المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المنظمات الإنسانية والخيرية في الثقافة العربية



احمد الشريف
15-Oct-2007, 02:55
المنظمات الإنسانية والخيرية في الثقافة العربية
الدكتور هيثم مناع
ظاهرة التجمع الخيري ظاهرة عالمية موغلة في القدم. نجدها في الحضارات الصينية والإغريقية والهندية والفارسية القديمة. بأشكال مختلفة متنوعة في الدوافع والتركيب والوظيفة.
يمكن ملاحقة ظاهرة التنظيمات والشخصيات الاعتبارية Charismatic غير الدولانية بعيدا في التاريخ المشرقي. وقد لعبت أكثر من فرقة دينية مسيحية دورا متمايزا في خلق هامش مستقل عن الدولة ومستقطب كان له عظيم الأثر في نشر المعرفة والثقافة الدنيوية والدينية كالنساطرة واليعاقبة. ويمكن القول أن الكنيسة الشرقية قد أصلت لتراث شعبي لكونها احتفظت بمسافة هامة من السلطات السياسية. كذلك كان لبعض الحركات الدينية دور الحماية الاجتماعية بوجه الدولة أو المحتل حيث كان جهازها الوسيط المنظم لهذه العلاقة أو الصوت المعبر عن مصلحة المجموع أو دور "كاظم الغيظ" الجماعي عبر القيام بمهمات كبيرة لم تكن الدولة تتصدى لها.
لم يتوقف صعصعة بن ناجي بن عقل، جّد الشاعر الأخطل، الذي يعتبره الدكتور منصف المرزوقي الأب الروحي للحركة العربية لحقوق الإنسان، لم يتوقف عند شجب قتل الأطفال ووأد البنات. بل تعدى ذلك في غياب أي ناظم لهذه المأساة في الأوساط القبلية إلى دفع فدية عن كل طفلة يريد أهلها وأدها خشية الجوع. وكان يدفع الفدية لإنقاذ أية طفلة من أية قبيلة دون اعتبار للقرابة أو الجوار. اتبع العديد من العرب أسلوب صعصعة وكان من يقوم بذلك يسمى "محيي الموؤودات". يقول الشاعر الفرزدق بهذا الصدد مفاخرا بجده:
وجدي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يوأد
ومن الأشكال المبكرة للإحسان والرعاية كانت رعاية اليتيم. "وقد عرف العرب قبل الإسلام بيوت الأيتام لكل من فقد أو توفي أبيه أو قتل في حرب يشرف على تربيتهم الرؤساء والسادة وينفقون عليهم من صندوق تضامني كبير يجمع من سادة القوم وتبرعات القبائل وغنائم الحرب وكان أشهرها بيت أيتام غطفان"(2).
ويعتبر حلف الفضول من الأشكال المبكرة للتآزر دفاعا عن المظلومين. يعود هذا الحلف إلى نهاية القرن السادس الميلادي حيث يروى أن يمنيا من زبيد أعطى بضاعته لرجل من بني سهم في مكة، فتخلف الأخير عن دفع ثمن البضاعة، فصعد جبل أبي قيس واستغاث بفضلاء مكة. فسمعوا قصته واقتنعوا بحقه وذهبوا إلى التاجر المكي لإجباره على دفع ثمن البضاعة. وقد رأى المبادرون لهذا التضامن مع المظلوم أن لا تتوقف مبادرتهم عند حدث معزول قائم على احترام قواعد البيع والشراء فقرروا ، وهم الفضيل بن الحارث الجرهمي والفضيل بن وداعة القطوري والمفضل بن فضالة الجرهمي التحالف على ألا يقروا ببطن مكة ظالما وقالوا: "لا ينبغي إلا ذلك لما عظّم الله من حقها".
ثم قرر الثلاثة توسيع نطاق عهدهم على أهل مكة فتم الاتفاق في دار عبد الله بن جدعان لشرفه وكبر سنه، بحضور بني هاشم وبني المطلب وبني أسد بن عبد الله العزى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة فتحالفوا وتعاقدوا ، باستعارة تعبير ابن الأثير " على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على ظالمه حتى ترد عليه مظلمته". فسمت قريش ذلك حلف الفضول وشهده النبي محمد ويروى عنه قوله : "لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان لو دعيت به في الإسلام لأجبت."(3).
أسس القرآن الكريم للعمل الإنساني والخيري في آيات عدة نذكر منها للمثل لا للحصر:
"لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما"
"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"(آل عمران:92)
"يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة"
"من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة"(البقرة:245).
ومن الحديث الشريف: "اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله فهو أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله".
لقد ركز الإسلام على فكرة مركزية مفادها أن العمل الصالح والإحسان هما أولا فائدة للذات وثانيا فائدة للناس فيما يتقاطع مع الفلسفة التاوية في الصين:
وما تنفقوا من خير فلأنفسكم (البقرة:272)، "من عمل صالحا فلنفسه" (فصلت:46)
كان أبو طلحة الأنصاري صاحب أول وقف في الإسلام حين تبرع بأفضل ما عنده من مال وملك (بئر طيبة الماء اسمها بيرحاء)(4). وقد أوقف النبي محمد سبع بساتين كان أوصى بعض المحاربين أن يترك أمرها للرسول. ويقول جابر بن عبد الله الأنصاري: "ما أعلم أحدا ذا مقدرة من أصحاب الرسول من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالا من ماله صدقة لا تشترى ولا تورث ولا توهب"(5). لو تأملنا في هذه الجملة وقارناها بالتعريف الذي تقدمه الطبعة الأخيرة من الموسوعة العالمية لكلمة Foundation لوجدنا الفكرة الأساسية نفسها مزروعة منذ السنوات الأولى لولادة الإسلام.

هدى عبدالعزيز
20-Oct-2007, 07:38
مقال رائع ... لك جزيل الشكر.