المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يوميات متطوعة في السودان



bode
21-Sep-2007, 01:56
http://www.islamonline.net/Arabic/In_Depth/summer/2003/07/images/PIC03.jpg

الأطفال والنساء يشكلون أغلبية اللاجئين في السودان

اعترض والدي وخبأت أمي "جواز السفر" عندما علما بقراري للسفر إلى السودان لإغاثة اللاجئين هناك وقت نشوب الحرب الأهلية عام 1990؛ فكيف لفتاة صعيدية مثلي أن تعيش بمفردها وسط الحروب والأمراض ومعسكرات اللاجئين؟

ذهب والداي إلى مدير جمعية كاريتاس التي أعمل بها في القاهرة ليمنعاني من السفر، فأقنعهما أنني سأكون بصحبة هيئة دولية لإغاثة اللاجئين هي GRC، وأنني سأكون تحت رعاية السفارة البريطانية ولن أكون بمفردي، بل ضمن متطوعين من جنسيات مختلفة.

والحقيقة أني سافرت، ولم يكن والداي مقتنعين تمامًا، لكن إخوتي البنات الأربع وأخي الأكبر أقنعوهما بالسماح لي بالسفر لأني أحب خدمة الناس، وأني سأكون سعيدة وأنا أؤدي ذلك العمل، وعاد والداي إلى مدينتنا (نجع حمادي) التابعة لمحافظة قنا في صعيد مصر، والتي تبعد 552 كيلومترًا من القاهرة، وسافرت أنا للسودان وعمري وقتها 28 عامًا.

قال لي الأصدقاء والأقارب: هناك في مصر من يحتاج لتطوعك، هناك محتاجون وفقراء، لماذا تذهبين بعيدًا؟ لكني كنت قد شعرت أن هؤلاء اللاجئين ينادونني، بعد أن قضيت شهرًا كاملا مع ثلاثة متطوعين من هيئة GRC جاءوا لزيارة لمصر، عرفني بهم مدير هيئة كاريتاس: "سو" فتاة من ليفربول، "تيري" شاب من أستراليا، "إستيفن" من جنوب إنجلترا، ذهبت معهم للأقصر وأسوان وكل المناطق الأثرية في مصر، كانوا يحكون لي عن عملهم مع اللاجئين وأنا أشعر أني سأذهب معهم إلى هناك، إلى أن عرضوا عليّ العمل معهم، وأكدوا لي أنني لست بحاجة لاجتياز الاختبارات النفسية التي تُجرى للمتطوعين قبل السماح لهم بالعمل مع اللاجئين.

في محافظة البحر الأحمر (بور سودان) كان المعسكر: بيوت وخيام داخل المحافظة نفسها، واللاجئون إما من النازحين من جنوب السودان، أو من الإريتريين؛ فقد كانت الحرب بين أثيوبيا وإريتريا ما زالت مستمرة بعد انفصالهما، لا أنسى منظر الأطفال حفاة على الرمل، سيدات كبيرات في السن ورجال.. كانوا ينظرون إليّ وكأني أمهم، عائلات تأتي جماعات، أطفال يأتون فرادى دون أهلهم وقد عبروا الصحراء مشيًا على الأقدام، بعضهم كان يخبرنا بأن أخاه قد ضل الطريق على بعد ساعات في الصحراء وهو يبكي وشعره مغبر، فتنطلق طائرة هليكوبتر تجوب المناطق القريبة تبحث عن الطفل حتى تأتي به..

عقد من الخرز

ما إن يأتِ لاجئون جدد حتى نبادر بتسكينهم في بيوت المعسكر أو مخيماته، وطوال الوقت نكون على اتصال بهيئة الغذاء الدولية لتوفير الطعام والخدمات الأخرى كالملابس والأدوية وغيرها، نحاول أن نوفر فرصة عمل للبعض، وفصول دراسية للأطفال.

خبرتي بالعمل في التدريس جعلتني أعرف كيف أتعامل مع المكاتب والجهات الرسمية لاستخراج شهادات وأوراق رسمية لهؤلاء اللاجئين؛ ليمكنهم استخراج جواز سفر، أو الأوراق اللازمة لالتحاق الأطفال بالمدارس، أو أي هويات تثبت شخصيتهم؛ ففي وقت الحرب يترك الناس كل شيء من أجل أن ينجوا بأنفسهم.

كان اليوم طويلا جدًّا.. أستيقظ في الخامسة صباحًا من شدة الحر.. لم تكن هذه عادتي، ولا أعود لمسكني إلا في السابعة مساء، فكرت في عمل حضانة للأطفال دون سن المدرسة لأجمعهم فيها مع أمهاتهم؛ حتى أستطيع أن أوفر لهم تطعيمات ضد الملاريا والحمى الصفراء.. الأكثر انتشارًا في هذه الأماكن، واستطعت تنفيذ الفكرة بعد التنسيق مع هيئة الغذاء العالمي لتوفير وجبة إفطار يومية لهؤلاء تحتوي على سكر ولبن وخبز وزيت وعصيدة، وبعد التنسيق مع الصليب الأحمر لتوفير التطعيمات اللازمة، وتوعية الأمهات بأهمية النظافة للوقاية من الملاريا.

