المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التوحد والسنوات الحرجة



bode
01-Oct-2007, 04:51
يعتبر اضطراب التوحد من أكثر اضطرابات النمو المتداخلة شيوعاً لدى الأطفال، فالطفل المصاب بالتوحد يعاني من الانفصال الشديد عن الواقع والإخفاق في تطوير وتنمية علاقات انفعالية وعاطفية مع الآخرين.

ويطلق البعض على الاضطراب التوحدي لفظ أوتيزم وهي كلمة انجليزية في علم النفس بمعنى المنعزل، ويطلق البعض على الطفل الذاتي أي الذي يعيش في ذاته ولا يتفاعل مع الآخرين ولا يهتم بهم، وفريق آخر يطلق عليه التوحدي أي أنه متوحد مع نفسه ولا يدرك ولا يتفاعل مع الآخرين.

كما تعددت وجهات النظر والفرضيات التي بحثت أسباب هذا الاضطراب، ففي البداية كانت الإشارة إلى أن التوحد يظهر على أساس نفسي، عاطفي ترجع أسبابه إلى الوالدين، كما تفاوتت آراء العلماء والباحثين حول أسباب الإصابة بالتوحد بين مؤيد لفرضية الوراثة والجينات كسبب رئيسي وفريق آخر يرجع أسباب الإصابة إلى العوامل البيئية،.

وما يتعرض له الفرد من ضغوط وأزمات وحرمان خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة، وفريق ثالث يؤكد أن الوراثة والبيئة معاً تسببان هذا الاضطراب، ولكن هناك اتفاقاً على أهمية التكوين الأول لشخصية الطفل، واحتياجه لبيئة آمنة ومريحة تعيش فيها خبرات إيجابية من خلال تفاعلاته مع الأشخاص الذين يكفلون له الحماية ويشبعون احتياجاته.

ويجمع علماء النفس على أن السنوات الثلاث الأولى من حياة الطفل من أهم وأخطر مراحل النمو، فهي فترة حرجة تحدث خلالها أسرع التغيرات في النمو النفسي والعقلي والمعرفي وتؤثر في هذه الفترة بالدرجة الأولى علاقة الأم بالطفل فهي أول إنسان يتعامل معه ويتوقع منها أن تشبع كل احتياجاته، وهو لا يحتاج فقط إلى الطعام والشراب والهواء.

وإنما يحتاج بدرجة كبيرة إلى غذاء نفسي من الحب والحنان والانتماء والحماية والأمان، فالمواقف الأولية لإشباع احتياجاته، إما أن تكون مليئة بالإشباع والسرور والارتياح، فيصبح الطفل اجتماعياً لا يخشى التواصل الاجتماعي وإما أن تعامل الأم الطفل بعصبية أو شدة أو إهمال فينعكس هذا على حياته في المستقبل، فالطفل يشكل أساس فهمه للعالم خلال السنوات الثلاث الأولى من حياته، فإذا كانت الأم متوترة يضطرب الطفل، كما أن علاقة الوالد بالطفل تنعكس أيضاً على اتجاهاته نحو نفسه ونحو الآخرين.

وترجع المشكلات النفسية والانفعالية والسلوكية للأطفال إلى ثلاثة عوامل هي مشكلة في الطفل نفسه أو في والديه أو إلى نوعية العلاقات بينهم، وقد أثبتت الدراسات أن تعرض الأطفال في بداية خبراتهم بعالمنا لصدمات أو ضغوط أو حرمان يسبب اضطرابات سلوكية ونفسية وشخصية.

وبظهور علم نفس الجنين أصبح الاهتمام والرعاية يبدآن من لحظة ثبوت الحمل، فحماية الجنين وضمان سلامته الجسمية والنفسية يتطلب من الأم ضبطها لنفسها ومحافظتها على هدوئها وتجنب الانفعالات التي تنعكس على الجنين، وأن ترسل إليه أجمل العواطف لتصنع معه رابطاً من الحب والأمان، وإذا خرج من عالمه إلى عالمنا فإنه يجد نفسه منذ ولادته في بيئة تختلف جذرياً عما كان وهو جنين، فإذا لم يحسن العالم الجديد استقباله .

ولم يجد فيه خبرات سارة تشبعه بالحب والحنان ولا سبيل أمامه للعودة إلى رحم أمه فإنه ينسحب من هذا العالم إلى رحم افتراضي يهيئه لنفسه، يعيش فيه خبراته السابقة داخل رحم أمه ويحمي نفسه من الأفراد المحيطين به والذين يمثلون له مصدر إزعاج وتهديد، هذا الانسحاب يتضح في التعريفات المختلقة لحقائق الطفل المصاب بالتوحد.

تشير بعض الأبحاث أن هناك تشابهاً بين سلوك الجنين داخل الرحم،
وبين سلوك الطفل المصاب بالتوحد والتي لا تتفق مع سنّه مثل:

العزلة: يكون الجنين محاطاً بغشاء من كل جهة، والطفل المصاب بالتوحد يبدو كأنه في عالم له وحده.

التغذية: يمتص الجنين بعض المواد الزلالية والسكرية وأملاح غير عضوية، والطفل المصاب بالتوحد يحدث عنده خلل في المأكل والمشرب ويكتفي بأنواع قليلة من الطعام والشراب.

التوتر: يتحرك الجنين حول نفسه ويأخذ أوضاعاً عديدة حتى يأخذ الوضع المناسب عند الولادة والطفل المصاب بالتوحد يأخذ أوضاعاً غريبة عندما يتوتر ويتحرك كثيراً ويصدر أصواتاً مزعجة.

التواصل: لا يوجد أفراد يتواصل الجنين معهم داخل الرحم، والطفل المصاب بالتوحد عنده خلل ملحوظ في التواصل.

وضع اليد: يضع الجنين أصابعه أمام وجهه، والطفل المصاب بالتوحد يضع يده على رأسه أثناء المشي أو يضع اليد في الأذن أو أمام الوجه مع هز الأصابع.

البصر: تبدأ عين الجنين في الحركة وتقوم بحركات في اتجاهات مختلفة في ظلام البطن حتى تصبح قادرة على الرؤية بعد الولادة، والطفل المصاب بالتوحد يتجنب النظر إلى الأشياء والآخرين.

الروتين: يكون الجنين مستقراً في الرحم من دون تغيير للمكان، والطفل المصاب بالتوحد يتسم بمقاومة التغيير في الروتين والصراخ إذا حدث تغير في البيئة المحيطة به.

التفاعل مع الأشخاص: لا توجد تفاعلات للجنين داخل الرحم، والطفل المصاب بالتوحد يتصرف وكأن الآخرين غير موجودين.

السمع: قد يعوق اذن الجنين سماعه للأصوات المختلفة، والطفل المصاب بالتوحد يتصرف وكأنه لا يسمع الأصوات من حوله.

الانفعال: يتأثر الجنين بالحالة الانفعالية للأم والطفل المصاب بالتوحد ينفعل لأبسط الأسباب.

هذا التشابه بين الجنين والطفل المصاب بالتوحد قد يدعونا للتفكير مليّاً بالإعداد لولادة جديدة للطفل المصاب بالتوحد تخرجه من عالمه الخاص إلى بحثهم الذي يعيش تحت رعاية أفراد متخصصين في التربية الخاصة والعلاج الوظيفي والعلاج النطقي والعلاج النفسي والعلاج الحركي .إضافة إلى الوالدين سعياً منهما كفريق متكامل للعيش من قدرات هذا الطفل ودمجه مع أقرانه الآخرين من المجتمع.