المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ترميم النفس في الزمن المقدس



bode
07-Oct-2007, 07:12
متى يتحول الشبع إلى قصعة خاوية ويصير الجوع مائدة؟ ومتى يتبدل الارتواء بئرا جافة ويصير الظمأ نهرا فياضا؟ ومتى تستبدل الشهوة لذتها بالمرارة ويستبدل الصبر مرارته باللذة؟ ومتى تكتشف النفس مدى كآبة أنانيتها وبؤس جشعها فتهرب من نفسها لتجد سعادتها في الفرح المرسوم على وجوه الآخرين؟ ويبقى الجواب عن كل هذه المتاءات لغزا، حتى يأتينا به الزمن الخصيب محمولا على أنفاسه ونفحاته.

وأي زمن أكثر خصبا من رمضان؟ الذي يجيء متشحا بالقدسية والوقار، مشرقا بهالة النبوة والوحي، متكللا بالرحمة والأمل الذي يمنح الخطاءين صفحة أو أوبئة جديدة، يجيء رمضان كل مرة ليُظلّ الكون وليضفي مسحته ونكهته الخاصة على الدروب والوجوه ورائحة الهواء، وليصل البشر برحمهم الذي يربطهم بالهلال وشمس المغيب وخيط الفجر الأبيض؛ يجيء رمضان ومعه القرآن والصوم ليخلع طبيعته الزمنية ويتجسد بحضوره المميز.

وكأنه مجموعة من المؤسسات التربوية والإنتاجية والوقائية، فهو مدرسة وهو مزرعة وهو صومعة وهو ساحة جهاد وهو محطة توليد للطاقة وهو منتجع استشفاء وهو مشروع هدم إنسان وإعادة بناء إنسان.

وبهذا فإن رمضان عندما يداهم سفينة النفس وهي تخوض سباق الحياة، فإنه يحفزها على التوقف قليلا لاستشراف المستقبل السحيق وتصحيح خط سيرها نحو الميناء الآمن، ولمراجعة نفسها وإعادة النظر في جدوى حمولتها وأوزارها التي جمعتها من حطام الدنيا بالأمس القريب، حتى يجعلها أكثر استعدادا للمنافسة؛ كما أن رمضان يجعل عناء السباق أكثر إثارة للمتسابقين من كل إغراءات الدنيا وبريقها وغوايتها، باعتباره السباق الوحيد الحاصل على شهادة ربانية بأنه لا خاسر بين المشاركين فيه.

إنه إذن دعوة متكررة للنفس المغرورة والمتكبرة لتعيد هيكلة نفسها، وفرصة كاملة مع كل رمضان من الرمضانات التي تتعاقب عليها لاستعادة الوعي، ما دامت منحة الانعتاق من عاقبة الفشل الوخيم تغشى القلوب التائبة في كل ليلة من لياليه.

وما دامت أبواب الفلاح مفتّحة، وأبواب السقوط مغلّقة؛ حيث يجيء رمضان بحميميته الساحرة وبوصفته العلاجية المكونة من شيء من الانقلاب على تحكم الشهوات (الصيام) وترميم الإرادة المتهشمة (قيام الليل) وإعادة استيعاب المنهج المهجور (تلاوة القرآن)، ليبدأ مع النفس مراجعاته وتساؤلاته التي تجعل صورة مستقبلها المجهول أكثر وضوحا من حاضرها المشهود.

فأولا، ألا تجد النفس في إرادتها الحديدية التي مكنتها من الصبر عما هو مباح لها بشكل متتابع طيلة شهر كامل، ما يثير تساؤلها عن أسباب انهيار هذا الإنجاز في مواجهة نزواتها وانحرافاتها وما هو غير مباح لها قبل رمضان، وبعد رمضان؟ ألا يثير ذلك انتباهها إلى أن تلك الإرادة طاقة لم تأت من خارجها بل كانت ولا تزال كامنة في داخلها لم تفارقها أبدا، ولكنها هي التي كانت تكبّلها في غير رمضان، وهي التي تطلق سراحها في رمضان؟

