المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رمضان في ذاكرة الأدب العربي والفارسي والتركي



bode
01-Oct-2007, 03:01
شعراء تعجبوا من الفانوس وهاموا بالقطائف...
وآخرون نظموا المدائح المعروفة بالرمضانيات ليسترفدوا السلاطين

يظهر كتاب «رمضان في الشعر العربي والفارسي والتركي» للدكتور حسين مجيب المصري، أحد وجوه الأدب الإسلامي المقارن، أهمية شهر رمضان في الموروث الاسلامي الحضاري والثقافي والأدبي. كملمح بارز على مدى العناية والحفاوة غير المعروفة بشهر الصيام في كل رقعة مؤمنة، رأت في شهر رمضان الفرصة المتاحة أمام المسلمين كل عام للاتحاد والتماسك والتعاضد ثقافياً وفكرياً واقتصادياً.

وعن سبب اختيار شهر رمضان بالذات، يقول الدكتور حسين مجيب المصري: أما باعثنا على اختيار رمضان; ففي الإمكان إرجاعه إلى أكثر من سبب. لأن رمضان مقترن علي الدوام في الأذهان بالصوم، كلازم وملزوم، وسبب ومُسَبَّب. وصوم رمضان هو الركن الرابع من أركان الإسلام.

ولزاما أن يكون مدار حديثنا في هذا الصدد حول عبادات وعادات ومأثورات تجمع المسلمين في المشارق والمغارب علي صنيع واحد; إن اختلف في الندرة، وإن تطور; فلبواعث تدفع الباحث دفعاً إلي اكتناهها; فضلاً عن المظاهر الروحية والاجتماعية والثقافية التي أنشأها مجيء شهر الصيام في العواصم الإسلامية والعربية . فإذا كانت الظواهر واحدة; لوحدة الدين; فإن الاختلافات تكمن في كيفية الاحتفاء والتعبير عن مقدم رمضان في آداب الشعوب الإسلامية، لأن اختلاف البيئة واللغة والأساليب الشعرية.

كل هذا أدى إلى أن يصبح شهر رمضان ذا قسمات خاصة ومتباينة من بلد لآخر. وهو ما نجح هذا الكتاب في تباينه والكشف عن مراميه بعناية .. سطرها قلم الدكتور حسين مجيب المصري، الذي هضم التراث الإسلامي بمكوناته الثقافية والحضارية; نظراً لتبحره في علوم وآداب هذه اللغات، وإجادته لعشر لغات هي: العربية والفارسية والتركية والأردية، والإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والروسية واللاتينية. ويؤكد المؤلف.. أن (الرمضانيات) ـ نسبة إلى شهر رمضان ـ فن شعري إسلامي بحت قلما نجد نظيراً له في إسلاميته بين الفنون الشعرية الأخرى، وعليه فإن النظر في رمضانيات الشعر ليس إلا تدبراً لما تموج به الروح المؤمنة، كما قد يكون تأملاً للحيرة بين الهدي والضلال والنسك والفتك، أو تصويراً للرغبة والرهبة، والإقدام والإحجام، كما نستكشف به موقف المسلم من هدي الإيمان ونزغ الشيطان.

وأما عن رمضان في الشعر العربي، فيؤكد المؤلف أنه قد أكثر الشعراء القدامى من وصف فانوس السحور، وأفضى بهم وصفه إلي ذكر شيء عن الغرض منه، فتداعت أفكارهم وتشعب خيالهم، وقال قائلهم:

* ونجمٍ من الفانوس يشرق ضوؤه .... ولكنه دون الكواكب لا يســري
* ولم أر نجماً قط قبل طلوعــهِ .... إذا غاب ينهي الصائمين عن الفطر.

فهذا الشعر الملتزم يؤيد الحقيقة التي تنبهنا إليها، وهي أن فانوس السحور قد رسم في خيال الشاعر عدة صور يجمع بينها رابط هو الصيام وما يقتضيه من معرفة المواقيت، والاستعانة مع ذلك بالنظر إلى النجوم. وقد وصف الرحالة ابن بطوطة .. الاحتفال برمضان في مكة المكرمة فقال: وإذا هلَّ هلال رمضان تُضرب الطبول عند أمير مكة، ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعل، حتى يتلألأ الحرم نوراً، ولا تبقى في الحرم زاوية ولا ناحية إلا وفيها قارئ يصلي بجماعته، فيرتجُّ المسجد لأصوات القراء، وترق النفوس، وتحضر القلوب، وتهمل العيون.

