المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الطب الاجتماعي يحمي المجتمع من المخاطر



bode
08-Oct-2007, 08:49
الحضارات القديمة والحديثة تهتم بالصحة المهنية وتؤكد على
حماية الأجير كالعامل والفلاح والخادم من أخطار المهنة.

المكان الذي نعمل فيه هو بيئة نعيش فيها ما يقارب 40 ساعة أسبوعياً على أقل تقدير وتلك البيئة التي نعيش فيها سواء كانت المكتب أو المصنع أو عيادة طبية, قد تكون فيها عوامل خافية عن أنظارنا تسبب لنا مشاكل صحية لا ندرك أسبابها.

هذا ما يلفت نظرنا إليه الطب الاجتماعي وهو فرع في الطب يهدف إلى حماية المجتمع من مخاطر البيئة المحيطة لاسيما بيئة العمل. وهو يسمى أيضا بالطب الوقائي حيث أن هدفه هو الوقاية والحماية والتنوير, وذلك قبل مرحلة وقوع الخطر والعلاج.

يركز الأطباء المتخصصون في هذا الفرع النادر من الطب على أهمية الطب الوقائي ودوره في حماية أفراد المجتمع من مخاطر لا يعلمون أو لا يشعرون بها, قد تؤدي فيما بعد إلى كوارث صحية تتطلب الكثير من الإنفاق والجهد و الخبرة لمعالجتها.

لنأخذ مثلا مشكلة العقم. فلا ريب أنها مشكلة اجتماعية كبيرة تؤثر في ظروف أسر وأفراد وزيجات, ويمكن أن تكون مصدر تعاسة وشقاء للكثير من الناس. وما أود أن أوضحه بدقة هو أن في بيئة العمل لكل فرد عامل في المجتمع بعض من العوامل التي قد تسبب الإصابة بالعقم. والمؤسف أن اكتشاف الإصابة يأتي غالبا بعد فوات الأوان.

تاريخ هذا الفرع من الطب قديم جداً ويعتبر الطبيب الإيطالي راما زيني، المؤسس الحقيقي للطب المهني وهو الذي أصدر أول كتاب عن أمراض المهنة أسماه "أمراض الصناعة" في عام 1700 وهو الذي أضاف سؤالا بالغ الاهمية إلى الأسئلة التي يوجهها الطبيب عادة إلى المريض ألا وهو: ما هي وظيفتك؟

اهتمت الحضارات القديمة والحديثة منذ وقت مبكر بالصحة المهنية حيث أكدت على حماية الأجير، كالعامل والفلاح والخادم، من أخطار المهنة وتعويضه عن إصابة العمل وتوفير العلاج والدواء له.

وإذا تحدثنا بشكل خاص عن أثر بيئة العمل على القدرة التناسلية للإنسان ودورها في تسبيب العقم فإننا سنجد مجموعة من العوامل الكيميائية والفيزيائية وكذلك النفسية والاجتماعية. على سبيل المثال معدن الرصاص المستخدم بكثرة في عمليات التصنيع والذي عرفه الناس منذ عهد الإغريق والرومان, فإن لهذا المعدن تأثيرا ضارا جداً على الخصوبة, وعلى استمرارية الحمل, ولهذه الأسباب تم الكشف عن أن استخدام أملاح الرصاص بكثرة يساعد على الإجهاض.

ونحن اليوم كثيرا ما نتعرض لمعدن الرصاص من خلال المهن العديدة التي تستخدمه لاسيما في صناعات متعارف عليها مثل المطابع، وفي مصانع البطاريات المشحونة في المركبات. وتؤكد كثير من الأبحاث الحديثة على دور الرصاص في تسبب الوفاة للمواليد الذين تعرضت أمهاتهم لنسبة فوق المسموح بها من الرصاص أثناء الحمل. كما أن له دورا في تسبب حالات التشنج وحالات تضخم حجم الرأس عند المواليد, وكذلك حالات الإجهاض التلقائي.

والملاحظ أيضا أن تأثر المرأة بالمعدن أكبر من تأثر الرجل. لذلك فقد نصحت النساء بأن يتوقفن تماما عن العمل بالمرافق التي يوجد فيها الرصاص كأقسام الطباعة التي تسبب تصاعد أبخرة الرصاص, إذا أوشكت على الحمل وإلى أن تضع مولدها. ولكن التوقف عن العمل بعد وقوع الحمل قد يكون متأخرا ولا يقي من الضرر.

بينما يوجد عنصر آخر لا يقل خطورة عن الرصاص وهو الزئبق، وهو عنصر موجود في أجهزة قياس ضغط الدم، وكذلك في المصابيح التي تعمل ببخار الزئبق في المنازل. كذلك أيضا تستخدم مادة الزئبق بالثلاجات وأجهزة التحكم الحراري الخاصة بمكيفات الهواء.

وفي الزراعة يستخدم الزئبق أيضاً لتسميد الحبوب وقد حدثت نتيجة لذلك كوارث صحية كبيرة في بلدان عديدة بسبب قلة التوعية الصحية حيث يقوم المزارعون البسطاء باستعمال الحبوب المسمدة كغذاء مما أدى إلى وقوع آلاف الضحايا وحتى بالنسبة للماشية التي تتغذى من هذا الحبوب. وقد حدثت كوارث من هذا النوع في اليابان في عامي 1953 و1970 وفي العراق عامي 1971 و1972, علما بأن التسمم بالزئبق للحوامل يسبب ولادة أطفال يعانون من العمى والصمم والشلل المخي.

وهناك خطورة غير مباشرة تأتي نتيجة تناول الحيوانات للزئبق غير العضوي ثم تناول الإنسان للحوم تلك الحيوانات فيتحول الزئبق غير العضوي إلى عضوي, وكمثال على ذلك إذا تناول الإنسان كيلوجراما ونصفا من أسماك بحيرة ليمان بسويسرا خلال أسبوع واحد, فإنه معرض للتسمم بالزئبق غير العضوي الذي يتحول إلى عضوي بعد أن يدخل الجسم كغذاء.

والزئبق غير العضوي إذا تعرضت له المرأة, لاسيما طبيبات الأسنان ومساعداتهن, بصورة غير مباشرة فإنه يؤدي إلى حدوث تغيرات في كمية الطمث الشهري بين زيادة ونقصان, رغم أن البحوث الميدانية دلت على أنه لا خطر على طبيبات الأسنان من التعامل مع الزئبق غير العضوي في العيادة, إذا أحسن التعامل مع حشو الأسنان الذي هو مزيج من معادن تشمل الزئبق.

ومن الأخطار المهنية الأخرى خطر الأشعة فهناك مثلا الأشعة المؤينة كأشعة جاما وأشعة إكس المستخدمة في مجال الطب في التشخيص والعلاج. فهي قد تكون من العوامل المؤدية إلى الإصابة بالعقم في الرجل والمرأة العاملين عليها. علما بأن أشعة إكس تستخدم أيضا في مصانع النسيج وليس في الطب فقط, وبالتالي فعمال النسيج أيضا معرضون لخطرها.

فالخطر المهني موجود وثابت علميا وإن كان لا يعني أن الجميع سيصابون به, لذا فإن وسائل السلامة والوقاية والاحتياط من الضروريات وهي خير من العلاج ولهذا لابد من تطوير مفاهيم الطب الوقائي واستمرار التعاون بين المؤسسات الصناعية والطبية.

أوزجان يشار