المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عندما يكون الفن رسالة وثقافة ومتعة



bode
22-Sep-2007, 05:29
بعد تجربة الحرب العالمية الثانية نشأت وتطورت علوم الاتصال الجماهيري بوصفها تخصصات أكاديمية عرفت طريقها إلى أقسام الجامعات وليست مجرد ممارسات يمكن تعلمها بمجرد الممارسة المهنية.. في هذا الإطار أصبحت في حكم البديهية تلك الوظيفة الجوهرية للرسالة الاتصالية التي ينبغي أن تؤدي 3 مهام أساسية هي: الإعلام (بمعنى التزويد بالمعلومات) + التربية (بمعنى التزويد بالثقافة) + الترويح (بمعنى التزويد بسبل المتعة والترفيه).

في نفس الإطار يشدد الأكاديميون، والمهنيون أيضاً على عنصر التفاعل إلى حد التشابك الجدلي بين هذه الوظائف الأساسية الثلاث وبحيث تتسم المعلومات والثقافة بعناصر المتعة والجذب والتشويق فيما لا يقتصر الترفيه على مجرد إزجاء فراغ العابثين أو غير المبالين.. بل يجمع بين جاذبية العرض وعمق المضمون. لهذا ساد الاهتمام مؤخرا في عالم الفن والفكر على السواء برحيل اثنين من رواد السينما العالمية المعاصرة في يوم واحد من أيام شهر يوليو الماضي وهما المخرج السويدي انغمار برغمان والمخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني.

ورغم أن رحيلهما عن العالم لم يأت بمثابة صدمة غير متوقعة إذ كان الأول في التاسعة والثمانين وكان الثاني في الرابعة والتسعين، إلا أن دنيا الإبداع السينمائي اهتمت بذكرى الرجلين وتابعت الأعمال الفنية التي أضافاها إلى إبداع السينما المعاصرة وكان محور هذا الاهتمام تلك العبارة التي نشرها ملحق الفنون الصادر عن نيويورك تايمز (عدد الأحد 5/8).

وفيها تقول الصحيفة الأميركية: «قبلهما كانت الأفلام مجرد عروض من المشاهد المتحركة»، والمعنى أن المبدع الإيطالي وزميله السويدي تحولا بالعمل السينمائي عن مجرد الترفيه وتسلية الفراغ إلى حيث يصبح فكرا ومضمونا ونقاشا للقضايا الجوهرية التي تواجه حياة البشرية ومصائرها.

ونحسب أن هذا هو المعنى الذي نستخلصه من الأعمال الفنية المذكورة بشموخ الإبداع في تاريخ السينما ومنها مثلا فيلم «المدرعة بوتمكين» الذي قدمه المخرج الروسي الشهير سيرجي ايزنشتين ومازال الفيلم يعد من كلاسيكيات السينما - الفن السابع كما يصفونه - رغم أن انقضى على إخراجه وعرضه أكثر من 80 عاما، هذا اللون من ألوان الفكر أو فلنسمه المعمار السينمائي كان مثار الاهتمام ومن ثم الاحتفال بالعمل السينمائي الذي مازال معروضا في أميركا تحت عنوان «لا نهاية تلوح في الأفق».

والحق أن هذا الفيلم يأتي ثاني اثنين من الأفلام التسجيلية الجادة التي مابرح يتابعها المُشاهد الأميركي الرصين والمثقف الأميركي الملتزم بشكل عام. ورغم أن صفة «التسجيلي» قد تبعد بالعمل السينمائي بداهة عن أطياف الخيال ورؤى الإبداع والمشروعة في مضمار الفنون إلا أن نفس صفة «التسجيلي» هي التي تضفي على العمل طابع الجدية التي تتعامل مع معطيات الواقع بكل صعوبتها - المروعة والبائسة في بعض الأحيان - ولكن بمنطق التزام الفنان إزاء قضايا مجتمعه من جانب وأيضا من منطلق التزام الفنان بتقديم عمل يتمتع بقدر لا ينكر من جاذبية التشويق بحيث يشاهده المتفرج في إطار يجمع بين الجدية والتنوير والمتعة.. ثم يخرج بعد المشاهدة وقد ثارت في نفسه تساؤلات تطلب إجابات.

والحق أن الفيلم التسجيلي الأول وقد حمل عنوان «سايكو» قد حاز شهرة وقدرا ملحوظا من الرواج بفضل الدعاية التي استقاها من شهرة مخرجه «مايكل مور» الذي سبق أن قدم فيلمه في العام الماضي بعنوان «119 فهرنهايت» منتقدا أساليب إدارة بوش الحالية في التعامل مع مختلف القضايا، بيد أن الفيلم الذي نلقي عليه لمحات ضوء في هذه السطور يتساوى بدوره في الأهمية رغم أنه العمل الأول لصاحبه الدكتور تشارلس فيرغسون في دنيا الفن السينمائي.

«لا نهاية في الأفق» عمل سينمائي تسجيلي كتبه وأخرجه «تشارلس فيرغسون» الذي لم يكن أمره ليقتصر على هذا النجاح في السلك المهني بعد أن حصل على دكتوراة العلوم السياسية من معهد «ماساشوستس» المرموق عمل زميلا باحثا في مؤسسة «بروكنغز» وهي في طليعة مراكز هندسة القرارات الاستراتيجية في الولايات المتحدة. في عام 1996 كان شابا في الأربعين ويمتلك حسابا في البنك بمبلغ 14 مليون دولار بعد أن باع شركة الحواسيب التي كان قد أسسها لمؤسسة مايكروسوفت العملاقة..

