المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأمن الفكري... والركض في الطريق الآخر



سليل
07-Feb-2007, 10:29
الأمن الفكري... والركض في الطريق الآخر
جريده الوطن

عبدالله المطيري*

يبدو لي مفهوم "الأمن الفكري" شديد الالتباس وكثيرا ما توقفت للتفكير فيه. في الشطر الأول من هذا المفهوم تبدو مفردة شديدة الأهمية وتحظى بشبه إجماع على أنها مطلب أساسي لأي حياة. الأمن شرط أولي لكل مجتمع يخطط للحياة ويسعى للنمو والتطور والتقدم والازدهار. إذا كنّا هنا نحظى بشبه إجماع إلا أن أسئلة من نوع كيف يحقق هذا المطلب تأخذنا إلى تنوع في الرؤى والتوجهات وفق تصورها عن كيفية تحقيق هذا الأمن.
يمكن أن نسمي الأمن في هذا الفهم "الأمن الحسي" الذي يعني حفظ حريات الناس وحقوقهم ومنع أي عمل يثير الرعب والخوف في أفراد المجتمع. تحقق هذا الهدف جملة القوانين والأنظمة التي تنظّم وتضبط وتراقب الحركة الخاصة والعامة للتأكد من أن الأمن الحسي ليس في موضع التهديد والخطورة.
لن يثير النقاش في "الأمن الحسي" الكثير من الخلاف والجدل ولكن حين نرتقي إلى مستوى "الأمن الفكري" فإن الأمور تختلف. فحين نقول إن الأمن الفكري يعني أن يفكر جملة الناس وأفرادهم تفكيرا لا يؤدي إلى إيقاع الخطر بالمجتمع فإن هناك رؤيتين مختلفتين في تحقيق هذا الهدف. الأولى تقول إن الفكر الآمن هو الفكر "السلمي". بمعنى الفكر الذي يطرح آراءه وأفكاره بطريقة سلمية دون أن يلزم أحد بها أو يفرضها بالقوّة. الرؤية الثانية ترى أن الفكر الآمن هو الفكر الذي يسير في الطريق المحددة سلفا. طريقة يرى أصحاب هذه الرؤية أنها هي السليمة قطعا وبالتالي فإن تحقيق الأمن للفكر يكون في السير على هذه الطريقة وكل ما يخرج عنها يعتبر فكرا خطرا ويهدد الأمن الفكري.
شتّان بين الرؤيتين فكل منهما تنطلق من أساس فكري ورؤية للإنسان والحياة تختلف عن الأخرى. الرؤية الأولى التي ترى الأمان الفكري يكمن وينبع من التفكير السلمي بدون إضافة أي قيد آخر على هذا التفكير تنطلق من مبدأ حرية التفكير غير المحدودة إلا بكونها سلمية. حرية التفكير التي هي حق أولي للإنسان وشكل من أشكال تحقيق وجوده الحقيقي في الحياة. هذه الحرية هي منطلق وطريق كل الإنجاز البشري وأفكار التقدم والتحرر على مدار التاريخ. كل الفلاسفة والمصلحين على مدى التاريخ انطلقوا من هذا الحق حين كانوا يواجهون بمعارضة شديدة من مجتمعاتهم في البدايات. صحيح أن الكثير منهم انقلب على هذا المبدأ بعد أن استقر لأفكارهم الأمر إلى أن المبدأ الأول كما شملهم يفترض أن يشمل من بعدهم بالتأكيد.
الرؤية الثانية تنطلق من أن فكرة أن الحق معروف سلفا، في جملة آراء جماعة ما وبالتالي فإنه لا يسع أحد أن يخرج عن هذا الفكر وإلا اعتبر مباشرة خارجا عن الحق. لا تهتم هذه الرؤية بحرية الفكر ولا تعتد بها بل تحاربها بقدر ما تستطيع وتعتبرها سببا من أسباب الدمار والبلاء. ولذا فعلى الناس استمرار الاتباع للحق، الذي هو حق محدد عندهم في جملة من الأقوال والآراء وفي ما وافقها فقط.
"الأمن الفكري" مفهوم مطروح في مجتمعنا، خصوصا بعد الأعمال الإرهابية التي تعرض لها الوطن. يطرح هذا المفهوم كحل للخلل الذي أصاب الفكر في السعودية حيث أصبح هذا الفكر خطرا هدد ويهدد الأمن العام للمجتمع والخاص للأفراد. الفكر المتهم هنا تحديدا هو التطرف الديني الجهادي التكفيري في السعودية الذي يستحضر مشروعيته بشكل خاص وأولي وأساسي من طرح ديني محدد في هذه البلاد لم يتم الوعي به إلا مؤخرا وإن بشكل غير كاف حتى الآن. إذن يطرح مفهوم "الأمن الفكري" كعلاج للرعب الذي تسبب فيه هذا الفكر. المؤسسات التربوية والتعليمية كان لها قصب السبق في هذا الإطار ونحن هنا لقراءة مفهوم هذه المؤسسات للأمن الفكري من خلال نشاطين: الأول مشروع تعزيز الأمن الفكري الذي قامت به إدارة التعليم بالرياض.والثاني مسابقة " طاعة ولي الأمر " التي تعد جامعة الإمام محمد بن سعود لتنفيذها مع مطلع الفصل الدراسي القادم.
