المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفضائيات العربية.."اربح مليونًا" وضَيِّع الاقتصاد



bode
14-Oct-2007, 04:03
http://www.islamonline.net/arabic/economics/2001/07/images/pic4.jpg

ملايين تتسرب من اليد لتربح مليونا


ظاهرة غريبة بدأت تجتاح المجتمع العربي من المحيط إلى الخليج؛ لتجعل الجميع يحلم بالثراء السريع من خلال الفوز بالملايين التي تقدمها مسابقات الأحلام على الفضائيات العربية، وإذا كان علماء الدين قد أفتوا بحرمة هذه المسابقات؛ فإن هذه المسابقات تفتقد للرشد الاقتصادي، وتضُرُّ بالاقتصاد على المستوى الفردي ومستوى الدولة، بل إنها تذهب إلى حد الإتلاف؛ لأنه ليس من الدين أو الاقتصاد ركون الأفراد إلى ضربات الحظ والتمني على الله بالأماني.

وعندما حاول الاقتصاديون تحديد قيم الأشياء كالسلع والأموال لم يجدوا أساسًا لقيمتها أفضل من العمل؛ ولذلك اعتبروا العمل أساس القيمة للسلع عند تبادلها، أي أن قيمة السلعة تتحدد بمقدار ما بذل في إنتاجها من ساعات عمل، وكذلك اعتبروا أن قيمة الأموال ترجع إلى العمل، بل إن البعض اعتبر الأموال المدخرة هي ساعات عمل سبق اختزانها، ومن هنا اعتبرت السلع التي تتوفر في العالم بدون بذل أي عمل في إنتاجها، وتكون متاحة للجميع دون مقابل لا قيمة لها عند تبادلها، ولم يشذَّ عن هذه القاعدة سوى ما عرف "بلغز الماء والماس"، حيث إن الماء منفعته عاليه جدًّا، ولكن لا ثمن له، في حين أن الماس منفعته منخفضة، ولكن ثمنه مرتفع، وقد تم حل هذا اللغز من خلال إرجاع قيمة الأشياء إلى منفعتها.
العمل والميراث ولا ثالث!

في حصر الاقتصاد لمصادر الدخل والثروة للأفراد جعلها في مصدرين لا ثالث لهما، وهما:

1 - الدخل والثروة اللذان يتحققان من عمل الفرد.

2 - الدخل والثروة من الميراث الذي يحصل عليه الأفراد الحاليين من الأجيال السابقة، وإذا أردنا أن نرجع الميراث الذي يحصل عليه الفرد من أسلافه من الأبوين والأجداد إلى أصله، نجد أنه عمل هؤلاء الآباء والأجداد وليس مالاً هبط من السماء دون جهد أو عمل.

وبسبب كل ذلك قيل قديمًا: "حياة بلا عمل بنيان بلا أساس"، ولأن خلوّ الحياة من العمل يجعلها حياة لا قيمة لها ولا أساس لها، ولأن العمل لُبّ هذه الحياة وأساس قيمة كل الأشياء، فإنه يمكن القول بأن ‏"مال من غير عمل ثراء بلا أساس"، فإذا جاء المال دون أن تبذل فيه جهدًا أو عملاً أو ترثه كعمل سابق لأسلافك، فما قيمته في نظرك حتى وإن حقَّق لك إشباعًا لبعض رغباتك واحتياجاتك؟!

وبتطبيق ذلك على مسابقات الملايين التي انتشرت على الفضائيات العربية مؤخرًا تحت مسميات مختلفة نجد أنها مسابقات تقوم على مجرد الأماني، وتحقق للبعض مالاً بلا عمل أو ثراء بلا أساس، ومن الناحية الاقتصادية لا تضيف إلى الاقتصاد أي قيمة، بل هي تشجيع على الاستهلاك والإتلاف.

