المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بورصاتنا والتنمية.. مدخل للبناء لا الهدم



bode
14-Oct-2007, 03:26
أثار الهبوط الحاد الذي شهدته مؤخرًا البورصات العربية استفهامات عدة، لعل من أبرزها، كيف يمكن أن تتحول أسواق المال من أداة للمضاربات إلى داعم حقيقي للتنمية الاقتصادية في مجتمعاتنا العربية، وتوفر فرص عمل للمواطنين، عبر نمو مطرد للاستثمارات.

بداية، إن الصورة الشائعة عن البورصة هي أنها سوق لبيع وشراء الأوراق المالية، لكن الهدف الأصيل لها هو تمويل متوسط وطويل الأجل للمشروعات. ويأتي ذلك ببساطة من خلال فكرة طرح الأسهم والسندات للبيع للجمهور؛ للحصول على التمويل المطلوب للمشروعات.

فمثلا عندما يرغب البعض في إنشاء شركة جديدة فإنهم يقسمون رأسمالها إلى أجزاء صغيرة القيمة يسهل بيعها لأكبر عدد من الجمهور. وإذا كان مطلوبا للشركة مليون جنيه مصري، فيتم تقسيمها إلى مائة ألف جزء. وتصل قيمة كل جزء مائة جنيه، ومن يدفع هذا المبلغ أو مضاعفاته، فهو مساهم بالشركة. وهكذا يمكن تدبير المبلغ المطلوب، أيًّا كان حجمه، من خلال طرحه كأسهم.

ويمكن للشركة أن تكرر ذلك الأمر كلما احتاجت إلى أموال أضافية. ولكن إذا لم ترغب في وجود شركاء لأصحاب رأس المال، فيمكن للشركة اقتراض المبلغ المطلوب من الجمهور في صورة سندات عبر تقسيم المبلغ المطلوب أيضًا إلى أجزاء قليلة القيمة تحدد معها مدة السندات، وعائدها، ودورية توزيع هذا العائد. واستفادت العديد من الحكومات من فكرة طرح السندات للوفاء باحتياجاتها المالية، نتيجة عجز موازناتها.

لكن السؤال المطروح هنا: ماذا عمن يريد استعادة ما دفعه من أموال؟ فالقائمون على الشركة يوجهون حصيلة بيع الأسهم لبناء المصنع، أو لشراء الآلات والمعدات أو المواد الخام، ما يعني صعوبة الاستجابة لطلبات من يريدون استرداد أموالهم، حيث لا توجد سيولة كافية، كما أن ذلك قد يؤدي إلى تعثر برنامج أداء الشركة.

من هنا، كان لا بد من إيجاد وسيلة للاستجابة لطلبات استرداد الأموال المدفوعة، وتمثل ذلك في إنشاء قاعة تداول البورصة التي يتجه إليها كل من يريد بيع ما لديه من أسهم أو سندات، حيث سيجد من يشتري منه تلك الأوراق المالية. ويتم ذلك بعيدًا عن مقر الشركة الأصلية، حتى يتفرغ القائمون عليها للإنتاج والتسويق وتحقيق الأرباح.

مجرد بوابة

وهكذا، أصبح لدينا سوقان رئيسيان داخل البورصة، أحدهما هو سوق إصدار الأوراق المالية (السوق الأولي)، ومكانه الجغرافي الشركات التي تصدر أسهمًا أو سندات. أما السوق الثاني فهو تداول الأوراق المالية (السوق الثانوي)، وهو أقل أهمية من السوق السابق، حيث يؤدي مهمة مكملة له، وهو عبارة عن مقصورة البورصة التي تظهر على شاشات التليفزيون مزدحمة بالمتعاملين وبأجهزة الكمبيوتر والاتصالات.

