المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أوقاتنا (الرمادية).. بعيداً عنها (منجماً ذهبياً)!



bode
07-Oct-2007, 06:30
يقول أحدهم نلتقي (بعد الظهر) أو ينتهي الاجتماع (بعد الظهر) أي (ظهر) يقصد به؟ أبمفهومه الديني أم بمفهومه الساعي الإداري؟ أي ابعد (صلاة الظهر) أم بعد منتصف النهار؟ هو ذا السؤال الذي كان يبرّح بي كلّما انتهي إلي سمعي هذا التعبير، وكثيرا ما كان يعنيني في الخطاب، فقلت لأحدهم يوما: (حدّد) وقتك بالساعة والدقيقة فارتبك، بل خيّل لي أنّه ذهل! قلت له (بعد الظهر) هي المساحة الزمنية الممتدة من الزوال، أي من منتصف النهار في الساعة الثانية عشرة حتي الساعة الرابعة وبشكل ما من صلاة الظهر إلي صلاة العصر، تتقلص قليلا أو تزيد حسب الفصول. ألا تري أنّها مساحة من الانتظار المهلك؟ فضاء زمني لا أعرف أي نقطة تقصد فيه!

سكت الرّجل علي الهاتف حتي حسبته قد قضي والسماعة في يده، كما اتصلت (أستاذة) تستفسر عن أمر قريبة لها هي إحدي طالباتي في الجامعة، فقلت لها ليس لديّ نتيجتها حتي الآن، فاتّصلي في وقت آخر (حدّديه) أنت لكن غدا، فقالت: إذن أتصل بك غدا في (العصرية) فقلت لها في أية نقطة من (العصرية)؟ فسكتت كسابقها طويلا، فهرعت أنجدها (العصرية) هذه المساحة الممتدة من (صلاة العصر) -كنت في بلد عربي إسلامي- حتّي المغرب، هي أكثر من ساعتين ففي أيّة دقيقة من الساعتين؟ فأسعفتها بديهتها هذه المرّة، وحددنا الدقيقة التي في مقدوري أن أستقبل فيها مكالمتها لإعطائها نتيجة قريبتها المتأهبة للسفر حسب زعمها، والله يتولي النيات والسرائر!

هي ذي بعض من المقدمة لأوقاتنا الرمادية، أوقاتنا لدي بعض باتت من رماد تام عرضة لريح سموم تذروه في كل صباح، وفي كل مساء، ولم أعد متساهلا في ذلك مع أحد، في المقدمة: أبنائي وطلبتي، حتي تسبّب ذلك في قطع صلات صداقة أراحني الله منها، انتظرت ذات سنة زميلا في الشارع داخل سيارتي في و قت حددناه فتأخّر عنه بنصف ساعة كامل، حين وصل عاتبته، ثم قلت له بعبارة واضحة: هذه آخر مرة أرتبط فيها معك بموعد، فتفاجأ بالقرار الذي تجسّد بشكل أشّد إنهاء أيّ اتّصال خارج اللقاءات العادية اليومية بحكم العمل، كما تواعدت مع مدير (مؤسسة ثقافية مرموقة) في (الجزائر) من أجل الذهاب لتهنئة زميل أكن له ودا خاصا عين وزيرا -فعلتها لأول مرة وآخرها لضيقي بذلك- فاتفقنا علي أن أنتظره قرب بيت المعني في وقت مضبوط بالدقائق، فحضرت قبل الوقت بنصف ساعة، تحسبا لظروف الزحام في شوارع العاصمة الجزائرية التي تصادف انحسارها في ذلك الوقت، فمكثت قابعا في سيارتي، ثم غادرت، لأنهي العلاقة بالرجل فورا بعد أن تبينت لي أعذاره الواهية، واكتفيت بتأدية الزيارة للزميل المحترم في وزارته، وأقول (المحترم) عامدا، للتقديرالخاص بمواقف الرجل لا لمجرد المجاملة التي تأخذ لدي بعض الضعفاء دينيا وإنسانيا بشكل عام: لبوسا مريبا كثيرا ما عرضت به.!

