المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفـاهـيم وأبعـاد القـراءة



bode
10-Oct-2007, 11:48
ورقة تنشرها دروب ( مقدمة لمنتدى حوار) للمشاركة مع نادي حائل الأدبي
خلال صيف 2007م/1428هـ بتاريخ يوم الأربعاء 11 يوليو 2007م

مقدمة تعريفية حول القراءة

عندما نتناول موضوع القراءة يتبادر إلى ذهننا تســاؤلات شتى ، وأهم تلك التساؤلات ما يلي : ما هي القراءة ؟ ولماذا نقرأ ؟ وكيف نقرأ ؟ وماذا نقرأ ؟ … وكل تساؤل له علاقة بجانب يسعى إليه الإنسان ، فالتساؤل الأول (ما هي القراءة) له علاقة بتعريف القراءة وجوهرها ، والثاني (لماذا نقرأ) له علاقة بجانبين فإما بالحكمة التي يتم تحصيلها من القراءة أو بالهدف الذي يحـاول الإنسان تحقيقه من خلال القـراءة ، والثالث (كيف نقرأ) له علاقـة بالأسلوب الأمثل والطريقة السليمة لممارسة عمل القراءة ، والتسـاؤل الرابع (ماذا نقرأ) يرتبط بقرار الإنسان حول المجالات المتعددة للقراءة وماذا يحتاج منها بناء على ميوله وحياته واتجاهاته ومدى شغفه المعرفي .

والإنسان يتميز من بين الكائنات بميزة العقل ، هذا العقل الذي مكن الإنسان من التقدم الفكري والعلمي والحضـاري ، وبالتـالي مكنه من الوصول إلى الإبداع والاكتشافات المعرفية يوما بعد يوم ، وما زال تمكن الإنسان مطردا في مستقبل الأيام نظرا لما نجده من نتائج تتنوع في الكون والحياة والإنسان ، وما يستلزم هذا التنوع من تباين درجات الفهم والوعي .

ومنجزات الإنسان في التفكير والمعرفة تم توثيق جانب منها عبر التاريخ بعدة طرق لها مصادرها ، والدخول إلى تلك المصادر يتم من خلال القراءة ، لذا فإن القراءة تتحدد أولا تبعا للمصدر الذي يتم التعامل معه ، وبهذا فإن القراءة تعد من الشروط الأساسية لتحصيل الزخم المعرفي المناسب كما وكيفا .

وللقراءة طرق شتى توضح الكيفية المناسبة للقراءة وذلك اعتمادا على معايير هامة ، فكل معيار يناسبه نوع من القراءة ، واختيار المعيار المناسب يتم وفقا لعوامل مؤثرة أهمها : الهدف من القراءة – مجال أو موضوع القراءة – مصدر القراءة - … إلى غير ذلك من العوامل .

وإذا اتضح للإنسان تعريف القراءة وأهميتها وأدرك الحكمة من وراءها وعرف كيف يختار الطريقـة المناسبة لتحصيل النتـائج من القراءة ، فله أيضـا أن يتساءل : ما هي المجالات التي عليه أن يختارها للقراءة أو بمعنى آخـر ما هي الموضوعات التي تناسبه ويستطيع الخوض فيها محققا ما يصبو إليه من نتائج ذاتية وموضوعية ، وهو تسـاؤل مشروع وبدايـة تفكير جـاد بأهميـة ودور القـراءة ، لأن مثل هذا التسـاؤل هو ما يقود الإنسـان إلى ناحيتين في غايـة الأهمية : أولهما تحديد ما يحتاجـه بناء على ميولـه وتوجهه وثانيهما تحقيق التدرج في تطوره المعرفي حيث أن القـراءة تلعب دورا هاما بتحقيقه ، وشرحا للعلاقـة بين تطور القـراءة وتطور الفرد معرفيا نجد بأن بعد كل فترة زمنيـة يمارسها الإنسـان مع القـراءة تتغير ميوله وأهدافه من القراءة وبالتـالي فهو تلقائيا يلبي هذه الميول والأهداف الجديدة عن طريق انتهاج أساليب وموضوعات أخرى ، وتستمر تلك العملية مع الإنسـان محققة رقيا ثقافيا وفكريا ومعرفيا له دون أن ينتهي .