وثانيا، كيف تكونت هذه الشفافية التي قلبت المفاهيم رأسا على عقب؟ فما لم يكن معصية أو خطيئة ويرتكبه الإنسان دون حياء أو أدنى إحساس بالذنب، فإنه يظهر على حقيقته في رمضان، فتبدو المعصية وكأنها عملة مزيفة بطريق ساذجة، وأقنعة الخطيئة تتساقط في مرايا النفس الصادقة لتظهر لها حقيقتها الممقوتة وجمالها المزيف، فمن لم يدع قول الزور والعمل به فلا حاجة لله لأن يدع طعامه وشرابه، أي أفق ذلك الذي يضيق بعد هذه الصرخة المدوية حتى يظن أن قول الزور والعمل به محظور في الزمن الرمضاني ومباح في غير رمضان؟

وثالثا، ألا تلمس النفس مدى خسارتها ومحدودية فهمها، وهي تكتشف ضخامة العائد الاستثماري الروحي في مواسم الخصوبة الزمانية والمكانية، الحسنة في رمضان بعشر أمثالها (1000%) إلى سبعمائة ضعف، إلى أن يبلغ هذا العائد ذروته في ليلة القدر بأجر عبادة ألف شهر نظير الاستثمار بعبادة ليلة واحدة فقط؛ كل هذا مقابل تواضع وتفاهة العائد الاستثماري في سوق الدنيا، الربح بكل أساليب الغش والاحتكار والمراباة والرشوة مائة أو مائتين بالمائة فما دون، ومع ذلك يسيل لعاب النفس لهذه القذارة؟

أليس في ذلك ما يكفي لاستجماع الجرأة والمروءة وكسر تسلط هذا التزايد الدنيوي ذي الملكية المؤقتة والعائد الاستثماري الرخيص؟ ويبدأ استثماراته في المصرف الأُخروي لأنه أجدى استثمارا وأعلى عائدا وبلا مخاطرة؟

ورابعا، عندما يستيقظ الوازع الداخلي فجأة لتبدأ الذات في مراقبة كل صغيرة وكبيرة تقترفها، ترى من أين تولّدت هذه الصرامة ليشمل نطاق المراقبة الأفعال والأقوال والمشاعر، بل وحتى الوساوس والظنون الآثمة والخطرات الساكنة في أقاصي النفس؟ كيف نشط هذا الجهاز فجأة في رمضان مع أول جوع يستمرؤه؟

أو مع أول عطش لا يقبل المساومة عليه بكل أنهار الدنيا، أو مع أول شهوة لا تجد سبيلا إلى ابتزازه؟ وكيف تفوق بسببه التسامح اللطيف على الانتقام العنيف «فإن سابّك أحد أو شاتمك، فقل إني صائم»، ترى كيف وقع هذا الانفصام الإيجابي بعدما كان هذا الجهاز معطلا أكثر من 325 يوما؟

وخامسا، ألا يلمس الإنسان في رمضان وهو يترصد حيل الشيطان ومكائده من المحرمات المتنكرة بثياب الحلال، ان ضعفه أمامها في غير رمضان لم يتأتّ بقوة الشيطان بل بابتعاده عن المبادئ والقيم الرمضانية؟

ومع ذلك فها هم مَرَدة الشياطين في أصفادهم حتى يستكمل حصانته وشبكة دفاعاته ضدهم ويتحرر من تأثيرهم عليه، وحتى يتأكد مما إذا كانت علاقته بالخطيئة بتأثير خارجي شيطاني أم بتأثير داخلي منشأه الهوى؛ وأيا ما كانت الأسباب، ألم ينتبه إلى أن هذا التدريب العملي قد بدأ مفعوله في إنعاش أو تنشيط قدرته على التحول الفوري بلا تسويف ولا مراوغة للنفس من التهاون إلى الانضباط بمجرد رؤية هلال رمضان؟

وسادسا، بينما يتذوق الإنسان معاني الزهد والقناعة والورع في رمضان، ألم يلحظ كيف بدأ يدرك في الوقت نفسه قيمة المال وهو يستحضر السؤال الصعب: (من أين اكتسبه؟ وفي ما أنفقه؟) فيعي مسؤوليته المباشرة عن اكتسابه واستثماره والاقتصاد في الإنفاق منه وترشيد استهلاكه بما يعفيه من تبعات تلك المساءلة؟

