المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : للأحياء خصوصية فلماذا ننتزعها؟



bode
17-Oct-2007, 02:29
مع تنامي العمران في دولة الإمارات، واتساع دائرة المشاريع العقارية والتطويرية، يشعر الكثير من المواطنين بأن هذه الطفرة العقارية بدأت تنتزع الكثير من خصوصياتهم الثقافية والاجتماعية في أحيائهم. والأكثر أن بعضها لم يكتف بانتزاع تلك الخصوصية بل نقلتهم إلى أحياء أخرى جديدة لم يألفوها.

لا ينكر كثيرون أهمية النهضة التي تشهدها الدولة والايجابيات التي قد تأتي بها، لكنهم في الوقت نفسه يشعرون بصعوبة تقبل هذا الواقع خاصة عندما تقتلعهم هذه الطفرة من أماكن تحتضن ذكرياتهم وتاريخهم، أو عندما يجدون أغراباً حلوا في مناطقهم، فلم تعد لهم تلك الخصوصية التي كانت لديهم أغلى من أي أرض أو تعويض لهم وان كان في أرقى مما عاشوا فيها.

أصدرت تعليمات منذ يومين في امارة عجمان تم بموجبها وقف بيع المساكن والأراضي السكنية للأجانب أو المواطنين بقصد المتاجرة بها في بعض مناطق إمارة عجمان لكي تبقى للمواطنين خصوصيتهم الاجتماعية في العادات والتقاليد التي بدأت تتلاشى بسبب الطفرة العمرانية.

وفي الحقيقة أسعدتنا التعليمات لأنها تحفظ للمواطن خصوصيته وحقوقه في أن يكون له حيه الذي عاش فيه والذي تربى فيه والذي سيبقى له دون أن يأتي من ينازعه عليه ويحوله إلى منطقة تجارية تقتل روح المكان بعد أن يرحل منها أهلها الأصليون أو عندما يجاورهم فيها من لا يمت لثقافتهم بصلة.

الطفرة العقارية التي زحفت إلى معظم المناطق في الدولة لم تكن بفعل مشاريع أعلن بيعها وتمليكها للأجانب فحسب، بل أيضاً جاءت بفعل مواطنين يسعون للاستفادة من هذه الطفرة بالحدود القصوى من خلال شراء الأراضي وإقامة مشاريع تجارية لتحقيق أرباحهم، دون أن يفكر بعضهم في التداعيات السلبية اجتماعياً والتي تتسبب في حزن وألم لساكني هذه المناطق وغربة حقيقية في وطنهم.

لذا فإن هذا القرار الرشيد ينبغي أن يحتذى به في مناطق الدولة التي ينبغي أن تقوم بدراسة الحاجة لإقامة تلك المشاريع في الأحياء والمناطق السكنية، ومدى تأثر أصحاب تلك المناطق بذلك. قد يقول قائل ان المواطن يعوض وتقدم له الأثمان الذي تتيح له الانتقال إلى مناطق أخرى قد تكون أفضل من المنطقة التي أمضى فيها عمراً،

ولكن التساؤل المشروع: هل سيجد المواطن ذكرياته في تلك المناطق، هل سيجاور جيرانه وأقاربه أنفسهم؟

وهل ضاقت بقاع الدولة التي مازال الكثير منها خالياً من العمران لنضيّق على المواطن ونزاحمه في حيه ومنطقته؟

لا نعارض النهضة العمرانية التي اكتسحت البلاد بشكل مطلق، لكننا نأمل على المسؤولين عن تخصيص الأراضي وإدارتها في كل إمارة أن يضعوا في اعتبارهم أهمية خصوصية بعض المناطق، ومشاعر سكانها الذين ان قبلوا بالطفرة العمرانية فلن يقبلوا بقرارات تقتلعهم من جذورهم وتاريخهم، وان قبلوا فعلى مضض لا يجعلهم في حالة رضا عما يحدث.

والجهات المسؤولة نفسها مطالبة بأن تحترم وتقدم خصوصية هذه الأحياء فتحاول ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً تقليل التداعيات السلبية التي من الممكن أن تقع على المواطن جراء زحف المشاريع إلى مناطقه وأحيائه.

المنزل أياً كان يبقى جدراناً وأبواباً لكن ميزته تكمن في البقعة التي ينشأ فيها، وبالذكريات التي تضمها جدرانه، وبالأفراد الذين يضيفون للأماكن عبقاً خاصاً. إنها مسألة في غاية الأهمية ولا تكلف الكثير طالما وجدت دراسات تضع في اعتبارها أهمية استقرار الإنسان النفسي والاجتماعي في المكان الذي يقيم فيه قبل أي استقرار ونجاح اقتصادي نطمح لقطف ثماره على حساب مواطنين وخصوصية تبقى حقاً مشروعاً لهم.
ميساء راشد غدير _ بتصرف