ربح للمال وتلف للاقتصاد

تعتبر المسابقات إحدى وسائل ترويج السلع في الاقتصاد الرأسمالي الذي يقوم على فلسفة الاستهلاك الوفير والدعاية والإعلان، وقد أصبح من المعتاد قيام بعض المؤسسات، خاصة المنتجة للسلع الاستهلاكية، بتنظيم مسابقات لمن يشترون منتجاتها، وتقوم فلسفة هذه المسابقات على اختلاف أساليبها على تشجيع الفرد على زيادة استهلاك كميات أكبر من السلعة أو تفضيل شراء السلعة عن السلع المنافسة لها، وفي هذه الحالة يعتبر تنظيم المسابقات والإعلانات عنها هو تكاليف يتم في الغالب تمويلها من المستهلكين أنفسهم، حيث لا يعقل أن تقدم الشركة في المسابقة جائزة يصل سعرها إلى آلاف الجنيهات كالسيارة، وهي تبيع منتجا لا يتجاوز سعره بضعة قروش أو جنيهات مثل البسكويت أو علب السمن النباتي، ويدفع المستهلكون تكاليف هذه المسابقة من خلال دفع سعر مرتفع للسلعة أو دفع نفس السعر لسلعة أقل جودة.

والخطورة في هذه المسابقات المرتبطة بالسلع هو عنصر الخداع والتغرير بالمستهلك؛ لدفعه إلى الاستهلاك الذي لا يقوم على حاجة ضرورية ولا يتم بطريقة رشيدة، حيث قد يندفع المستهلك لشراء السلعة دون حاجته إليها بحثًا عن الجائزة أو كوبون المسابقة، وبالتالي فهو تشجيع للاستهلاك القائم على الإتلاف وعدم الرشد الاقتصادي.

والأمر يكون أكثر خطورة في مسابقات الفضائيات العربية القائمة على مجرد الاتصال من خلال الهاتف المحمول برقم معين للاشتراك في هذه المسابقة، وتأتي الخطورة في هذا النوع من المسابقات في أنها قائمة على الإتلاف الكامل للمال، حيث إن الفرد الذي يشتري سلعة معينة ليحصل على جائزة أو يدخل في مسابقة أقل إتلافًا للمال؛ لأنه يحصل على سلعة وإن كان ثمنها مرتفعًا، أي أن الإتلاف يكون إتلافًا جزئيًّا للمبلغ المدفوع، أما الفرد الذي يقوم بإجراء اتصال هاتفي ويزيد من مدة الاتصال لكي يضمن دخول المسابقة دون أن يحصل على أي سلعة أو خدمة مقابل دفع ثمن هذا الاتصال، فالإتلاف يكون فيها إتلافًا كليًّا للمبلغ المدفوع.

كما أن شراء الفرد لسلعة للحصول على جائزة أو للاشتراك في مسابقة رغم أنه سلوك اقتصادى غير رشيد، فإنه يساهم في تنشيط إنتاج هذه السلعة وزيادة الكميات المنتجة منها، وقد يجعل هناك فرص عمل لبعض الأفراد، ويزيد طلب الشركات المنتجة للسلعة على مستلزمات الإنتاج اللازمة لإنتاج هذه السلعة، وهو ما يساهم في زيادة دخول من يملكون هذه المستلزمات؛ أي أن المسابقات المرتبطة بالسلع قد تنشط دورة الإنتاج لهذه السلع، وقد تحقق بعض المنافع للمستهلك مثل حصوله على وحدات إضافية من السلعة أو الحصول على خصم نقدي، بالرغم من أنها قد تصنع وضعًا احتكاريًّا لبعض الشركات بعد فترة لتمكنهم من إخراج الشركات الأخرى المنافسة من السوق والسيطرة عليه، أضف إلى ذلك أن تكلفة المسابقة تصبح بندًا دائمًا من بنود التكلفة يتحملها المستهلك سواء تم إجراء المسابقة أو لم يتم.

أما مسابقات الفضائيات العربية فإنها لا تنشِّط إنتاجًا ولا تُوجد فرصة عمل، ولا تحقق سوى إشغال مرفق حيوي من مرافق العالم العربى وهو مرفق الاتصالات في أمور تافهة قد تؤثر بالسلب على إمكانية استخدام المرفق في الأمور الأصلية له، أضف إلى ذلك تضييع وقت الأفراد في ما لا طائل منه، واستغلال القنوات الفضائية التي تم إطلاقها لمخاطبة العالم وتعريفه بالثقافة العربية بطريقة غير سليمة.

