المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكاتب والروائي الألماني المعروف غونتر غراس



bode
21-Oct-2007, 06:32
بين الشبيبة النازية وجائزة نوبل ثمة متسع للخجل والاعتراف



بلغ الكاتب والروائي الألماني المعروف غونتر غراس يوم الثلاثاء الماضي، الثمانين من العمر، وتلقى غراس اتصالاً هاتفياً من وزير الثقافة الألماني بيرند نيومان مهنئاً بهذه المناسبة، كذلك تلقى الكاتب تهنئة شخصية من المستشار نوربت لامرت، رئيس البرلمان الألماني الذي قال عن غراس إنه أفضل من انتصر للقيم الديمقراطية بواسطة الأدب الرفيع، لقد صنع أبطال رواياتك جزءاً من هوّيتنا الحالية وتنبأوا لنا بالمستقبل.

قال لامرت واصفاً أدب غراس قبل يومين، وبالإضافة إلى رئيس الوزراء ورئيس البرلمان، تلقى غراس رسائل تهنئة من العديد من المنظمات الثقافية والسياسية والأحزاب في ألمانيا وأوروبا التي عدته واحداً من أهم الأدباء الألمان والأوروبيين الأحياء، وممن أسهموا مساهمة فعالة في تأصيل الأدب الألماني في القرن العشرين. ولد غونتر غراس في 16 أكتوبر 1927.

وعمل مطلع شبابه وهو في سن الخامسة عشرة كمتطوع في سلاح الغواصات الألماني، وعند بلوغه السابعة عشرة من العمر دعي للخدمة العسكرية الإلزامية خلال فترة الحرب العالمية الثانية وخدم في وحدات الأس أس الاستخباراتية الشهيرة بولائها المطلق لهتلر. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية سجن في أميركا قبل أن يطلق سراحه ويعود إلى مدينة دوسلدورف الألمانية ليبدأ دراسة النحت والرسم في أكاديمية الفنون الجميلة.

وفي فترة الخمسينات انتقل إلى مدينة شتوتغارت حيث بدأ كتابة القصص القصيرة والمسرحيات وبعض القصائد، وفي العام 1959 نشر أولى رواياته المهمة (طبل الصفيح). التي أعلنت عن بدء عصر جديد في مسار الرواية الألمانية الحديثة، ثم تبعها في العام 1960 بنشر روايته الكبيرة الأخرى (سنوات الكلاب).

وبقيت خدمة غونتر غراس في الاستخبارات النازية في شبابه سراً على مدى أكثر من ستين سنة، حتى كشفها بنفسه العام الماضي أثناء لقاء تلفزيوني، فأثار ضجة مدوّية وردود أفعال كثيرة في أوساط النقّاد والمثقفين والقّرّاء على حد سواء، وارتفعت بعض الأصوات مطالبة بسحب جائزة نوبل منه، وسحب صفة مواطن شرف التي أسبغت عليه إثر فوزه بالجائزة، بل ان بعض المتطرفين طالبه بمغادرة ألمانيا.

لكن أشدهم وطأة كان الناقد والكاتب الصحافي الألماني بايم هاوتن در شفيبل الذي نشر كتاباً ضخماً من خمسمئة صفحة ضمنه حواراً مفترضاً مع الكاتب عما أسماه الفضيحة، بالإضافة إلى تبريرات مقتضبة لغراس عن ماضيه عندما كان شاباً حاول المؤلف بواسطتها أن يخضع غراس لمحاكمة أخلاقية شاملة.

شاب في ريعان الصبا، لم يكد يتجاوز السادسة عشرة من العمر، أصبح في أعقاب الحرب عضواً في الأس أس، إنه يستطيع مقابلة هتلر الآن، الزعيم المحبوب الذي يحب أعضاء الأس أس ويحبونه، شاب لم ينبت له شارب بعد، أرسلوه للخدمة السرّية، أخيراً سيبتعد عن صدر أمه، أخيراً سيحظى بنوع من المغامرة.

بهذه الكلمات المتهكمة بدأ در شفيبل كتابه الذي استقبله البعض بالترحاب والحماسة والبعض الآخر بالجفاء والاستنكار، وبالنسبة لغونترغراس نفسه فأنه يرد على منتقديه متسائلاً: «من يدعي امتلاك الوعي في مثل هذه السن المبكرة؟ هل كنت مدركاً لما أفعل؟ لا أظن ذلك، هل أشعر بالخجل الآن؟ نعم أنني أشعر بالخجل.

لقد كنت مزهواً وفخوراً بطريقة غبية، الآن عندما أتذكر سنوات صباي وشبابي يتلبسني الخجل، لقد أردت أن أحتفظ بخجلي، الذي صار ينمو مع الوقت، لنفسي، بعيداً عن عيون الآخرين، لكنه كاد يقتلني إن لم أصرّح به، لقد كنت مرعوباً من الحرب في الحقيقة، الآن نسيت الرعب، أما الخجل فسيصاحبني حتى النهاية».

لقد خدم غراس في وحدة خاصة من وحدات الأس أس حوصرت نهاية الحرب بين مدينة دريسدن شرقاً والعاصمة برلين، فاضطرت لخوض قتال عنيف من أجل النجاة، إلا إنها فقدت نصف قوامها ووقع النصف الآخر في الأسر، بما فيهم الجندي الصغير اللائذ برفاقه الكبار خوفاً من الموت غونتر فيليم غراس، كانت تلك تجربته الحيّة الأولى مع الحرب، عندما شعر بأزيز الرصاص يحف رأسه والأشلاء البشرية تتطاير في الهواء من حوله، «لقد بلت في بنطالي يا رجل» يقول غراس واصفاً رعبه الحقيقي آنذاك ببراءة مطلقة.

هل يمكن لرجل بمثل هذه الصفات أن يكون سيئ النوايا؟ يتساءل أحد المدافعين عن غراس، لكن لا جواب في الحقيقة، ذلك لأن إخراج الأحداث من سياقاتها الزمانية وإخضاعها لوعي اللحظة الراهنة هو عمل غير عادلٍ على الإطلاق، وبالنسبة لهؤلاء الذي هاجموا غراس بشراسة، ومازالوا يفعلون، عليهم رجم الكاتب بحجر إذا كانوا من دون خطايا كما قال السيد المسيح.
أمستردام ـ محمد حيّاوي