المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما الذي ينقصنا؟



bode
14-Oct-2007, 05:44
عندما يقطع بعضنا المسافات في الانتقال من مكان لآخر للبحث عن مساحة هدوء وأجواء أخرى غير تلك التي يعيشها في مدينته، تأسره المناظر الطبيعية الخلابة في بعض المحطات التي يتوقف فيها، وتبدو أمام ناظريه أشبه ما تكون بلوحة أبدعها فنان، وتهيمن عليه حالة من التأمل والتفكير، ويتساءل في قرارة نفسه، ما الذي يجعل تلك المدن مختلفة عن مدننا؟ ولماذا نشعر فيها بالراحة أحياناً أكثر من تلك المدن التي نعيش فيها؟

هل موقعها الجغرافي البعيد يفرض عليها تميزاً مناخياً وطبيعياً يمنحها ما لم تمنحه مدننا؟ أم أن العراقة والرقي هو الذي أصبح ملازماً لها ؟ أم انه النظام بأكمله؟ هل هي المرافق والتسهيلات؟ أم أن البشر أنفسهم يصنعون تميز تلك المدن ويوجدون لها أجواء مختلفة؟

الموقع الجغرافي لا يبقى عائقاً أمام كثير من مدننا العربية، لاسيما وقد حظيت بعض تلك المدن بمواقع جغرافية رائعة لا تقل عن مدن أوروبا، أما العراقة فهي صبغة يتركها التاريخ، في حين تبقى سمة الرقي من صنع الإنسان متى ما ملك الإرادة ومتى ما وجدت لديه الرغبة لأن تكون سمة له، أما المرافق والتسهيلات فلا ننكر تميز بعض مدننا بما تقدمه لزوارها من خدمات ربما تفوق ما تقدمه أرقى وأغنى مدن العالم. لذا فإن تلك الأسباب لا يمكن أن تكون وحدها الأسباب التي تصنع أجواء مختلفة لتلك المدن تجعلنا نستمتع بالإقامة فيها ولو لمجرد ساعات.

إن ما يجذبنا في تلك المدن حقيقة ويبهرنا هو النظام الذي تسير عليه. فلكل شيء وقته، العمل له وقته، فالنمو الاقتصادي في تلك المدن المتقدمة يعطي للوقت قيمة أعظم من تلك التي نمنحها إياه، فتجد الموظفين صغاراً وكباراً يركضون ويلهثون في سباق مع الزمن لإنجاز ما يمكن انجازه، وترى جودة العمل طاغية على كل ما يفعلونه وكأن هناك اتفاقاً بينهم على التميز والجودة، لذا فعملك يحظى باحترام ووجود كإنسان في أي مؤسسة أو شركة حتى لو محل بقالة له قيمته وله حقه في التقدير والاحترام.

هذا اللهاث في ساعات العمل لا يلبث إلا ويتوقف عندما تدق ساعات الراحة التي تتمرد على كل أمور العمل العالقة فتريح عقول موظفيها وأجسادهم، فيقضون أوقاتهم في فسحة بين الأهل والأصدقاء دون ضجيج صاخب، ودون منغصات تفسد عليهم أجواء إجازاتهم، وليس كما هو الحال لدينا عندما نجد إجازة نهاية الأسبوع مقتولة بزيارة المراكز وصخب الحياة الذي لا يترك متسعاً للقليل من الراحة، وكأننا في حرب مع الزمن لنفتك بهذه الأجساد ونقضي على فتات هذه العقول التي تئن ولا مجيب لأنينها.

النظام العام في الشوارع والطرقات، في وسائل المواصلات والمرافق العامة تحكمه قوانين لا يجرؤ أي من سكان تلك المدن على تجاوزها أو تخطيها، وان فعل فالقانون والعاملون عليه وعامة الناس يقفون بالمرصاد له محاسبين وزاجرين. الحرية الشخصية لها حدود لا تنتهك حريات الآخرين. الهوية تجدها أينما حللت وأينما أقمت. اعتزاز بها من الرأس وحتى أخمص القدمين، فلا لغة يحدثك بها إلا لغته، ولا ضيافة يكرمك بها إلا تلك التي تعبر عن ثقافة مجتمعه.

تبدو المقارنة ربما ظالمة إذا ما وضعنا بالاعتبار تاريخ تلك المدن، والثقافة العامة التي جبلت عليها شعوبها منذ طفولتها حتى أصبحت نظاماً عاماً يحكم تلك المدن ويسيرها. لكن الأمنيات لا تبقى مستحيلة إذا ما أردنا أن نكون مثلهم، وإذا صدقنا مع أنفسنا وتساءلنا ما الذي ينقصنا لنكون مثلهم؟ عندها ربما نتفوق عليهم وان افتقدنا لموقع جغرافي يمنحنا طبيعة خلابة وأجواء مناخية، وذلك فقط عندما ننتصر على أنفسنا ونحسن تثقيفها بدرجة تجعلنا نرتقي بأنفسنا تلك التي وحدها تصنع رقي المدن واختلافها.
ميساء راشد غدير