المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نساء كيرالا في مواجهة شركة كوكاكولا



bode
30-Sep-2007, 12:23
بعد ان نفتها الحكومة في العام 1977، استعادت شركة كوكا كولا موقعها في الهند في 23 تشرين الاول/أوكتوبر 1993، وذلك في الوقت نفسه الذي تمركزت فيه الشركة الاميركية الاخرى المتعدّدة الجنسيات وهي شركة بيبسي كولا. لدى تلك الشركتين اليوم تسعون مصنعاً هم عبارة عن "مصانع لتعبئة القناني"، لكنّهم في الواقع "مصانع لضخّ المياه"، بينهم 52 وحدة تابعة لشركة كوكا كولا و38 وحدة تابعة لبيبسي كولا. وتستخرج كلّ من تلك الشركتين بين المليون والمليون ونصف ليتر من المياه يومياً.

تشكل تلك المشروبات الغازيّة خطرا مؤكداً نظراً لطرق تصنيعها. أولاً، لأنّ عمليّة ضخّ المياه، من قبل مصانع التعبئة، تحرم الفقراء من حقّهم الاساسي بالحصول على مياه الشفة. ثانياً، لأنّ تلك المصانع تفرز نفايات سامّة تهدّد البيئة والصحّة العامة. أخيراً، لأنّه من المعروف أنّ مشروبات الصودا تشكّل خطراً على الصحّة ـ ولقد انبثقت عن البرلمان الهنديّ لجنة برلمانيّة مختلطة مهمّتها التحقيق في وجود بقايا من المبيدات فيها.

قامت نساء قبائل بلاشيمادا، في مقاطعة بالاغات في كيرالا،على امتداد عام واكثر، بتنظيم تظاهرات سلميّة في الشوارع والاماكن العامّة، احتجاجاً على الجفاف الذي لحق بطبقات المياه الجوفيّة، بسبب أعمال شركة كوكا كولا. وكتب فيراندار كومار، الصّحافي في جريدة ماتروبهومي، أنّ "السكّان يحملون على رؤوسهم حمولات ثقيلة من مياه الشفة التي يأتون بها من مكان بعيد، في الوقت الذي تخرج الشاحنات من مصنع كوكا كولا محمّلة بالمشروبات الغازيّة." يضخّ هذا المصنع مليون ليتر من المياه يومياً، وأحيانا أكثر. في الوقت الذي تضطرّ النساء الى اجتياز خمسة الى ستة كيلومترات من اجل تأمين مياه الشفة، وهي ترى كلّ يوم ثمانية الى تسعة شاحنات تغادر المصنع محمّلة بالمشروبات الغازيّة. علما أنّه، للحصول على ليتر من الكوكا ، يتمّ استخدام تسعة ليترات من المياه.

بدأت نساء أديفازا [2] في بلاشيمادا بتحرّكهنّ بعد فترة قصيرة من فتح مصنع كوكا كولا، الذي بلغ انتاجه في آذار/مارس 2000، 1224000 قنّينة من مشروبات كوكا كولا، سبرايت، فانتا، ليمكا، ثامبزأب، كينلي صودا ومأزا. وكان المجلس المحلّي الحاكم [3] قد سمح للمصنع باستخراج المياه بواسطة المضخّات المجهّزة بالمحرّكات،انما وفقاً لشروط معيّنة. لكنّ الشركة خرقت الاتفاقات، وأخذت تسحب ملايين اللّيترات من المياه الصافية، في أكثر من ستة آبار قامت بحفرها وجهزتها بمضخّات كهربائيّة ذات قوّة هائلة. وبحسب الشهادات التي سجّلت هناك، استخرجت الشركة ما يقارب 1,5 مليون ليتر في اليوم الواحد. ممّا أدى الى غور مستوى المياه الجوفيّة الى العمق من خمسة وأربعين متراً الى مئة وخمسين.

ولم تكتف شركة كوكا كولا بسرقة مياه عامّة الناس، بل قامت بتلويث القليل المتبقّي منها، من خلال تصريف المياه الملوّثة داخل حفر أنشأتها داخل منشآتها لطمر النفايات الصلبة فيها. فيما مضى، كانت الشركة تضع نفاياتها في الخارج، الامر الذي كان يؤدّي مع حلول الامطار الى اندثارها داخل السّواقي والمجاري والآبار، ممّا كان يشكّل خطراً هائلا على الصحّة العامّة. لم يعد الامر كذلك اليوم، لكنّ ذلك لا ينفي واقع تلوّث ينابيع المياه.