المستغِل والمقامرون

لا يمكن لعاقل بصير أن ينكر عنصر المقامرة في مسابقات الفضائيات العربية، خاصة أنها غير مرتبطة بتسويق سلعة معينة، كما أن هناك عنصرًا آخر إلى جانب عنصر المقامرة وهو عنصر الاستغلال والتربح، حيث يستغل منظمو هذه المسابقات سذاجة بعض الأفراد وطمعهم في المال وتطلعهم إلى الثراء السريع ولو من مصدر حرام لتحقيق أرباح طائلة، فالأموال التي يدفعها الأفراد ثمنًا لاتصالاتهم الهاتفية من أجل المسابقة تحصل شركة الاتصالات على 35% منها، في حين يحصل منظمو المسابقة على 65%، وهذه النسبة الأخيرة يتم إتلاف جزء كبير منها في إعداد أستوديوهات فاخرة لتصوير المسابقة، ولبثِّها على المشاهدين، وللحملة الدعائية لها في مختلف القنوات، ويتم رصد جزء من هذه النسبة لمن يفوز.

وتحقِّق القنوات المنظمة لهذه المسابقات أرباحًا طائلة دون عناء من خلال استغلال أموال هؤلاء المقامرين، وهو ما يجعل الأمر يدخل في نطاق عمليات النصب والتغرير بالأفراد، وإفساد عقولهم ونفوسهم، فبدلاً من أن يسعوا إلى الكسب من الكد والعمل ينشغلوا بضربات الحظ، وفي الواقع لا يكسب إلا عشرات الأفراد من بين مئات الملايين، وبذلك يكون هؤلاء الملايين من أبناء العروبة قد تم استغلالهم؛ لأنهم قامروا بأموالهم فأتلفوها وقدَّموها طواعية لمستغل تاجر بطمعهم وسعيهم إلى الثراء السريع.

البنوك تدخل اللعبة

لقد انتقلت مسابقات الملايين إلى بعض البنوك العاملة في الدول العربية، حيث بدأ أحد البنوك العاملة في القاهرة ولأول مرة بتقديم شهادة ادخار تبلغ قيمتها 100 جنيه مصري يدفعها الفرد ولا يمكن استردادها إلا بعد 5 سنوات بسعر فائدة إجمالي 16%، على أن يدخل اسم مشتري هذا الشهادة في سحب كل ثلاثة أشهر على جائزة قيمتها مليون جنيه مصري، وإذا أراد الفرد أن يسترد قيمة الشهادة والانسحاب من المسابقة فلا بد من مرور 6 أشهر على تاريخ شراء الشهادة، وقد تزاحم على شراء هذه الورقة ملايين المصريين من البنك المذكور أملاً في الفوز بالمليون، ويبرِّر البنك طرحه لهذا الوعاء الادخاري الجديد وغير المسبوق في مجال العمل المصرفي، بأنه يشجع على الادخار وجذب عملاء جدد إلى البنك، وخاصة من محدودي الدخل الذين لا يعرفون التعامل مع البنوك طوال حياتهم ويسعون إلى الكسب السريع.

والغريب في الأمر أن هذا النوع الجديد من المسابقات يتم على مسمع ومرأى البنك المركزي، بل ويشرف عليه، ويأتي الإتلاف في هذه المسابقات البنكية في أنه يدفع فائدة سنوية منخفضة جدًّا على المبلغ المدفوع لا يتجاوز 3.2% سنويًّا، في حين أن البنوك الأخرى تقدم سعر فائدة يصل إلى حوالي 10% سنويًّا، ويقوم البنك بتمويل جوائز المسابقة من فروق أسعار الفائدة على هذه الأموال، ويكون الإتلاف الأكبر للأموال المدفوعة في هذه المسابقة هو تآكل القيمة الحقيقية للمبلغ المدفوع؛ بسبب معدل التضخم الذي يجعل القوة الشرائية لمبلغ الـ 100 جنيه في نهاية المدة أقل بكثير من قوتها الشرائية في بداية المدة.

وهكذا، نجد أن هذه المسابقات تضُرُّ بالاقتصاد أكثر مما تفيد، وإذا أفادت فإنها تفيد القلة على حساب الغالبية، وربما يخسر الجميع؛ لأن من يكسب المليون بهذه الطريقة السهلة لن ينفقها بطريقة رشيدة كمن كسبها بالكد والعمل، وربما يكون المليون وبالاً عليه وإتلافاً له ولأسرته، وبفرض عدم حدوث ذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا قدَّم من ربح المليون لمجتمعه مقابل هذا المال ليكون جديرًا به؟ وماذا أخذ من لم يربح مقابل المبالغ التي دفعها ثمنًا للمكالمات التليفونية؟
مغاوري شلبي