وبعد تلك المقدمة نرى بأن القـراءة يمكن تعريفها بعدة صيغ وكل صيغـة منها تمتلك القدر النسبي من القبول بحيث نرى وجود مفردات ومعاني مشتركـة بين التعريفات المختلفـة ، وبذا نستطيع أن نضع صياغة مناسبـة لتعريف القـراءة كالآتي :

تعريف القـراءة : القراءة هي تكثيف الحواس والعقل والذاكرة عن طريق الاستعانة بمصادر متنوعة للحصول منها على زخم معرفي كما وكيفا بحيث يتناسب هذا الزخم مع القدرات الذاتية من أجل تكامل أهداف الاستيعاب والفهم والوعي .

مصادر القراءة

كانت مصادر القراءة في الماضي محدودة جدا وغير متنوعـة وتقليديـة ولا تتعرض لتقييم جزئي أو مستمر بل ينظر إليها بقدسيـة تلقي وعشوائيـة ودون فرز أو اختيار ، ومع تنامي الحس النقدي تغيرت هذه النظرة التقليدية تدريجيا ، وتنوعت مصادر القـراءة في العصر الحاضر واهتمام الأفراد والمجتمعات بشكل متوازي بالتعامل مع مختلف تلك المصادر ، هذا التنوع وما صاحبـه من اهتمام ولو نسبي قد ساهم في ازدياد الحس النقدي والتقييم من الأفـراد ، وهذا بدوره ساهم في خلق حالـة ايجابية لأهمية القراءة ومصادرها ، فبقدر ما نجد الحيرة وإعادة الاختيار للمصادر بقدر ما نجد ذلك يحفز القراء على حريتهم المسئولـة اتجاه خياراتهم بأنواع القـراءة وربط تلك الخيارات بما يحققونه من إجابة على تساؤلاتهم قدر الإمكان وبما يكتسبونـه من تطور في الأسلوب والمعرفـة التي يرغبونها ، وأخيرا بما يحقق أهدافهم المتباينة .

وإذا نظرنا بتمعن وإبداع لكافـة مصادر القـراءة وربطنا بين وعينا لدور كل مصدر منها وما يشكله من مضمون ثقافي ومعرفي ، وأيضا ما يعنيه كل مصدر لوعي القارئ ، ومدى استيعابه وتطور تفكيره بالتوازي مع عوامل هامة مختلفة لديه مثل صفاته الذاتية ونطاق اهتمامه وتجاربه في الحياة ، فإننا نجد بناء على هذه النظرة المتجددة أن مصادر القـراءة غير ثابتـة ويتم محاولة خلق توازن بينها وبين هموم الحيـاة ، وكذلك يتم تقييمها باستمرار ، وتقييم أهميـة ودور وتأثير مصادر القـراءة يعتمد على ما تحققـه القراءة خلالها من نتائج وإشباع للشغف المعرفي بحسب ميول واتجاهات وأهداف الفرد القارئ .

وعلى الرغم من تنوع مصادر القراءة حديثا ، فإننا نجد من جهـة أخرى أن هذا التنوع يصاحبه اختيار وفقا لأهداف ذاتية وموضوعية ، فكل مصدر يحقق نسبة معينة من تلك الأهداف ، وتتفاوت نسبة التحقيق للهدف بحسب محتوى المصدر وتأثيره وزمنه وما يتعرض له من نقد إلى غير ذلك من عوامل .

ولنحاول بإيجاز تطبيق ما ذكرناه من توصيف لمصادر القراءة على عدد من تلك المصادر كالتالي :

1- الكتاب :

* من أقدم وأهم مصادر المعرفة وصورته المعتادة ورقية وله صورة حديثة بما يطلق عليه الكتاب الالكتروني ، ونجد أن الصورة الالكترونيـة الحديثـة أمامها وقت كبير حتى تستطيع إثبات دورها ولكن تبقى الصورة الاعتيادية لها أهميتها ووقعها على القارئ .

