المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ملامح الكتابة الصحفية العربية المعاصرة



bode
07-Oct-2007, 07:26
من الضروري في كل مرحلة تاريخية زمنية معينة أن يتم رصد ملامح الكتابة والخصائص المميزة لها، وبشكلٍ خاص تلك الكتابة الصحفية المتعلقة بالقضايا الحياتية اليومية العابرة والمستمرة على السواء.

وهى مهمة شاقة وعسيرة تستدعي العديد من الدراسات والمقالات والتحليلات العميقة. فالواقع العربي المعاصر واقع معقد ومتشابك ومتعدد الأفكار والأيديولوجيات، الأمر الذي يجعل الوقوف عند ملامح وخصائص ما يُكتب مسألة على درجة كبيرة من الصعوبة والتعقيد. ورغم ذلك فإن الأمر يستدعي المحاولة، كما يستدعي تلك الرغبة التي تجعل المرء يقف على بعد مسافة ما من تلك الكتابات، وكأنه غير مشارك فيما يحدث، لكي تتكشف له معالم الصورة، ويتلمس تلك الملامح والخصائص المختلفة.

وبصورة عامة يمكن القول بوجود خطاب صحفي عام يتناول الواقع العربي ككل، تتضمنه العديد من الخطابات الفرعية الأخرى المتجانسة فيما بينها من ناحية أو المتعارضة من ناحية أخرى. واضعين في الاعتبار أن هذه الخطابات ليست ثابتة بقدر ما تتغير تغير الظروف والأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ فلكل مرحلة خطاباتها ولكل مرحلة تجلياتها الأيديولوجية.

بداية هناك إحساس عام ومشترك بين معظم الكتابات الصحفية اليومية بوجود مأزق عربي عام، تتساوى في ذلك كافة التيارات وتتفق كافة الأيديولوجيات.

حتى تلك الكتابات التي تتناول تقدماً هنا أو إنجاز هناك، فإنها تشي بنوع ما من الأزمة، وإحساس ما بالخوف والتوجس. وربما كان ذلك هو السبب الذي يدفع البعض حاليا للترويج لأيديولوجيات عملية براجماتية تتناول ما يتم إنجازه حاليا، وبشكلٍ مباشر، بدون الحديث عن أية استراتيجيات بعيدة المدى، وبدون الرغبة حتى في تلمس أية آفاق مستقبلية.

ولا ينبع هذا الإحساس عن نزعة تشاؤمية فطرية ترتبط بالكتاب والمفكرين العرب بقدر ما تنبع من واقع عربي مفكك ومهترئ، ومن تحولات سياسية خطيرة تواجه العالم العربي الآن، وعلى رأسها تلك المحاولات الرامية صراحة لتفكيك العراق، بعد احتلاله، وما يحدث في فلسطين والسودان وغيرها من الدول العربية الأخرى.

ولعل ذلك هو ما يفسر العديد من الكتابات الباحثة عن طبيعة الأدوار الحالية للدولة في العالم العربي. كما يكشف أيضاً عن تلك التفسيرات التي أضحت تربط الدولة بأدوار تنموية مباشرة بدون أن يتعدى ذلك أية أدوار دعائية أو أيديولوجية أخرى، مثلما كان عليه الحال في عقود سابقة. خلف العديد من هذه الكتابات الصحفية العربية التي تستشعر المأزق العربي الحالي، رغبة هائلة في تحديد أدوار الدولة ورسم معالمها الجديدة وخصوصاً تلك الكتابات التي تثق في العولمة وتمنحها قدراً كبيراً من القبول والمشروعية.

ورغم أن العديد من تلك الكتابات لا تتناول الدولة صراحة مفهوماً وبنية إلا أنها تتناولها من خلال مؤسساتها المختلفة وممارساتها العديدة. فالعديد من تلك الكتابات تتجنب ذكر الدولة لتركز الحديث مباشرة على أداء مؤسساتها وشكل إنجازاتها. وفي هذا السياق تتفاوت تلك النوعية من الكتابات من بلد لآخر ومن فترة زمنية لأخرى حسب الحيز المسموح به من النقد، وحسب سقف الحريات المعمول به والمتفق عليه سلفاً ضمن قواعد الدولة ورؤاها السياسية والأيديولوجية.

