المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ماذا نترجم ولماذا؟



bode
19-Oct-2007, 01:20
الترجمة عمل تثاقفي طويل الأمد بين الأفراد والجماعات. إنها بمنزلة الحوار الدائم بين مختلف الثقافات البشرية في إطار حركة التبادل الندي الحر بعيدا عن السدود والقيود. وبقدر ما تبتعد الكلمة المترجمة عن الاستعلاء الثقافي تنجح في نشر ثقافة الانفتاح والتواصل الحر، وتتسرب عميقًا إلى وجدان المتلقي لتصبح جزءًا من تراثه الثقافي. الترجمة ليست نقلا للكلمات من لغة إلى أخرى، بل هي بالدرجة الأولى، نقل للثقافات أو بالأحرى فتح لقنوات الحوار الحر الإيجابي والفعال بين الثقافات.

أن أتحاور معك، معناه بالدرجة الأولى أن أعترف بوجودك كما أنت لا كما أريدك أن تكون. كما تعترف أنت أيضا بوجودي كما أنا لا كما تريدني أنت أن أكون. إن فعل الترجمة من لغة إلى أخرى يتضمن في الاتجاهين، الاعتراف بالآخر كما هو بعيدا عن الذهنية الانتقائية، لأن الهدف من الترجمة بالدرجة الأولى هو معرفة الآخر كما هو من أجل فهمه ومعرفة سبل التعايش الإيجابي معه.

مثلما كان عصر المأمون العباسي علامة على انطلاق حركة الترجمة من الغرب إلى الشرق، كانت سنة 1000 ميلادية، منطلق الترجمة من الشرق إلى الغرب. في تلك السنة، تحرك قسيس مسيحي يجوب العواصم والحواضر الأوروبية متنقلا من بلاط إلى بلاط لإقناع الملوك والأمراء المسيحيين بضرورة إمداده بالذهب من أجل ترجمة عيون التراث العربي الإسلامي إلى اللاتينية، وأول ما بدأ به هو نص القرآن الكريم. كان هذا بداية لما سمي فيما بعد بالحركة الاستشراقية.

في تلك المرحلة التي تمثل منعطفا مصيريا في تاريخ البشرية، وقف الغرب متسائلا عن سر ومصدر قوة الآخر. ومع أن أهداف الحركة الاستشراقية الوليدة لم تكن بريئة، فقد تحولت مع مرور الزمن إلى نوع من الاختراق للحالة الثقافية الغربية، خاصة في ظل توالي البعثات العلمية الغربية إلى الحواضر الإسلامية في الأندلس وبلاد المغرب الإسلامي، وما تبع ذلك من ظهور نخبة أنتجت عصر الأنوار وأعادت اكتشاف شيء كان الغرب قد نسيه منذ أكثر من ألف سنة، اسمه السؤال النقدي.

عرف الغرب كيف يستفيد من الترجمة وقراءة الآخر، ليطرح أسئلته ويطور فكره ويصنع أنواره انطلاقا من تراث ذلك الآخر الذي كناه آنذاك. ودارت الدوائر لنسقط مجددا في هوة الانحطاط والتخلف ويضيع منا “رأس الخيط” الفكري والحضاري المتمثل في السؤال النقدي، وذلك بعد أن أصبحنا ننتج ونعيد إنتاج ذهنيات دوغمائية ميثولوجية تلقينية، وعقول أسطورية راكدة.

لقد غاب السؤال النقدي من ثقافتنا، لم نعد نسأل : لماذا وكيف؟ أصبحت مفردات الحياة كلها بديهية بالنسبة إلينا، أو كما قيل“أصبحت عقولنا مستريحة” تختزن الاستعداد لتلقي الأفكار الجاهزة دون نقاش. لم نعد نملك الأدوات الذهنية لقراءة الآخر، لأنه لا يكفي أن تترجم، بل لا بد أيضا أن تستوعب ما تترجم وتحوله إلى قوة في ثقافتك.

إن ما نحن حقيقة بحاجة إلى ترجمته من اللغات والثقافات الأخرى، هو كل ما يسهم في إعادة السؤال النقدي إلى مكانه الطبيعي من ثقافتنا.
سعيد جاب الخير