* يختلف التأثير من كتـاب إلى آخر والعوامل التي تلعب دورا كبيرا في هـذا التأثير كثيرة وأبرزها زمن نشر الكتاب وطباعته وحجمه وموضوعـه وشهرة مؤلفه ودار النشر التي أصدرته ومدى تحديثه .

2- الدورية والمجلة :

* تأثير المجلة أسرع من الدورية بحكم فترات إصدارها المتقاربـة إلا أننا نجد الدورية أكثر كثافة ومحتوى وخاصة فيما يتعلق بالدراسات .

* تستقطب المجلـة عـددا أكبر بحكم قربها من العمل الصحفي وموضوعاتها الخفيفة ومخاطبتها لعامة جمهور القراء ، بينما نجد الدورية إما أكاديميـة أو متخصصة أو ذات طابع بحثي جاد مما يقلل من جمهورها ، وأود أن أوضح بأن ما ذكرته من مقارنة بين المجلة والدورية يتعلق بواقع الحال ولا يتعلق بما هـو منشود من دور لكل من المجلة والدورية ، فما هو منشود من الدورية أكبر مما نواجهه فعليا بسوق النشر .

3- القنوات الإعلامية :

* القنوات الإعلامية متعددة مثل الإذاعة والقنوات الفضائيـة وتعتبر مصدرا للقراءة المسموعة والمرئية .

* تنتشر من خلال تلك القنوات ثقافـة معينة تتعلق بالأحداث والترفيه والأعمال الفنية المباشرة ونادرا ما نجد في تلك القنوات برامج معرفية راقية تخاطب عقل الإنسان إلا أنه من الملاحظ حدوث تغير نوعي ايجابي لعدد من هذه القنوات نحو الهدف المعرفي .

* تعتبر القنوات الإعلامية من أوسع مصادر القراءة انتشارا وتأثيرا ونجد نسبة غالبة من البشر في كافـة المجتمعات يخصصون لها جزءا كبيرا من وقتهم وقد ذكرنا أن سبب ذلك نوعية الخطاب والتوجيه في تلك القنوات .

4- الفيلم السينمائي :

* يعتبر الفيلم من المصادر الحديثة للقراءة والمعرفة وتتفاوت الأفلام بشكل كبير جدا ، فنجد الفيلم البوليسي وفيلم الإثـارة والفيلم الاجتماعي والفيلم الوثائـقي وفيلم الخيال العلمي .

* لكل نوع من الأفلام تأثير معرفي معين وكل الأنواع مطلوبة من ناحية مراعاة التنوع إلا أن أنواعا منها أقرب لتحقيق تطور معرفي من الأنواع الأخرى .

* عندما تشـاهد فيلما فأنت تقـرأ أفكارا للمؤلف وأفكارا للسيناريو وأفكـارا للمثلين وتستنتج أفكارا لكل علامة ومشهد من الفيلم ، لذا فان الفيلم هو الأكثر تباينا في فهمه بين عدة قراء؟

5- الانترنت :

* من أهم مصادر القراءة تأثيرا على تفكير الفرد وتغييرا للميول والاتجاهـات بحكم تجدد المعلومات وتطور الأساليب.

* من سلبيات الانترنت عدم توثيق محتوياتـه كمصدر للقـراءة وللمعرفة بحكم المشاكل التقنية ومعايير الرقابة والاختراقات الغير مكشوفة .

* بالرغم من الـدور الكبير الذي يلعبه الانترنت في عالم اليوم إلا أنـه يخلق تغيرا بتردد عالي عند مختلف الأفراد بسبب تباين شاسع في المعلومات وتناقض في الآراء والتقارير مما يستدعي من القـارئ الذكي التمييز والتسـاؤل واختيار متنوع وواعي لأكثر من موقع .

