المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المغتربون بالخليج.. وأكذوبة الثراء



bode
14-Oct-2007, 04:15
http://www.islamonline.net/arabic/economics/2005/12/images/pic14.jpg

ارتفاع الأسعار يخفض من أحلام الثراء لدى المغتربين بالخليج

المال في الغربة وطن والفقر في الوطن غربة، مقولة عربية تلخص أسباب اغتراب الشباب بحثا عن لقمة العيش في دول الخليج، بسبب البطالة التي وصلت معدلاتها إلى الـ20 % في المنطقة العربية بحسب تقرير مجلس الوحدة الاقتصادية لعام 2004 الذي تنبأ بأن يصل عدد العاطلين العرب عام 2010 إلى 25 مليونا.

ولكن حتى الثراء في الغربة أصبح أكذوبة، خاصة مع ارتفاع الأسعار في دول الخليج، فضلا عن تعرض المغتربين لعمليات استغلال سواء في نظام الكفالة أو التحويلات وغيرها. وتبدو هذه الظواهر واضحة مع الحجم الكبير للعمالة الوافدة التي تصل إلى 10 ملايين نسمة من 38 مليونا هم إجمالي السكان في عام 2004 بدول الخليج، ففي الإمارات تمثل هذه العمالة 80% من عدد السكان، وفي قطر 72%، والكويت 63%، والسعودية 30%، وفي البحرين وعُمان 26%.

أسعار الشقق

السيد يوسف المهدي - مهندس أردني مقيم بقطر منذ 5 سنوات - يشتكي من تضاعف أسعار إيجار الشقق في الدوحة بشكل جنوني. ويقول: بدأت حياتي في قطر في شقة 3 غرف وصالة بألف ريال قطري شهريا، وبعد عام ارتفع الإيجار فصار 1400 ريال قطري، وفي العام الذي يليه فوجئت بصاحب العقار يطلب مني مغادرة الشقة قبل شهر من موعد تجديد العقد، فطلبت منه أن يتم تجديد العقد، فطلب 3000 ريال غير قابلة للفصال، فاضطررت للبحث عن شقة أصغر، وبعد جهد لم أجد سوى شقة أستوديو بألفي ريال في الشهر.

ويضيف يوسف: بعد 5 سنوات أقيم مع عائلتي في نفس الأستوديو، لكن بـ 3000 ريال. ويرجع السبب في ارتفاع أسعار العقارات إلى دورة الألعاب الآسيوية "الأسياد" التي ستنعقد في الدوحة في عام 2006، حيث تم تأجير عدد كبير من العقارات لصالح الأعمال الخاصة بالدورة، مما رفع من الطلب على سوق العقارات.

لكن خبراء اقتصاديين يعزون سبب ارتفاع أسعار العقارات إلى ازدياد التواجد الأجنبي وارتفاع معدلات الاستثمار الأجنبي في قطر، مما يعني وجود أرقام كبيرة من الأجانب الذين قاموا بتأجير وشراء عدد لا حصر له من العقارات، مما أثر سلبا على المغتربين بالدوحة بكافة فئاتهم، حتى وصل الحال بالبعض إلى ترحيل الزوجات والأبناء، كي يتمكن رب الأسرة من مشاركة عدد من الزملاء في شقة واقتسام قيمة الإيجار.

بيزنس الكفالة

نظام الكفالة بالخليج بدوره يمثل وجها من وجوه الاستغلال للمغتربين وفقا لوجهة نظرهم، فيقول زياد نصر -وهو مهندس أردني مقيم بالخليج منذ عقدين بين عمان والإمارات وقطر- إن مشكلة الكفالة تمنعني من الاستقرار في دولة بعينها، فالكفيل هو المعنى الحرفي للاتجار بالمغتربين، وخاصة إذا كان الكفيل جهة غير حكومية، لأنه يعلم بالأوضاع التي اضطرت المغترب لترك وطنه فيعامله كمحتاج.

