مطروح في مفهوم "المجتمع المدني"، فهذا الصراع المفترض بين المجتمع والدولة في مفهوم المجتمع المدني من شأنه أن يضعف كلاً منهما في واقعنا العربي والإسلامي، وهذا هو خطورة نقل خبرة حضارية من واقع لآخر دون إدراك خصوصياته وتوظيفاته في الواقع الجديد. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه إذا كانت نشأة المجتمع المدني في الخبرة الغربية قد أحاطت به ظروف الصراع بينه وبين الدولة، إلا أن الاثنين معاً قد استطاعا تطوير علاقة "شراكة" أو اعتماد متبادل بينهما بهدف تحقيق مقاصد وجوهر الحضارة الغربية. فالتصور السائد الآن في الدراسات المتعلقة بموضوع المجتمع المدني ترى أن المجتمع المدني القوي أو العمل الأهلي القوي يكون موجوداً في دولة قوية؛ أي أن هناك علاقة طردية بين قوة المجتمع المدني وفاعليته وبين فاعلية الدولة، وغير صحيح أن هناك علاقة عكسية بين القطاع الأهلي وفاعليته وبين فاعلية الدولة، لأن الدولة حين تكون قوية، فإنها تثق في القطاعات الأخرى، والثقة دائماً لا تكون إلا من الدولة القوية التي وصلت إلى مستوى مستقر من القوانين والمؤسسات.

وهذا التفاعل الصحي أو الثقة المتبادلة بين القطاعات الثلاثة (القطاع الحكومي، والقطاع الخاص، والقطاع الأهلي) في داخل الوطن الواحد تُوجد مؤسسات مشتركة تتكون على الحواف بين القطاعات الثلاثة، وهذا يُوجد قدراً من التشبيك بين الثلاثة بغرض خدمة الأهداف والمصالح المشتركة.