6- المسرح :

* يعتبر من أكبر مصادر القراءة من حيث ما يتضمنه من ثقافة عالية وخاصة المسرح المتعلق بالأعمال الفنيـة والأدبيـة الراقية وغالبا نجد هذا النوع من المسرح في المجتمعات المتقدمة ثقافيا وفكريا حيث يتطلب بيئـة مناسبة فيها الكثير من الحرية وانطلاق الإبداع .

* دور المسرح وتأثيره يعتمد بدرجة كبيرة على الحضـور الجماهيري وعلى النص المسرحي وعلى قدرة فائقة لفئة ممثلي المسرح وعلى المكان والإخراج .

7-السياحة :

* من مصـادر القـراءة القديمـة ولكنها تجددت بثياب جديدة بفعل الثـورة التكنولوجية وثورة المعلومات والاتصال ، وبفعل تلك العوامل خصص لها مراكز ومعاهد ومشاريع وبرامج .

* السياحة تجمع بين الثقافة والترفيه ، فهي ثقافـة من حيث ارتباطها بمعالم البلدان والآثار والمناسـبات المتعددة وهي في الوقت ذاته ترفيه يحمل متعـة وفائدة .

8-مصادر أخرى للقراءة :

* المعارض والندوات والمؤتمرات .
* اللقاءات والحوارات .
* المهرجانات والسباقات .

ومع أهمية ودور كل مصـدر للقـراءة ، وضرورة أن يولي الإنسـان اهتماما متوازيا بين كل المصادر لتحقيق أكبر فائدة كما وكيفا ، إلا أن الكتاب والدورية والمجلة مازالت المصادر التي تمتلك الزخم المعرفي الأكبر .

مستويات القراءة

للقراءة أهمية عالية ، وهي التنزه في عقول الناس كما قال المأمون ،والمعنى أن عقولهم كالحدائق الممتلئة والوارفة فيها أنواع الأشجار والثمار،لذا فإن نسبة (غير معروفة) من البشر يقرؤون ، والقـراءة نوعين أفقية وعمودية ، و يمكن الجمع بينهما ، وتزداد أهميتها كلما اتسعت أفقيا و عموديا .

واتساعها أفقيا يؤدي إلى التنوع الثقافي ، وبالتـالي ينتج عنه انفتاح العقل ومعرفة المكتسبات الثقافيـة والفكرية والحضاريـة (على قدر الإمكان) ، هذه المكتسبات التي تكونت لمختلف الأفـراد والقوميات عبر عصـور ماضيـة وحاضرة . واتساعها عموديا يؤدي إلى التركيز وعمق الاستدلال ونفاذ البصيرة ، وبالتالي ينتج عنه حصول خبرة نوعيـة و استنتاج نظري وعملي يختلف حجمـه تبعا لاختلاف الفرو قات الفردية .

ولا تنبثق النتـائج (التي ذكرناها أعلاه) بعد اتساع القراءتين أو أحدهما إلا بشرط ضروري وهو الاستيعاب حتى ولو كان نسبيا ، حيث لا بد من مقدار أدنى من الاستيعـاب يسمح لنـا باستمراريـة تحليل أبعـاد القـراءتين ( الأفقيـة والعمودية) ، وإذا لم يتحقق هذا المقدار فإننا ندخل في أنواع أخـرى للقـراءة بمعايير ودلالات مختلفة، ولها تحليل آخر .

ولكن أي القراءتين (الأفقية والعمودية) لها الأولويـة ؟
وهل من الممكن خلق توازن بينهما ؟ وهل هناك أهداف تراعى عند الإجابة على كلا السؤالين ؟ .

أما عن الأولويـة ، فإن مدى الشغف المعرفي هو العامل المؤثر في تحديدها ، فإذا كان المدى لا ترافقه قناعة كاملـة في مجال ما فإن الأولوية ستكون للقراءة الأفقية ، حيث النظر إلى أهمية التكامل المعرفي . ولكن إذا تم تثبيت قناعة ذاتية وفكرية لموضوع معين في أي مجال ، وبالأحرى من رؤية أهميته ، فستكون الأولوية من نصيب القراءة العمودية .وماذا لو أن إنسان لديه قناعة شبه متساويـة حول الموضوعات المتعددة أو حتى نسبة غالبة منها ، عندئذ لا بد من الإجـابة على السؤال الذي يليه ، وهو يتعلق بمحاولـة إيجاد التوازن كميا وكيفيا معا ، وهذا لعمري أصعب ما يواجـه إنسان يحمل الهم الثقافي والفكري! لأن من صفات هذا الإنسان شغفه بالسباحة والغوص معا .

