المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المجتمعات العربية و"الخوف الاتصالي"



bode
06-Oct-2007, 05:19
تراجع بشكل واضح حضور حركات الاحتجاج العربية التي انتشرت خلال الخمس سنوات الماضية في أكثر من بلد عربي، ومع الانسحاب الواضح لهذه الحركات تشهد المجتمعات المدنية العربية حالة صمت مزعجة لا تتفق مع الوعي بحال هذه المجتمعات ولا بمصادر التهديد التي تحدق بها من كل الجهات، وتتوعد مصيرها ووجود كياناتها.

يعد شهر رمضان الكريم أنموذجا يحمل دلالات عميقة على حالة تسميها دراسات الرأي العام (الخوف الاتصالي)،أي مستوى من الخوف والقلق على الحاضر والمصير الذي يجعل الفرد ينسحب ويرفض القيام بسلوك اتصالي مع أشخاص آخرين أو داخل الجماعة أي غياب أو تراجع النقاش العام، وعدم القدرة على تبلور أو ظهور الرأي العام،حيث يرتفع سقف التوقعات السلبية من جراء أي تفاعل اتصالي عكس حالة الرغبة في النقاش والاتصال التي هي الأساس في صياغة الرأي العام.

بينما يقود الخوف الاتصالي إلى نوع من العزلة والريبة التي تنتقل من الأفراد إلى الجماهير، في المقابل ينسحب الناس باستلام لذيذ لوسائل الإعلام لتفريغ جانب من هذا الخوف، وهو الاستسلام الذي يخلق ظاهرة أخرى تسمى ظاهرة القطيع الاتصالي.

لم يعد لدى الناس رغبة في مناقشة مصيرهم المهدد في وسائل النقل العامة كما كان يحدث قبل سنوات، ولم تعد تلك الرغبة في التعبير الجماعي في الساحات العامة وأمام المتاجر والدكاكين في القرى والبلدات متوفرة، كما انسحبت الحياة العامة من الجامعات العربية، وانسحبت الجماهير من الشوارع، وتراجع دور قادة الرأي والفاعلين الاجتماعيين.

في هذا الوقت تلعب وسائل الاتصال الجماهيري دوراً سلبياً هروبياً ويمثل مشهد الشاشات العربية في رمضان المثال الحي لهذه الظاهرة، فالنقاش حول القضايا العامة وحول المصير الجماعي المهدد، يتدفق بصوت مرتفع باتجاه واحد، والجماهير متلقية سلبية غير فاعلة ويتعمق الميل نحو التمركز حول الذات من خلال محاولة استعادة الماضي بقوة أو استعادة تفاصيل اجتماعية بائسة من ذاكرة الفرسان الغابرين أو الحارات المقفلة التي لا تقدم ولا تؤخر شيئا، أكثر من تعميق المجال الاجتماعي الراكد منذ عقود طويلة، وهو ما تؤكده حالة الاستلاب التي تقدمها الفضائيات العربية في شهر رمضان، ويستسلم إليها الناس بكل رضا، وتصبح هي همومهم وخبز حكاياتهم اليومية، لا يحدث ذلك لأن هذه المجتمعات وجدت الحلول المطلوبة لكل مشاكلها، أو اقتربت نحو التخلص من همومها، بل لأنها تجد الصمت والانسحاب على أقل قدر أفضل من مناقشة هذه الهموم والمصير المهدد لان بالصمت والهروب تكمن سعادتها اليومية.

لو نظرنا إلى المشهد من احد زواياه وتساءلنا؛ هل فقدت المجتمعات العربية القدرة على النقاش العام قبل ان نتساءل عن استعدادها للاحتجاج، وما مدى ارتباط الأمر بالظروف والمحددات الموضوعية للتعبير السلمي عن الرفض، أم أنها ممعنة بدوامة الصمت والخذلان واليأس من التغيير، وتعبر عن هذا الواقع المرير بتفريغ جماعات العنف المعروفة.

ومن الزاوية المقابلة تُطرح أسئلة أخرى لا تقل خطورة أهمها حول علاقة الأنظمة الاتصالية السائدة في التعبير عن سلطة الناس أو الرأي العام، هل هي قادرة بالفعل على استعادة الناس إلى أوطانهم، وأقلها إعادة أصوات الناس إلى حناجرهم للتعبير بإرادتهم وبالشكل الذي يرغبون فيه عن مطالبهم وحاجتهم للتغيير؛ يجب أن نلتفت إلى أن النظم الاتصالية التي تهيمن على الرأي العام وتحدد مضمون ووسائل تعبيره تعاني من أزمات متعددة في علاقتها مع المجتمعات؛ هناك أزمة معرفـة ووعـي متبادلة، وهناك أزمة ثقة وشك في مصداقية ذهنية الطليعة التي ما تزال تحكم هذه النظم، وهناك أزمة غربة وفجوة بين بعض ملامح البرنامج الشعبي للتغيير في معظم المجتمعات العربية المعنون بقضايا الفقر والبطالة والفسـاد والتهميش ومضمون هذه النظم الاتصالية التي تشكل وسائل الإعلام احدى أدواتها الأساسية.

لاشك أنّ المجتمعات العربية لم تعرف خلال العقـود القليلـة الماضية الا مظاهر الاحتجاج العنيف في التعبير عن التنازع مع السلطة، ولا يوجد شك ان الحركات الاجتماعية السلمية الجديدة كشفت بدورها عن أزمات حقيقية في المجتمع السياسي وعبرت بقوة عن إفلاس الأحزاب السياسية العربية وأزمتها الخانقة مع الجماهير، حينما عجزت عن تصعيد مطالبها وتحويلها إلى أفعال سياسية.

كما عبرت هذه الحركات عن إفلاس انوية المجتمعات المدنية وفقرها السياسي والمجتمعي، وبالتالي فهذه الحركات كشفت عن إمكانية البحث عن مجال سياسي عام جديد يستوعب مضامين سياسية واجتماعية جديدة وأدوات مختلفة للتعبير عن المطالب، ولغة أخرى لبناء أنماط التحالفات وحراك شعبي هادف إلى انتزاع التغيير وبناء مجتمعات ديمقراطية جديدة. لكن كل هذه المظاهر لم تصل إلى مستوى حالة الاستسلام والإذعان والسلبية الاتصالية والخوف الغامض الذي توطن وسائل الإعلام في هذا الوقت وفي مراحل التحول السياسي والاجتماعي وما يلازمها من تحولات ثقافية كما تشهده المجتمعات العربية هذه الأيام.

تزداد عوامل إرباك الرأي العام ومحاولة اصطياده وتجييره هنا وهناك، وأحياناً تضليله واقتياده لحساب مراكز قوى وأطراف في الدولة أو المجتمع على حد سواء، وتصبح هذه القوة المجتمعية الهائلة قناعاً يختفي خلفه الانحراف والفساد، في هذه المرحلة يتصف الرأي العام بالهلامية وعدم الوضوح،بل وعدم القدرة على التشكل لافتقاده الاتفاق على المنطلقات والقيم الأساسية ومن هذه الزاوية يسهل تحريكه أو التلاعب بخلاياه العصبية،كما يتصف أحياناً في ضوء وجود المحركات الخفية بالعصبية وردود الفعل الحادة السريعة، التي عادة لا تخدم وطنا ولا قضية، إنها ردة فعل الخائف المعزول التي يجب ان نخشاه!

د. باسم الطوابيسي