وإذا كان وقت السحور يتولى المؤذن الزمزمي التسحير في الصومعة التي بالركن الشرقي من الحرم، فيقوم داعياً وُمذَكِّراً ومُحَرِّضاً على السحور. ومما طاب للصائمين من الشعراء ذكره ووصفه، أنواع الحلوى التي جرت العادة بتناولها في رمضان على الخصوص، ونلاحظ أنهم وصفوا الحلوى بالذات، ولم يصفوا غيرها من صنوف الطعام، ومرد ذلك إلى لذة طعمها الذي يغري بأكلها في شهر واحد من شهور العام، وهو شهر الصيام، قال بعضهم في القطائف:

* ألذ شيءٍ على الصيام .... من الحلاوات في الطعام
* قطائف نضدت فحكت .... فرائد الدر في النظــام
* مقومات على جنوب ... في الجام كالصبية النيـام .

وأما عن رمضان في الادب الفارسي، فقد اكتظت قريحة شعراء الفرس بنماذج فريدة تصور شهر الصيام، حيث العبادة والتسبيح والتهليل والصلاة. ومن ذلك الشاعر (قاآني) المتوفى في منتصف القرن التاسع عشر، حيث يقول ما ترجمته : «أيها التركي، قم وجئني بمسبحتي وسجَّادتي; فقد جاء شهر رمضان، نحِّ كل ما ينبغي للطرب عن مجلسنا. وأحضر المصحف حتى أقرأ ثلاث سور أو سورتين، واسأل الله المغفرة والرحمة للوالدين». ومن شعر، المؤلف، الدكتور حسين مجيب المصري بالفارسية ثم ترجمه هو إلى العربية في الحفاوة برمضان قوله: تعال يا مؤمن فشهر العام قد زارنا .. شهر كله بركات، السكينة تسكن القلوب، والشياطين ترحل إلى لا رجعة. والجَنَّات والحور تتقرب إليك .. فتعال يا مؤمن فرمضان يبحث عنك !

أما عن علاقة شهر رمضان بالأتراك فهي علاقة نعدمها لدي الشعوب الأخرى; لأن لرمضان عند الترك كياناً خاصاً يميزه، والشعر الذي يُذكر فيه رمضان معروف عندهم بـ «رمضانية» وهي مدحة مدخلها في رمضان; وقد أكثر شعراء الترك الأقدمون من نظم المدائح المعروفة بالرمضانيات ليسترفدوا السلاطين وليتقربوا إلي بارئهم. وأول من ابتكر هذا اللون الشعري العجيب هو الشاعر التركي ثابت الذي عاش أوائل القرن الثامن عشر، وفيها يقول بحسه الإيماني: «واعتزل الزاهد وقبع في خلوته، وليس له ما يوسوس في سريرته، فلقد حُبس الشيطان، وسيظل حبيساً إلى آخر شهر رمضان».

ويحدثنا ثابت عن عادة الترك في قراءة القرآن من المصاحف، فلقد كانت تُعرض على كراسي تحملها في المساجد، ليقرأ فيها المسلمون بالتناوب. كما وصف القناديل التي أضاءت الأنوار بهجة وسكينة فقال: «ولقد ذَهَّبتْ القناديل كتاب الحسنات، ونثر معلقوها ذهبها زينات. والمساجد كقلب المؤمنين معمورة، أمـــا الحــانات فكــقلب الفاسقين خاوية ومهجورة». وهكذا تلمس شعراء الأمم الإسلامية نفحات الصيام وعلاقتهم بشهر رمضان في صور إسلامية تشي بالحب والتعلق بمظاهر الحضارة التي أخرجت الناس من الصلاح جهل إلى أنوار اليقين.

حسن رشيد

سليل
03-Oct-2007, 02:09
وهكذا تلمس شعراء الأمم الإسلامية نفحات الصيام وعلاقتهم بشهر رمضان في صور إسلامية تشي بالحب والتعلق بمظاهر الحضارة التي أخرجت الناس من الصلاح جهل إلى أنوار اليقين.


موضوع رائع ...شكرا لك بودي