نأتي للإجابة على السؤال الثالث !! وهو يتعلق بمراعاة الأهداف !! فإذا اكتفينا بالإجابة على تحديد الأولويات فإن الأهداف تكون أقل غموضا ، فتوضع الأهداف للقراءة بناء على ترتيب الأولويات ومن ثم يتم تحقيقها أولا ، ويأتي دورالترتيب الثاني مع أهداف أخـرى بعد اكتمال الوصول إلى الأهـداف التي سبقتها ، وذلك لأن الأولوية أثرت إيجابا نحو تسهيل إنهاء الهدف .

ومن الصـعوبة حصر أهداف كلا القراءتين ، حيث نجد أهداف متعددة لكليهما ، وعندما يضع إنسان أولوية لقراءة منهما فإنه بذلك يحاول تحقيق قدر لا بأس به من أهداف تلك القـراءة التي أختارها ، وهذا القـدر من الأهـداف المختارة يعتمد على ما لدى هذا الإنسان من صفات ومهارات وقدرات كامنة .

وتزداد الأهـداف غموضا كلما اتجهنا نحو ضـرورة التوازن بين القراءتين (الأفقية والعمودية) ، هذا التوازن الذي أصبح ضرورة بفعل المدى المتساوي للقناعات – الذاتية والفكرية – بعد نظر متأمل في تباين الحقول وثقلها معرفيا .

القراءة و درجة التلقي

يتلقى القارئ ما لدى الكاتب ، وأثناء تلقيه إما أن يحاول استيعاب ما يقـرأ بحيـادية ، وإما أن يربط قراءته بما تكون لديه من قناعات سابقة أو تأثيرات ثقافية أو اجتماعية . وعند أخذ معيار التلقي لدى القـارئ نجد أن أنواع القـراءة تتعلق بنسبية هذا التلقي فإذا وصل إلى درجـة الاتباعيـة الثابتـة فإن القراءة لديه هي من نوع التلقين الثـابت ، وإذا كان القارئ يتساءل ويبحث معرفيا في كل جزء يتلقاه فإن لديه قراءة نقديـة ، وأحيانـا نجده يطبق القـراءة النقديـة على نسبــة من عمل الكاتب وعندهـا نجد أن لديـه قراءة تفاوتية تتراوح بين التلقين والنقد ، ونادرا ما نجد قراءة سلبية لدى القارئ بحيث يتم رفض كل ما يتلقاه من الكاتب.

والقـراءة التي تتصف بالتلقين الثابت تكون باتجـاه واحد من الكــاتب إلى القــارئ ، بحيث نجد القــارئ يستقبل ما يتلقــاه كتعليم ، ويعتبره مصدرا موثوقـا به بجميع ما يحويه من تفاصيل .

وآما القـراءة النقديـة فإننا نجدها لدى القـارئ المتميز والذي يتمتع بالحس النقــدي مع روح النقـد الموضوعي من خلال عقل مرن يدعم التســاؤلات والبحث المعرفي ، ونجد أن هذا القارئ يمتلك عدة سمات، من أهمها : الحيادية وروح النقد واتقاد الذهن ، بحيث يكون الهـدف المعرفي حاضـرا لديه أثنـاء القراءة ، إلا أنه من جهـة أخـرى يراعي الاهتمـام بالموضـوع والكـاتب إنســانيا وأخـلاقيـا ، وذلك ضمن مـا يستوجبـــه ضميره النقـــدي وبالتالي يتميز بقراءة نقدية إيجابية تعتمد على البناء .
وآما في القراءة التي تتفـاوت ما بين التلقين والنقد فإننا نجد القــارئ يقتنع ببعض ما يرد بصفة ثابتة لأسباب متعددة ومنها مقارنة ما يقرأه بما أستقر لديه من قناعات قبل قراءتـه للنص أو العمل .