ويضرب نصر مثلا بكافلي سائقي التاكسي الذين يأخذون عمولة سنوية لمنح الكفالة بالإضافة لعمولة شهرية لرقم التاكسي، حيث إن أغلب دول الخليج تمنع بيع السيارات الأجرة للأجانب، وهو ما يضطر معه سائق التاكسي إلى شراء تاكسي من ماله وتُكتب الحيازة باسم الكفيل الذي لا يحق لأحد غيره حيازة رقم السيارة الأجرة، على أن يعمل عليها "صاحبها" الأجنبي، نظير مبلغ شهري يعطيه "صاحبها" لمن كُتب باسمه رقم التاكسي.

ويشير زياد إلى وجود حصة معينة لا يستطيع الكفيل أن يزيد عنها في رقم المكفولين لديه، فلا يحق له أن يكفل إلا 5 أو 6 أشخاص، وعليه فهو يحاول الاستفادة منهم، وتحقيق أكبر عائد شهري مناسب. وأغلب من يعمل في بيزنس الكفالة -لا سيما المتعلقة بكفالة سائقي التاكسي- يكونون من أصحاب المعاشات، فيقوم الكفيل بشراء عدد من أرقام السيارات ويؤجرها للسائقين ويحصل نصف دخل التاكسي دون أي جهد!.

تذاكر السفر

ارتفاعات الأسعار طالت تذاكر السفر خاصة في موسم الأعياد الذي يرغب فيه المغتربون في العودة لوطنهم لقضاء أيام معدودة مع أهلهم. ويقول السيد عزمي -وهو محاسب مصري في الدوحة- "هذا العام حجزت على أحد الشركات وتم إبلاغي أن ثمن التذكرة 1400 ريال قطري، فذهبت على الفور لشركة الطيران، وهناك فوجئت أن سعر التذكرة قد زاد في غضون هذه الساعة إلى 1610، وشعرت بخديعة مما اضطرني لمغادرة المكتب غاضبا".

ويتابع: "لكن زوجتي أصرت على السفر، فاتصلت مجددا بالشركة لعمل حجز، ففوجئ بأن سعر التذكرة أصبح 1800 ريال، فتأكدت أننا أمام أسعار للبورصة، لكنني حجزت لإرضاء الأبناء".

وعندما ذهب عزمي لدفع ثمن التذاكر فوجئ بأن سعر التذكرة صار 1920 ريالا، وحاول الاتصال بشركات أخرى ولكن الحال كان مشابها؛ فموظفو الحجز أكدوا له أن الأسعار معرضة للزيادة كل ساعة ما دام لم يدفع ثمن التذكرة واستلمها؛ نظرا لأن هناك موسم سفر بسبب الأعياد. ولم يسافر عزمي في نهاية الأمر مع يقينه أن أهله لن يغفروا له!.

ابتزاز التحويلات

بيزنس التحويلات المالية يمثل هو الآخر أحد وسائل استغلال المغتربين كما تقول السيدة نور -وهي سورية مقيمة في أبو ظبي- فمراكز الصرافة يحصل بعضها على 13 دولارا أمريكيا على كل تحويل ما لم يتعد 1000 دولار، وتتصاعد القيمة لتصبح 26 دولارا إذا زاد المبلغ عن 1000 دولار.

ومن الممكن أن يحول المغترب أمواله بالتلكس بتكلفة 15 دولارا عن كل حركة تحويل، أما إذا أراد المقيم أن يتعامل في بلده بكارت الائتمان، فسوف ترتفع التكلفة، وعليه فإن أرخص طريقة تحويل هي عمل شيك باسم أحد أقاربه في موطنه وإرساله بالبريد، حيث لن يكلفه ذلك أكثر من قيمة الطابع.

لكن المشكلة تكمن في صعوبة وصول البريد إلى الأهل، ومن ثم فعلى المغترب أن يقوم بزيارة سنوية إلى قسم البريد في وطنه لمقابلة موظف البريد وشكره على جهده الكبير وغمزه بمبلغ كي لا تضيع الخطابات!.

وحتى يتم إدراك أهمية التحويلات المالية للمغتربين، فيمكن الإشارة إلى دراسة لمركز المعلومات بغرفة تجارة وصناعة أبو ظبي التي ذكرت أن إجمالي التحويلات الرسمية للعمالة الوافدة في الدول الخليجية بلغت 27 مليار دولار عام 2004. ومثلت تحويلات الوافدين في السعودية أكثر من 63% من هذه التحويلات، تلتها الإمارات بنسبة 15%، بينما تتوزع نسبة 22% بين دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى (قطر، والبحرين، وسلطنة عمان، والكويت). واحتلت العمالة الآسيوية المرتبة الأولى، حيث تحول 90% من دخلها إلى أوطانها، بينما تقوم العمالة العربية -التي تمثل 11% من العمالة الوافدة- بتحويل 15% من دخلها.