لقد أدّت تلك الممارسات الى جفاف مئتين وستين بئراً قد حفرتهم السلطات من أجل تأمين احتياجات مياه الشفة والريّ الزراعيّ. وفي هذه المنطقة من كيرالا، المسمّاة ب "عليّة الارز" كونها تتمتع بنظام بيئي غنيّ جداً بالمياه، انخفضت الارباح الزراعيّة بنسبة عشرة بالمئة. لكن ذروة الامر تكمن في أنّ شركة كوكا كولا تعيد توزيع النفايات السامّة، التي ينتجها المصنع، بشكل أسمدة الى المزارعين. علماً أنّ الفحوصات التي أجريت، أظهرت أنّ تلك الأسمدة تحتوي على نسبة كبيرة من الكادميوم والرّصاص، وهما مادّتان تسبّبان بالسرطان.

كما قام بعض ممثلي القبائل والمزارعين بفضح تلوّث الاحتياط المائيّ والينابيع، اضافة للحفر التي تمّ انجازها بطريقة عشوائيّة، ممّا عرّض المحاصيل الزراعيّة للخطر. كما أنّهم طالبوا بحماية ينابيع مياه الشفة التقليديّة والبحيرات والخزّانات، اضافة الى صيانة المجاري الصالحة للملاحة والاقنية، وتأمين مياه الشفة.

وبعد ابلاغها رسمياً بضرورة تبرير ممارساتها، رفضت شركة كوكا كولا اعطاء التفسيرات المطلوبة للمجلس الحاكم. فأعلن هذا الاخير الغاء رخصة الاستثمار. وعلى أثر ذلك، حاولت الشركة رشوة الرئيس السيّد أنيل كريشنان باعطائه 300 مليون روبية. لكن من دون جدوى. و مع أنّ المجلس صادر رخصة الاستثمار، استمرّت حكومة كيرالا من جهتها بحماية الشركة. كما خصّصت لها مليوني روبية (36000 أورو)، كمساعدة مالية لادارة السياسة الصناعيّة في المنطقة. انّ شركتي كوكا وبيبسي تحصلان على مساعدات مماثلة في كافّة الدول، حيث تديران مصانعهما. كلّ ذلك بغية تصنيع مشروبات لا قيمة غذائيّة لها على الاطلاق، مقارنة بالمشروبات الهنديّة التقليديّة (نيمبو باني، لاسي، بانّا، ساتّو...)

اضافة الى ذلك، تستخدم الشركات الذرة لتصنيع مشروب غنيّ بالسكّر، علماً أنّ 30 بالمئة من منتوج الذرة يستخدم كمادّة أوليّة في تصنيع غذاء للماشية والفروكتوز. كما أنّ النسبة نفسها مخصّصة للاستهلاك، وانّ احتكارها من قبل تلك الشركات يؤدّي، في الحقيقة، الى حرمان الفقراء من منتوج أساسي ورخيص. في المقابل، انّ استبدال موادّ التحلية المستخرجة من قصب السكر، كالغور والخاندساري، يضرّ بالمزارعين الذين يعتمدون على تلك المنتوجات في تأمين قوتهم. باختصار، ان تأثير شركتي كوكا كولا وبيبسي على الحلقة الغذائية كبير جداً، وهو لا يتوقّف فقط على محتوى قناني الكولا.

في العام 2003، أبلغت السلطات الصحيّة في المقاطعة سكان بلاشيمادا، بأنّ تلوّث المياه يجعلها غير صالحة للاستهلاك. لقد كانت النساء على علم بذلك، منذ فترة، وقد كنّ أوّل من فضحن عملية "قرصنة المياه" خلال تظاهرة سلمية لهنّ أمام أسوار الشركة.

انّ هذا التحرّك الذي بدأ بمبادرة من نساء قبائل أديفازي، أثار موجة من اتّحاد القوى على كلّ من الصعيد الوطني والدولي.. وتحت ضغط هذه الحركة التي أخذت قوّتها تزداد شيئاً فشيئاً، اضافة الى الجفاف الذي زاد أزمة المياه حدّة، أمر رئيس حكومة كيرالا أخيراً باغلاق مصنع كوكا كولا في 17 شباط/فبراير 2004. ان التحالفات المختلطة، التي التحمت في البداية بين نساء المنطقة، شملت المقاطعة بأسرها في نهاية المطاف. من جهتها، قامت مقاطعة بيروماتي (في كيرالا)، باسم المصلحة العامّة، برفع شكوى ضدّ الشركة الى جانب المحكمة العليا .