ثم، ألم يستشعر قيمة الوقت وهو يلاحق أيام هذا الزمن الخصيب ببضاعته المزجاة من تلاوة القرآن أو الصدقة أو ركعات النافلة، وتلك الأيام تفر هاربة من بين أصابعه؟ ألا يعلّمه ذلك أن وقت عمره محتاج إلى استثمار وتنظيم متقن ودقيق حتى يوازن بين الطاعات والأعمال وحاجات الجسد؟

وسابعا، والمسلم يطهر أدران ذاكرته بدموع الندم ومطر التوبة، وينسى نفسه هائمة في براري الأنانية استكثارا من الطاعات واستبراء من الذنوب، ألم يلتفت إلى القيمة الاستراتيجية للتنبيه الرباني بالتخلي حتى عن هذه الأنانية، وإفساح مكان في عقله وقلبه لمن ضاقت عليهم سبل العيش؟

أو لشركائه في انتمائه وأيضا في ثروته ولو لم يكن يملك إلا ما يزيد على قوت يومه؟ فيتذكر تمام نعمة الله عليه ويخرج زكاة الفطر تطهيرا لنفسه التائبة؟ وحتى يجد شركاءه المعدمون في قلوبهم الكسيرة مكانا للفرح في يوم الفرح.

وثامنا، عندما يغتسل الإنسان يوم العيد في شلال فرحته الأولى الصغيرة وقد نجح بالصبر في ترويض نفسه عن كل نزواتها ورغباتها وأهوائها، هذا الإنجاز الذي لم يكن ليتحقق إلا ببركة هذا الزمن المقدس، ألا تخطر بباله المقارنة بين نسبة الزمن الرمضاني إلى أيام السنة، ونسبة العمر الدنيوي المتناهي في القصر بالخلود الأبدي في الجنة؟

وعندما يستبين الفارق الشاسع، ألا تتقوى إرادته وعزيمته على الصبر حتى الرمق الأخير، وإلى أن ينجح في اجتياز كل اختبارات فتن الدنيا ونزوات الأهواء وأحابيل الشيطان، يداعبه في لحظات الفرح هذه ذلك الأمل الجميل بالتهيؤ للحظة الفرحة العظمى يوم لقاء ربه؟

هذا الزمن المقدس إذن أبعد من أن يكون مناسبة لممارسة طقوس الجوع والعطش، بل هو حملة واسعة النطاق لإحياء عقلية التغيير المغيّبة، وتذكير لحوح بأن هذا التغيير بمستواه الفردي والمجتمعي حركة لا تأتي بفعل مؤثر خارجي بل تنبع من الداخل، «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..» (الآية 11، سورة الرعد)، لكي تعيد النفس تصميم مفاهيم التغيير على نسق التصورات والمفاهيم والقيم الرمضانية؛ وإذا لم يستوعب ناتج رمضان أو لم يترجم إلى عملية تغيير فردية بالإقلاع عن معصية أو الإقبال على طاعة، فأجدر بالإنسان أن يعزي نفسه على خروجه من حصاد الموسم المقدس صفر اليدين رغم الجوع والعطش.

أما إذا لم يترجم ناتج الصوم الرمضاني الجماعي إلى عملية تغيير شاملة، فإنه سيكون كمنجم الذهب الذي يستثمر على مستوى الملكية الفردية وهو في حقيقته ثروة قومية، لأن رمضان إعلان سياسي سنوي لإعادة رسم خريطة العالم، حيث تستبدل الحدود السياسية والجغرافية بخطوط مختلفة تمتد شبكتها حول الكرة الأرضية حتى يتوحد المسلم في أقصى الشمال مع المسلم في أقصى الجنوب، وحتى يشعر كل منهم بأنه فرد في ثكنة عسكرية واحدة ليمارس نفس الاستعدادات البدنية والذهنية، أو في خندق واحد ليخوض نفس المعركة.

كاتب إماراتي - عبدالعزيز خليل المطوع

بدريه احمــد
08-Oct-2007, 08:33
وقفات جميلة تستحق التامل بها
يعطيك العافية اخ بودي

مبارك العوفى
05-Sep-2008, 02:27
رائع ماخطت به اناملك


تقبل مروري

saosan
06-Sep-2008, 08:33
جزاك الله خير