إذا كان (المتعلّم) ومن باب أحري (المثقف) لا يثمّن الوقت، فيهدره ويجعله رمادا، فهل من حقنا أن نلوم غيره، كأنما اتّفق الجميع علي جعل أوقاتنا كلها من (رماد)، أوقاتنا (الرمادية) هذه التي كرّسناها بسلوكنا العشوائي الاعتباطي باتت بعيدة عن منجم ذهبي: بُعد القمر وسماواته عن أراضينا، كان الوقت في حضارتنا العربية خاصة والإسلامية بشكل أخص منجما من ذهب، له جلاله وقدسيته نحاسب عليه في دقائقنا وساعات نهارنا وليلنا، نحاسب عليه مدنيا ودينيا، لأنّه ثمين وحاسم، وعابر لا ينتظر لاهيا ولا كسولا ولا مفرطا أو مستهترا، فلا ينفتح باب الخير لغير جاد، فعكس ذلك تعبيرا ومواقف وحكما القول المشهور الوقت من ذهب ولن يعود منه ما ذهب وهو أيضا كالسيف إذا لم تقطعه قطعك فهو أمر مقنّن ترتب عنه إقبال شهر صوم يغادر في تاريخ ويقبل خلفه في تاريخ تال بعد سنة بالتمام والكمال، و(الليل) و(النهار) بالذات من آيات الله في الأزمنة، لتثمين قيمة الوقت والليل إذا يغشي والنهار إذا تجلّي (الليل: 1-2) وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربّكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكلّ شيء فصّلناه تفصيلا (الإسراء: 12)

فما خلق الله الليل و النهار (اعتباطا) جلّ وعلا، وقد أشعرنا بقيمة الوقت وضبطه حسابيا، ليعقب نهاره ليله، في سنة توزعت علي شهور محددة إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أنّ الله مع المتقين (التوبة: 36) والله قد خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوي علي العرش يدبّر الأمر ما من شفيع إلاّ بإذنه (يونس: 3) فجعل الله ذلك وما خلق من آياته في تدبير الأمور لقوم يعقلون ويتقون، فيدركون: إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون (يونس:6) ليكون لنا الليل والنهار في تعاقبهما علامتا الوقت الكبيرتين ، يتوزع فيهما وقتنا: نشاطا جادا، معاشا طيبا، وسكنا مطمئنا هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (يونس: 67)

وهكذا يحفل القرآن الكريم بهذه التوجيهات الربانية التي تشعرنا بمسؤولياتنا تجاه الوقت الذي جاء لخير الإنسان، لنعيمه في الدنيا، والآخرة لمن اتقي، من خلال هذه الرموز الزمنية للوقت الذي يمضي ولا يعود: إذا الشمس كوّرت، وإذا النجوم انكدرت (التكوير: 1-2) والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس (التكوير: 17-18) فلايجوز أن يهدر هذا الزمن الذي قننه العلي القدير: والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر (المدثر: 34-35) هل أتي علي الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (الإنسان: 1) والله وحده هو الذي خلق فسوّي، والذي قدّر فهدي (الأعلي: 1-2)

أعطي الله تبارك وتعالي أهمية كبري للوقت الذي هو الحياة، ابتداء من طلائع نهار للنشاط والحركة بصبح، حتي طلائع ليل بغروب والضحي، والليل إذا سجي (الضحي: 1-2) فأقسم تعالي بهذا الوقت لهذه الأهمية، كما يتكرر ذلك في القرآن الكريم والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (العصر: 1-2)

والعاملون الجادون وحدهم الذين في مقدورهم -بعد هداية الله - أن يجدّوا في تغيير حالنا كي لا تبقي أوقاتناالتي صارت (رمادية) مهدورة استهتارا، ليعود الوقت فعلا من ذهب: علي أنقاض واقع تهدر فيه الأوقات اليوم، حتي كادت الساعات في معاصمنا وعلي جدران بيوتنا ومكاتبنا تصير من دون معني، حتّي تشجّع يوما أحد الكتّاب العرب وقال: من الخير لنا أن نلغي عقربي (الثواني) و(الدقائق) من ساعاتنا، لغياب إحساسنا الدقيق بالزمن، الذي يقول واقعنا: إنه من رماد، بعد أن تغيرت حالنا من أمة صنعت حضارة بتثمينها الوقت الذي باركه الله تعالي في كتابه الكريم، إلي أمة ساهية ذاهلة متهالكة ذلك بأنّ الله لم يَكُ مغيرا نعمة أنعمها علي قوم حتي يغيروا ما بأنفسهم وأنّ الله سميع عليم (الأنفال: 53).

بقلم : أ.د. عمر بن قينة (كاتب وأكاديمي جزائري )

دينا
08-Oct-2007, 01:18
حقيقة مأساه اعاني منها مع الاغلبيه العظمى .......حيث لااحترام للمواعيد او حتى اهتمام بسيط للاسف

يعطيك العافيه بودي

سليل
08-Oct-2007, 06:00
موضوع حلو ويوضح اهميه الالتزام بالوقت كذلك يكون الانسان متربيا على الوقت ودقته من خلال البيئه المحيطه فيه فلا ننسى انه من خلال صلواتنا واعمالنا العباديه اكبر دليل على تقيدنا بالوقت ...