سنة 1426 تبنت الإدارة العامة للتعليم بمنطقة الرياض مشروعا بعنوان "تعزيز الأمن الفكري" وهو مشروع موجه للمدارس عبر برامج من أجل تحقيق الأمن الفكري بعد الأحداث الجسام التي مرّت على الوطن مما يجعل الأنظار تتجه للتربية والتعليم كما يحدث عند أي خطر. ما يهمنا هو الخلفية التي ينطلق منها هذا المشروع وهل يمكن فهمها بناء على التقسيم الذي ذكرناه. تضمن الكتيب المعد لوصف المشروع " موجهات المشروع " التي يتوقف عليها تحقيق الأمن كما ورد في الكتاب. الموجّه رقم 11، وهو ما يتعلق بنا هنا، ورد فيه التالي: " ترسيخ مبادئ الوحدة الوطنية، القائمة على عقيدة وراية التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلا راية سواها، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة وعلى فهم السلف الصالح وأن المجتمع واحد والولاية واحدة ولا يجوز الدخول في أحزاب أو شيع أو عصبيات أو عنصريات تفرق الكلمة وتمزق الوحدة ولا مكان لمثل هذا التفريق في مدارسنا ومؤسساتنا التربوية ". من هذا النص يتضح جليا أن هذا المشروع ينتمي فكريا للرؤية التي ترى أن الأمن الفكري لا يتحقق إلا بالالتزام بتوجه فكري واحد لا غيره وهو هنا " عقيدة أهل السنة والجماعة " وليست هذه العقيدة فقط بل على " فهم السلف الصالح " الذين هم مجموعة محددة ومنتقاة من العلماء القدماء. من هنا يرى هذا المشروع أن الخروج عن هذا الخط الدقيق، ولو داخل الدائرة الإسلامية، أو السنية حتى، يعتبر خطرا فكريا.
النشاط الثاني هو مسابقة تحت عنوان " طاعة ولاة الأمر في غير معصية" تستهدف مليون طالب وطالبة في المرحلة الثانوية على كافة المستويات على مستوى المملكة تشرف عليها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وتشترك فيها العديد من الجهات الحكومية حتى وزارتا الصحة والعمل ! حسب الخبر المنشور في العدد 15976 في صحيفة المدينة. المسابقة كما ورد في الخبر ستكون في كتاب " رياض الصالحين " وهدف المسابقة كما ورد في تصريح المشرف عليها الدكتور السعيد: أن المسابقة تستهدف تعريف الطلاب والطالبات بالأحاديث الواردة في طاعة ولاة الأمر، وبيان منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب، والإسهام في حماية أفكار الشباب من التيارات الضالة والمنحرفة وأفكار الغلو والتطرف، إضافة إلى الإسهام في حماية البلاد من آثار الانحراف المترتبة على معرفة الهدي النبوي وكذلك ربط الشباب بعلماء الأمة، والمسابقة جزء من إستراتيجية وزارة التعليم في تحقيق الأمن الفكري للطلاب.
أيضا من الجلي هنا أن هذه المسابقة الضخمة التي سترصد لها مبالغ ضخمة تنطلق من مبدأ الرؤية الثانية التي ترى أن الأمن الفكري لا يتحقق إلا باتباع طريق واحدة محددة هي هنا المستمدة من كتاب رياض الصالحين حصرا. ومن المهم هنا القول، برأيي، إن هذه المسابقة تقفز على المشاكل الحقيقية فلم تكن مشكلتنا يوما عدم طاعة ولي الأمر. بقدر ما كانت وما زالت في تحديد مفهوم " معصية الله " التي يتم من خلالها التحلل من أي التزام تجاه الدولة والمجتمع في ظل فكر عاجز عن التأقلم مع تطورات العصر وتحولاته وينزع باستمرار للتحريم والمنع والرفض.
هل تحقق هذه المشاريع الأمن الفكري ؟ برأيي أنها تسير في الطريق الخطأ، فلم يكن إلزام الناس برأي واحد والحجر على تفكيرهم وعقولهم طريقا إلى الأمن الفكري. بل هو الطريق الأقرب للخلل وهذا ما شهدناه سابقا وما يشاهده كل متأمل في العالم من حولنا حيث تستقر الأمور ويعم السلم في أجواء حرية الفكر ما دام سلميا. في حين تتفجر الأوضاع وتعم الاضطرابات والفوضى في البلاد التي تشدد على توجه وأيديولوجيا واحدة وترغم الناس عليها. إننا بمشاريع الأمن الفكري هذه لا نفارق طريقنا الأولى التي يبدو أننا لم نتعلم بعد أنها كانت في الاتجاه الخطأ.
كاتب سعودي