وفي 16 كانون الثاني/ديسمبر 2003، أمر القاضي بالاكريشنانا نأير شركة كوكا كولا بالتوقّف عن ضخّ المياه بصورة غير قانونيّة من مياه بلاشيمادا. ان هذا القرار يعدّ بأهمّية حيثيات الدعوة. ففي الواقع، حدّد القاضي، بشكل خاصّ، أنّ "عقيدة الثقة العامة تعتمد، قبل كلّ شيء، على المبدأ الذي يقرّ بأنّ بعض الموارد كالهواء ومياه البحر والغابات تشكّل أهمية كبيرة بالنسبة لعامّة الشعب، وأنّ اعتبارها ملكيّة خاصة أمر غير مبرّر اطلاقاً. انّ تلك الموارد هبة من الطبيعة، لذا يجب وضعها بتصرّف كلّ شخص دون أيّ مقابل، مهما كان مركزه الاجتماعي. وبما أنّ هذه العقيدة تفرض على الحكومة حماية تلك الموارد، بحيث يستطيع أيّ كان الاستفادة منها، لا يعود بامكانها السماح باستخدام الموارد الطبيعيّة من قبل الملكيّات الخاصّة أو لأهداف تجارية[...]. انّ كافّة المواطنين، دون استثناء، هم المستفيدون من الشواطىء وسبل المياه والهواء والغابات والأراضي الحسّاسة بيئياً. ونظراً لمسؤوليّتها الادارية، من واجب الدولة، بحسب القانون، حماية الموارد الطبيعيّة التي من غير الممكن تحويلها لملكيات خاصّة.

نقولها بوضوح : انّ المياه ثروة عامّة. ومن واجب الدولة، وكافّة دوائرها، حماية الطبقات الجوفيّة من الاستغلال المكثّف، لذا فانّ عدم القيام بواجبها هو تعدّ على الحقّ بالحياة، الذي تنصّ عليه المادة 21 من الدستور الهندي. لطالما أقرّت المحكمة العليا بأنّ حق التمتّع بمياه وهواء غير ملوثين، يشكّل جزءا من الحقّ بالحياة الذي تحدّده المادة 21. بتعبير آخر، حتى مع غياب قانون مخصّص لاستخدام الطبقات المائيّة الجوفيّة، يجب على كلّ من المجلس الحاكم والدولة معارضة الاستثمار الزائد للاحتياطات الجوفيّة. علماً أنّ حق الملكيّة المعطى لشركة كوكا كولا لا يطال الطبقات الجوفيّة الموجودة تحت أراضيها. اذ لا يحقّ لأحد الاستئثار بجزء كبير من المياه، وليس من حقّ الحكومة السماح لجهة خاصّة باستخراج تلك الكمّيات الهائلة.

لذا أصدرت المحكمة أمرين: أوّلا توقّف شركة كوكا كولا عن ضخّ المياه لاستعمالها الخاصّ، وذلك ضمن مهلة شهر واحد، يوما بيوم. وثانياً، على الدولة والمجلس التأكّد من التقيّد بالمهلة المحدّدة، وفي حال تمّ تخطّيها يجب تطبيق القرار.

لقد تمّ تداول ذلك التمرّد النسائي، الذي يشكّل أساس التظاهرة السلميّة، من قبل رجال قانون وأعضاء في البرلمان وعلماء وكتّاب...كما امتدّ هذا التحرّك نحو مناطق أخرى، يتمّ فيها ضخّ المياه الجوفيّة من قبل شركتي كوكا كوكلا وبيبسي على حساب السكّان. ففي جايبور، عاصمة راجاستان، وبعد فتح مصنع كوكا كولا في العام 1999، انخفض مستوى المياه الجوفيّة من اثني عشر مترا في العمق الى سبعة وثلاثين متراً. وفي مهديغانج، المتواجدة على بعد عشرين كيلومترا من مدينة فارانازي المقدّسة (بيناريس)، غارت المياه بعمق اثني عشر مترا، والحقول المزروعة المجاورة للمصنع أصبحت ملوّثة. وفي سينغشانشر ايضاً، وهي ضيعة تابعة لمقاطعة باليا (شرق أوتار براديش)، سبّبت وحدة كوكا كولا بتلوّث دائم للمياه والاراضي. فتشكّلت معارضة في كلّ مكان. مع العلم أنّه، في غالبية الاحيان، كانت السلطات الرسميّة تردّ على المظاهرات باللّجوء الى العنف. ففي جايبور مثلاً، في تشرين الاول/اوكتوبر 2004، تمّ توقيف الناشط الغندي المشهور سيدهاراج دودا لمشاركته في مسيرة سلميّة تطالب باقفال المصنع.