وإذا تصورنا سوق الإصدار مبنى كبيرًا، فإن سوق التداول هو بوابة لتسهيل الخروج من المبنى. وكلما كانت إجراءات الخروج سهلة اطمئن رواد المبنى على أنفسهم، ودفعهم ذلك إلى دخوله والاستمرار داخله فترة أطول.

وبعبارة أخرى: إن وجود سوق تداول نشط، يساهم في تنشيط سوق الإصدار، وعندما يدرك المتعاملون بسوق التداول أنه يمكنهم الخروج منه وقتما يرغبون فسيطمئنون أكثر للتعامل مع سوق الإصدار.

وعلى مستوى المنفعة، فإن سوق الإصدار هو الأكثر إفادة للاقتصاد؛ لأن أي أموال يتم ضخها به معناها: إما تأسيس شركات جديدة، أو إجراء توسعات بالشركات القائمة، أي أن النتيجة المتوقعة لأية تدفقات مالية بالإصدار هي مزيد من إنتاج السلع والخدمات وفرص العمل.

أما سوق التداول فدوره قاصر على تبادل الأموال بين المتعاملين به، حيث تنقل الأموال من جيوب المشترين إلى جيوب البائعين، إلا أن تلك الأموال على ضخامتها بسوق التداول، لا تضيف للناتج القومي شيئًا جديدًا، فالمكاسب التي يحققها البعض تكون مقابل خسائر آخرين.

1.4 تريليون دولار

التطبيق العملي للبورصة العربية يشير إلى أن تعاملات سوق التداول أكبر من تعاملات سوق الإصدار، كما يحدث مثلاً في الحالة المصرية منذ ست سنوات. ففي العام الماضي (2005) وصلت قيمة تعاملات سوق الإصدار المصري 65 مليار جنيه (الدولار=5.57 جنيهات مصرية) بينما بلغت تعاملات سوق التداول 160 مليارًا. ولقد أسهم سوق الإصدار -رغم قلة نصيبه- في تأسيس 1555 شركة جيدة، وزيادة رءوس أموال 796 شركة، واقترضت الحكومة المصرية نحو 23 مليارًا، بينما لم تضف تعاملات سوق التداول شيئًا من ذلك.

وتبدو الخطورة حينما ندرك أن تعاملات أسواق التداول بالبورصات العربية في العام الماضي قد بلغت 1.4 تريليون دولار، وهي أموال كان يمكن توجيهها إلى مشروعات تنموية، كما اقترضت البنوك جانبًا منها، مما فوّت على هذه الأخيرة فرصة ضخها في تمويل المشروعات، في وقت تعاني فيه بعض الدول مثل مصر من صعوبات في التمويل المصرفي للمشروعات.

وبالنظر إلى الاختلال المزمن في الميزان التجاري في الدول العربية -خاصة في مجالات الآلات ومعدات النقل وإنتاج الحبوب وغيرها- فإن ذلك يتطلب إنشاء مشروعات للوفاء بتلك الاحتياجات، مع استهداف تصدير الخدمات التي تتميز بها المنطقة.

ومن هنا، فيمكن الاستفادة بآلية البورصة أو سوق إصدار الأوراق المالية لإنشاء تلك المشروعات المطلوبة، عبر توظيف فوائض الأموال المتحققة، سواء لدى الأفراد أو المؤسسات المالية. ولقد أكد حجم الإقبال الذي شهدته أسهم بعض الشركات العربية -عند طرحها خلال العام الحالي- وجود سيولة نقدية هائلة تحتاج إلى فرص توظيف.

ففي الإمارات، استقطب الاكتتاب على شركة الدار العقارية في أبو ظبي 103 مليارات دولار، وعلى شركة دانة غاز 78.5 مليارًا، و12 مليارًا لشركة رأس الخيمة العقارية، وهو ما يمثل 57 ضعفًا للأموال المطلوبة. وتكرر ذلك الأمر، مع طرح أسهم مصرف السلام، وبنك إعمار بالبحرين، ومصرف الريان بقطر، وشركة ينساب بالسعودية.