ولكن – من جــانب آخر – يتكون لديـه شك وتسـاؤلات ، بحيث تتزعزع الثقــة عنده حـول أجـزاء من مما يحتوي النص أو العمل ، وهذا ربمـا يحـدث نظرا لتميز هذه الأجزاء واختلافها عن الأجزاء التي اقتنع بهـا في نفس العمل الذي تمت قراءته لأن هذه الأجزاء التي خضعت لنقد القارئ لم تخاطب الجــانب الثابت من شخصيته . ويحدث نادرا نوع من القـراءة بالشكل السلبي ، بمعنى رفض كل ما لدى الكاتب بجميع تفصيلاتـه ، وإذا حـدث مثل هذا النوع فلأسبـاب غير موضوعيــة ، ورأينا إضــافة هـذا النوع حتى تكتمل الصورة بحسب المعيار الذي اتخذناه .

وبالنظر ثانيــة إلى ما تم ذكـره من أنواع للقــراءة ، نجد أن أقربهــا لتحقيق الأهداف المعرفية هي القراءة النقدية ، ولكن بشرط تحقيق ما تقتضيه من أخلاق وموضوعية . وفي حــالات معينـة ، ووفقـا لأولويـة الموضـوع وصعوبـة القضيـة المطروحـة نجد أن القراءة التفاوتية والتي تتضمن الجانبين ( التلقين والنقد ) مناسبـة جدا لتحقيق البحث المعرفي ، وذلك لكونهـا تحوي بداخلها نوعا من القـراءة النقديـة بشكل يكفي لوصول القارئ لما يريد .

ونرى من باب التذكير بأن ما قدمناه لا يحيط تفصيلا بعالم القـراءة فهو عالم واسع من حيث التعريف والتحليل والفهم والتصنيف ، فللتعريف جوانب أخرى ممكنة ومهمة ، ولتحليل القـراءة مجال مفتوح للتفسير، ولفهم القراءة نحتاج دراسة أكثر تفصيلا تتناول جميع مفاهيمها وتأثيراتها بشكل أعمق ، كما توجد تصنيفـات وأنواع أخرى للقـراءة إذا تم اختيار معايير مختلفـة عما قدمنـاه ويرى الدارس أهميتها .

إمكانيات عالم القراءة

ما قدمناه حول عـالم القـراءة من تعريف للقراءة وتحديد لمصادرها وشرح لتفاوت مستوياتها بين القـراء ودرجة ما يستفيده القـارئ بحسب معيار التلقي لديه وحسه النقدي واستيعابه ، أرى بأن هذا المختصر الذي قدمناه يشكل نسبة محدودة مما يستحقه عالم القراءة من تفصيل أكثر وما نجده من إمكانيات واسعة يجدها الإنسـان في هذا العـالم ، وتتراوح تلك الإمكانيات من جمع المعلومـات وحتى التأثير الايجابي على تطور الأسلوب والفكر مرورا بالتحصيل المعرفي من حيث الفهم والوعي والاستيعاب .

ونظرا لاتساع مجالات القراءة منذ القدم واطراد هذا الاتساع حتى الآن ومستقبلا فإن الإنسان يحقق الأهداف الذاتيـة والموضوعية من عالم القـراءة عن طريق مراعاة التوازن بين الكم والكيف والجـودة وذلك من خلال قدرتـه على الاختيار الصحيح وجدولـة الوقت ، ومن المعروف أن قـدرة الإنسـان القـارئ تتدرج تصاعديا كلما زادت خبرته في التعامل مع عـالم القـراءة وبالتالي فإن الاختيار الأمثل لمجالات القـراءة ، وأيضا التوازن الأمثل في الوقت المخصص للقـراءة يتناسب طرديا مع زخم القراءة الفردية .

حمـد الراشــد