ينعكس المشهد العربي لا محالة على طبيعة الكتابة الصحفية المرتبطة به، كما تنعكس تلك التضاربات والاشتباكات الأيديولوجية على طبيعة الخطابات الصحفية المختلفة.

واللافت للنظر هنا أن انعكاس التدهور والتفكك والاهتراء العربي المعاصر يخلق أنماط الكتابة الخاصة به، لتعيد تلك الأنماط تشكيل أو تثبيت الواقع مرة أخرى، رغم ادعائها بنقده وتغييره وإعادة تشكيله. وينجم ذلك عن عنف غير مسبوق في الكتابات الصحفية المعاصرة، وعن انقسامات وتعارضات واشتباكات حادة.

وربما يجسد ذلك العراك الحاد بين الاثنين حالة متتالية في الخطاب العربي منذ بدايات القرن العشرين وحتى الآن، لم يهدأ أوارها، ولم تخفت حدتها. وفي أحيان كثيرة يبدو عنف الخطاب بين الطرفين أشد في حدته من تلك الخطابات الموجهة ضد الغرب الجاثم على أنفاس المنطقة العربية.

إن معارك الكتابة الصحفية الحالية تتسم بعنف بالغ، يبدو معه أبناء الوطن الواحد كما لو كانوا فرقاء أو أعداء ينتمون لأوطان مختلفة وبقاع متباعدة. ورغم مشروعية اختلاف الرؤى والأيديولوجيات، ورغم ضرورة ذلك في عمليات التغيير المجتمعية المختلفة المستويات، فإن ما يحدث في العالم العربي هو أقرب لتصفية الحسابات، وتقطيع الولاءات، وتدمير الجسور. فما يحدث في الواقع الصحفي في أحيان كثيرة يغلب عليه نمط نفى الآخر، وغياب التسامح والقبول.

وهو ما يعني في النهاية أن الكثيرين ممن يتحدثون عن الديمقراطية أو الليبرالية أو الشورى هم في النهاية أبعد ما يكونون عما يدعون إليه. كما أنه يعني أن هناك أزمة ضمير وأخلاق فيما يتم كتابته. وهو الأمر الذي يفسر في الكثير من الأحيان نخبوية ما يتم التعبير عنه من ناحية، كما يفسر الانقطاع والغياب الجماهيري عما تتم الدعوة إليه.

تفسر الحالة السابقة تلك الارتماءات الصحفية العربية في أحضان مشروعات فكرية وأوهام يوتوبية لا تمت للواقع العربي الراهن بصلة. ففي غمرة التخلف والتدهور العربي، وفي غمرة صراع الأيديولوجيات الدموي، تنجذب الكتابات الصحفية لمشروعات مفارقة للواقع العربي مثل الانغماس في الحديث عن حداثات متوهمة، يُروج من خلالها لنماذج غربية بعيدة تمام البعد عن حقيقة ما يحدث عندنا.

أو يتم الدعوة من خلالها لمفكرين عرب يعيشون في الغرب، ولا يمتون للواقع العربي بصلة. أو يتم من خلالها الحديث عن مشاريع دينية ماضوية نشأت في ظل فترات تاريخية سابقة لا تمت بصلة للواقع العربي الحالي جغرافيا وتاريخيا.

فبديلاً عن المواجهة الفعلية للمأزق العربي المعاصر، تجد الكتابة العربية الصحفية الحالية
حلها الأمثل في الترويج لنماذج خارجية أو ماضوية مفارقة لحقيقة الوضع العربي المعيش.

رغم أن الصحافة العربية المعاصرة تتعامل مع الواقع ومشكلاته بدرجة كبيرة من المتابعة والاشتباك، إلا أنها في الكثير من الأحيان تترك لهذا الواقع استهلاكها وفرض أنماطه اليومية المختلفة عليها. وهو الأمر الذي يستدعي خلق مسافة ما بين الكتابة الصحفية وبين الواقع المعيش. وهو أمر على درجة كبيرة من الأهمية من حيث ضرورة أن تفرض الصحافة رؤاها العميقة على الواقع اليومي المعيش من منطق فهمه وليس من منطق التعالي عليه، ومن منطق التركيز على المستمر والحيوي، بديلاً عن الانجرار وراء العابر والتافه وربما العبثي.

كاتب مصري - د.صالح سليمان عبدالعظيم