وإضافة الى جفاف الآبار، هنالك مخاطر العدوى التي تسبّبها المبيدات. وقد منعت المحكمة العليا في راجاستان بيع المشروبات التي تنتجها كلّ من شركة كوكا وبيبسي، لأنّهما رفضتا اعطاء لائحة مفصّلة بمكوّناتها، في الوقت الذي أثبتت بعض الدراسات احتواءها على مبيدات خطيرة على الصحة [4] . وقد أحالت الشركتان المسألة امام المحكمة العليا في الهند، لكنّ هذه الاخيرة رفضت ذلك، وتبعت محكمة راجاستان في مطالبتها بنشر لائحة بالمكوّنات المحدّدة لمنتوجات بيبسي وكوكا. ولا تزال تلك المشروبات ممنوعة حالياً في المنطقة.

وقد أظهرت دراسة تمّ القيام بها في العام 1999، من قبل مشروع All India للابحاث المنسّقة حول بقايا المبيدات، بأنّ ستّين بالمئة من المنتوجات الاستهلاكية التي تباع في السوق، تحتوي على بقايا مبيدات، و14 بالمئة منها يحتوي على معايير تتخطّى الحدّ الاقصى المسموح به. هذا الطرح يعيد النظر في الاسطورة التي تقول بأنّ الشركات المتعدّدة الجنسيّات ترتكز على الأمان والمصداقية، مولية إياها الثقة التي ترفض اعطاءها للقطاع العامّ والسلطات المحليّة. انّ هذا الحكم المسبق والنخبوي ضدّ الادارة العامّة للموارد والخدمات، قد ساهم في قبول عمليّة تخصيص المياه. لكنّ اللجوء الى القطاع الخاصّ، في الهند كما في سائر دول العالم،لا يسمح بتأمين مياه نظيفة ضمن اسعار معقولة.

في 20 كانون الثاني/يناير 2005، تشكّلت في مختلف أرجاء الهند، سلاسل بشرية حول كافّة مصانع كوكا كولا وبيبسي . وقد وجّهت المحاكم الشعبيّة الى " قراصنة المياه" أمراً بمغادرة البلاد. وأثبت ما حصل في بلاشمادا بأنّ سلطة الشعب قادرة على التغلّب على سلطة الشركات الخاصّة. علماً أنّ التحرّكات التي تطالب بحماية المياه تتخطّى ذلك الحدّ. فهي تهتمّ أيضاً بمسألة السدود، وبخرائط مشروع الخطّ النهري الكبير الذي يسعى الى تغيير مجرى كافّة أنهر شبه الجزيرة الهندية. الأمر الذي أدّى الى تفاقم حجم المعارضة [5] . كما قامت التحرّكات الشعبيّة بفضح عمليّات الخصخصة المشجّعة من قبل البنك الدوليّ ، اضافة الى خصخصة تأمين المياه في ديلهي [6]. مع الملاحظة بأنّ نهب المياه ما كان ليحصل لولا مساعدة الدول المركزيّة والحرفية؟

هذه الحرب على سرقة المياه لا تتعلّق فقط بالهند. فانّ الاستغلال الزّائد للطبقات الجوفيّة، والمشاريع الضخمة التي تهدف لتغيير مجرى السبل المائيّة، تلعب دورا معادياً لحماية الارض بكاملها. ولاعطاء فكرة عن حجم التهديد البيئي، يجب أن ندرك أنّه في حال حصل كلّ جزء من الارض على هذا الحجم من المياه، وفقا لنفس الوتيرة والتوزيع، لظهرت النباتات والاصناف الحيوانيّة نفسها في كافّة ارجاء الارض. انّ الكرة الارضيّة غنيّة بالتنوّع البيئيّ، ودورة المياه فيها هي عبارة عن توزيع ديموقراطيّ للمياه على كافّة الكائنات الحية. وفي غياب التوزيع الديموقراطي للمياه، من المستحيل قيام حياة ديموقراطيّة.

بقلم : فاندانا شيفا* مديرة مؤسسة الابحاث العلمية والتكنولوجية والبيئية (الهند). من أبرز مؤلّفاتها " حرب المياه"،منشورات L’Aventurine،
باريس، 2003، و" الحياة ليست للبيع"، منشورات L’Atelier، باريس، 2004.

[2] تشمل تسمية أديفازي كافة القبائل الاصلية التي لا تتبع النظام الطبقي
[3] مجلس يمارس السلطة على مستوى القرية
[4] المشروبات تحتوي سموم كالدي دي تي. وقد خلصت السلطات الى ان نسبتها تبقى من ضمن المعدلات المقبولة في الهند بينما لا نجد اثرا للمبيدات في اوروبا داخل زجاجات البيبسي او الكوكاكولا.
[5] Arundhati Roy, Le Coût de la vie, Gallimard, Paris, 1999.
[6] عهد الى احدى فروع شركة سويس بمعالجة المياه وفي دلهي تضاعف عشر مرات سعر الماء في دلهي.