بعدها أجال فيرغسون النظر من حوله وبدأ يهتم بالشأن العام في بلاده وعندما هدته تحليلاته كأستاذ في علم السياسة إلى جسامة ما ارتكبته الإدارة الحالية في واشنطن من أخطاء في قضية العراق.. قرر أن يتفرغ بفكره وموهبته وأمواله أيضاً لكشف هذه الأخطاء على مرأى ومسمع من عامة الجماهير. كان يؤمن - كما يقول - بأن إصدار الكتب وإبداء الرأي بين صفحاتها أمر مهم ولكن تأثيره محدود في كل حال. ومن هنا كان الاتجاه إلى أكثر السبل انتشارا ورواجا ومتعة وجاذبية وتأثيرا في نفوس أوسع قطاعات الجماهير وهي السينما.

سنتان أمضاهما فيرغسون في كتابة وتنفيذ وإخراج فيلمه التسجيلي إلى أن عرضه للناس في منتصف الصيف الحالي. وكان بديهيا أن لا يتنافس فيلم تسجيلي عن السياسة والحرب - الموقف - المأساة في العراق مع سائر أفلام اللهو والمغامرات والبورنو المكشوف التي تزخر بها السينما الأميركية أو غيرها. صحيح أننا شاهدنا الفيلم مؤخرا في سينما واحدة في نيويورك معروف بأنها متخصصة في العروض الخاصة بالأعمال الرائدة والتجريبية والجادة..

إلا أن قاعة السينما كانت غاصة بالمشاهدين من أجيال مختلفة ظلوا حبيسي الأنفاس طيلة ساعتين إلا عشر دقائق استغرقهما عرض الفيلم الذي أنفق عليه المخرج مليوني دولار والتقى من أجله بنحو 200 شخصية منها شخصيات كانت مؤثرة على قرار اجتياح العراق بل كانت مشاركة في صناعة القرارات التي اتخذت بًعيد احتلال أرض الرافدين (منها مثلا ريتشارد أرميتاج نائب وزير الخارجية.. ولورنس ولكرسون كبير مساعدي الجنرال باول وزير الخارجية السابق.. والجنرال جاي جارنر المسؤول الأول عن الاحتلال في بغداد ثم والتر سلوكومبي الذي عمل كبيرا لمستشاري سلطة الاحتلال التي ترأسها بريمر في عاصمة العراق).

يكاد المرء يعجب كيف استطاع المخرج فيرغسون أن يحمل هؤلاء المسؤولين ومَن سواهم على أن يتكلموا بهذا القدر من الصراحة والإفضاء.. وهنا يجيب «اليكس غبني» وهو سينمائي مخضرم استخدمه فيرغسون كمنتج منفذ للعمل التسجيلي يقول: «لقد أفاد فيرغسون كثيرا من خلفيته الأكاديمية في مجال علوم السياسة ثم من خدمته كباحث في مؤسسة بروكنغر وخبير استشاري لعدد من الوكالات الفيدرالية في الولايات المتحدة».

أما المثقف المخرج نفسه فيبرّر صناعته للفيلم موضحا أنه أدرك أن موضوع العراق بكل أهميته لم يجد من يصنع فيلما جادا من أجل تناوله ومناقشته ومن هنا كان تصميمه على تقديم هذا العمل من أعمال الفن التسجيلي الذي تلعب فيه الأدوار الرئيسية ضفيرة مجدولة - كما نسميها - تتألف من عناصر الحقيقة المسجلة. والآراء المدونة والكاميرا المتطلعة والمونتاج اللماح..

واللقطات الدالة الشديدة الفصاحة وخاصة في مسرح العمليات والأحداث بأرض العراق. ويكفي أن يقوم المخرج بتسجيل عدد من المقابلات التي استغرقت 200 ساعة وأن يستند إلى إفادات وشهادات حقيقية من جانب عدد ضخم من الأشخاص..

ونحسب أننا في العالم العربي بحاجة إلى هذا الطراز من الفنانين الذين يجمعون بين التزام المثقف وبين الوعي الوطني - القومي والمهارة الحرفية وخاصة فيما يقدمونه لجماهير شعوبنا الناطقة بالعربية بكل ما تواجهه من مشاكل التعمية والتجهيل وشحة المعلومات الصحيحة والدقيقة والمستنيرة..

هي نفس حاجتنا إلى هذه النوعية من الأعمال الفنية ذات الرسالة - في مجال السينما ومن ثم التليفزيون بكل ما لهما من جماهيرية وجاذبية بين جموع مواطنينا.. وبكل ما يمكن أن يتمتعا به من بلاغة وجاذبية وتأثير بحيث يصب هذا كله في تعزيز الوعي وتنوير العقل وترقية الوجدان بعيدا عن أعمال لا يكون همّها سوى استسهال الربح وملاعبة الغرائز وتكريس التفاهة.. أو في أحسن الأحوال.. ملء الفراغ فيما لا ينفع ولا يفيد.

بقلم :محمد الخولي