المعيشة تأكل المرتب

وبشكل عام فإن المعيشة المرتفعة في الخليج تأكل رواتب المغتربين وتجعل مساحة الادخار ضعيفة، أو على الأقل تجعل المال المدخر لا يعادل معاناة الغربة. ويقول عادل محمد -محاسب بأحد الشركات- إنه يقيم في الدوحة منذ 3 عقود ولم يتمكن من شراء بيت في بلده؛ لأن كل دخله مصروف على الإيجار ومصاريف المدارس وتذاكر السفر والهدايا ومصاريف الحياة اليومية التي تتعرض لسُعار الأسعار.

ويحزن المحاسب الأردني لأن الكثيرين يروجون "لأكذوبة ثراء المغتربين"، ويحزن أكثر لأن بعض أهله لا يرحمون، فمنهم غير الراضي عن مستوى الهدايا، والآخر مكذّب لأي مغترب يعود خالي الوفاض ويتهمه بعدم الحكمة حتى لو كان أحد المستفيدين السابقين من وجود المغترب خارج دياره.

ويقول: إنه أصبح مجرد سلعة بشرية يتاجرون بها في بلاد الغربة ويربحون منها في بلاد المنشأ ذهابا عن طريق رسوم مغادرة وضريبة عمل بالخارج، وإيابا عن طريق الجمارك وضرائب الدمغة والضرائب المضافة على تذاكر الطيران واستخدام المطار!.

تفسير اقتصادي

ولا يميل الخبير الاقتصادي والأكاديمي بجامعة قطر الدكتور خالد عبد القادر إلى فكرة استغلال المغتربين، معتبرا أنها تصرفات فردية في الخليج وليست عامة، لكنه يفسر ارتفاع أسعار المنتجات في الخليج بسبب قوانين العرض والطلب.

ويأخذ مثالا من ارتفاع الإيجارات، فإن هذه الظاهرة -كما يقول الخبير الاقتصادي- جاءت عقب ارتفاع أسعار البترول؛ مما دعم ميزانيات دول الخليج، بما سمح بتنفيذ مشاريع كثيرة؛ استدعت اللجوء بشكل أكبر إلى قوة العمل الأجنبية نظرا لشحها محليا.

وهذا يعني -من وجهة نظر الخبير- أن زيادة الطلب على الوحدات السكنية عن العرض المطلوب كان سببا واضحا في المطالبة بقيمة إيجاريه أكبر، كما أن سوق العقار يتصف بالعرض غير المرن، بسبب عامل الوقت في إنشاء وحدات سكنية جديدة تتناسب مع الطلب. يضاف إلى ذلك طول أمد تحضير المناطق لتكون قابلة لإنشاء المساكن، وأمر آخر هو أن مشاريع التثمين والاستملاك ونزع الملكية الخاصة للصالح العام في بعض المناطق السكنية المأهولة -كما هو الحال بقطر- أدت إلى التحول والضغط على المساكن الحالية.

ونلاحظ أن بعض دول الخليج تدخلت بسياسات محددة لتهدئة ارتفاع الإيجارات، منها رفع سقف الائتمان البنكي للتمويل العقاري كما فعلت قطر، وكذلك وضع نسبة كحد أقصى لزيادة القيمة الإيجارية عند تجديد عقد الوحدة السكنية كما فعلت إمارة دبي. وقد يكون اللجوء إلى هذه الوسيلة الأخيرة أمرا ملحا لتفادي المبالغة في رفع القيمة الإيجارية وما تستتبعه من مشاكل خاصة للمغتربين.

يظل أن النظرة للمغتربين في الخليج على أنهم حاملو زكائب الأموال باتت من الماضي،
فاليوم الأسعار تأكل الثراء، وقد يظل المغترب في غربته لئلا يقع فقط فريسة للبطالة والفقر في وطنه.
الدوحة- داليا الحديدي