الاكتتابات بالأندية!

وساهمت رءوس أموال مواطني عدة بلدان عربية في تغطية تلك الأطروحات، فمع طرح دانة غاز مضى السعوديون ليالي بحدائق أبو ظبي. أما بنك الريان بالدوحة فقد اضطر المسئولون هناك لتلقي الاكتتاب في ساحة نادٍ رياضي كي يستوعب طوابير السيارات التي تكدست عند حدودها مع السعودية.

وهكذا تتسع دائرة التغطية للأسهم من خلال مستثمرين من دول مجاورة، كما يمتد الأمر إلى دخول الأجانب لشراء الأسهم، وبما يزيد من معدلات تدفقات الأموال إلى المنطقة العربية.

ويعزز من ذلك قلة عدد الشركات المقيدة في بورصات الدول الخليجية، ففي حين بلغت قيمة تعاملات سوق الأسهم السعودي العام الماضي 1.1 تريليون دولار، بلغ عدد الشركات المقيدة به 77 شركة فقط. ولم يزد هذا العدد سوى بنحو 4 شركات فقط خلال العام الماضي.

أما بورصة دبي التي بلغت تعاملاتها 110.3 مليارات دولار، فليس بها سوى 30 شركة مقيدة. وكذلك الحال في قطر التي بلغ حجم تعاملات بورصتها 28.3 مليار دولار بالرغم من وجود 32 شركة مقيدة، ومن هنا فزيادة عدد الشركات في سوق الإصدار، يساهم في تقليل الضغط على أسعار الشركات القائمة، ويرشد من أداء البورصات العربية.

هيئات رقابة قوية

وساعدت معدلات صعود الأسعار بغالبية البورصات العربية خلال العام الماضي على كبر حجم سوق التداول على حساب الإصدار، على اعتبار أن شراء الأسهم في سوق الإصدار، خاصة عند تأسيس الشركات يتطلب انتظار الأرباح لفترة من الوقت، حتى يبدأ الإنتاج، في حين يتم الحصول على الربح السريع بتعاملات سوق التداول.

ولكن إذا شددت الهيئات الرقابة على أسواق المال العربية فذلك من شأنه التقليل من دور المضاربين، وزيادة نصيب المستثمرين الذين يحتفظون بأسهمهم لعدة سنوات، ويعتمدون في أرباحهم على التوزيعات الدورية لتلك الأسهم.

كما أن تدخّل إدارة الأسواق بالمعلومات لتفسير أي هبوط أو ارتفاع غير مبرر للأسهم يساعد على طمأنة المتعاملين وإطالة فترة بقائهم في السوق، بدلاً من سرعة تكرار دورات الارتفاع الحاد والذي يعقبه هبوط حاد وخروج الكثيرين من صغار المتعاملين من السوق.

أيضًا يمكن لصناديق الاستثمار التي بدأت تنتشر في الدول العربية أن تلعب دورًا في الاستثمار المباشر في المشروعات لدفع عملية التنمية بالمنطقة.

وحتى تتم معاونة المستثمرين على وضع أولويات التنمية في أذهانهم عند أخذ القرار الاستثماري وتفضيل التعامل بسوق الإصدار أولاً فلا بد من تهيئة البيئة الاستثمارية المعاونة لذلك. فمن خلال بورصات يقظة وهيئات رقابة فعَّالة يمكن أن تكون البورصات عاملا مساعدًا في البناء التنموي وليست هدما أو مجرد مضاربة.

كما أن الحد من تلاعب كبار المستثمرين في البورصات يؤدي إلى استقرار الأسواق، ويكبح جماح الارتفاعات غير المبررة للأسهم والتي يعقبها هبوط حاد وخروج للكثيرين من السوق وفقدان الثقة فيه، مما يجعل الاقتصاد يفقد آلية مهمة لإنشاء المشروعات.
ممدوح الولي