حب الناس لي هو الكنز الذي عثرت عليه في السودان، نعمة كبيرة أشكر الله عليها، لا أنسى تلك السيدة العجوز التي أهدتني عقدًا من الخرز كانت تدخر بعض المال يوميًّا لتصنعه من أجلي لتعبر لي عن حبها؛ لأنها لم تكن تتحدث العربية والإنجليزية، لا تعرف سوى الإريترية التي لا أعرفها أنا، ولا أنسى "ساجاي" ذلك الشاب الأخرس الذي كان يبتهج عند قدومي ويحاول مساعدتي طوال النهار.. وقالوا لي إنني عندما سافرت ذهب باتجاه البحر وجلس هناك طويلا حتى ظنوا أنه قد نام، فذهبوا لإيقاظه فإذا به قد فارق الحياة.

الملاريا.. والحرب

قمت بأشياء لم يكن يخطر ببالي أن أقوم بها.. بيدي كنت أقوم بدفن الأطفال الذين يموتون بسبب الملاريا أو غيرها من الأمراض رغم ما كنا نقوم به، لم أكن أتخيل أن الملاريا بهذه القوة، رغم التطعيم داهمتني الأعراض؛ سخونة شديدة، ثم برودة شديدة، قيئ متواصل.. لا أستطيع الوقوف، حملوني للمستشفى، أعطوني محاليل كثيرة لأستطيع الوقوف، وصل وزني إلى 32 كيلوجرامًا، كنا في شهر يناير وكان الاستعداد لحرب تحرير الكويت، نصحني الزملاء بالعودة لمصر لاستكمال العلاج، خاصة أن القنصلية المصرية في بور سودان قد أغلقت أبوابها بسبب موقف مصر من الحرب .

عدت للقاهرة ولم أتوجه مباشرة لأبي وأمي في الصعيد، بقيت عند أختي حتى يعود إلي وزني وأتماثل للشفاء، كان جلدي مثل المحروق من شدة الشمس، وشعري يتفتت ويتقطع من كثرة تعرضه للحرارة المرتفعة، وحينما تماثلت للشفاء عدت لأهلي في الصعيد وأنا أكثر إصرارًا على العودة للسودان مرة أخرى، أحسست كيف أن هؤلاء البشر مغلوبون على أمرهم، لا ذنب لهم أنهم وُجدوا وسط هذه المشكلات. هذه المرة شجعني والداي لأنهما شعرا أني سعيدة بما أقوم به.

في أغسطس كنت أستعد للعودة للسودان، كنت أفكر ماذا آخذ معي من مصر: طعام.. ملابس.. أريد أن آخذ كل شيء، فطوال عام فترة الحرب لم نرَ الأرز أو الخبز أو المكرونة إلا من خبز أبيض للمتطوعين، بمعدل رغيف واحد في اليوم لكل متطوع، إذا تأخر حتى الحادية عشرة لا يجد نصيبه، وإذا لم تتناول هذا الرغيف (الفينو) يصبح مثل الخشب تمامًا آخر النهار، كان المتاح هو البيض والزيت، أما السكر فكنا نحصل عليه من الشركات الأجنبية التي كانت تقوم برصف الطرق، معك نقود لكن لا تجد ما تريده في الأسواق، لا توجد خضراوات، يمكنك فقط أن تعيش على اللحم والموز والمانجو والجريب فروت، والبيبسي كولا(!!) هذه هي الأشياء المتاحة طوال الوقت بأسعار معقولة.

كلما كان هناك فقراء كثيرون في أي مكان فستكتشف فورًا أن هناك قلة من الأثرياء جدًّا، التقيت بعضا من هؤلاء الأثرياء الذين كان أغلبهم متزوجين من إنجليزيات أو فرنسيات، ويرسلون أبناءهم ليتعلموا في الخارج، بعضهم لم يكن لديه وقت ليعرف شيئًا عن معسكرات اللاجئين، لكني لا أنسى "خالد بعشر" من أثرياء السودان الذي التقيته بالصدفة، وسألني عن عدد الأطفال في المعسكر وأعمارهم، وإذا به يرسل لي في اليوم التالي 250 حقيبة بعدد الأطفال، بكل حقيبة حذاء وبرتقالة وموز ولعبة لكل طفل.

فوفو

حياة اللاجئين غير مستقرة؛ بعضهم يسافر، بعضهم يموت، البعض يبقى ويستقر بالمعسكر.. حياة قاسية.. ليس من السهل أن تشعر بما يشعر به اللاجئ، كنت أذهب لأزور بعضهم بالسجن.. لم العجب؟ فالحياة في المعسكر قد تجعل البعض يسرق طعامًا من الجوع، وأحيانًا تنشب مشاجرات ويضرب البعض، وقد تصل الأمور للقتل، لم أكن أشعر أنهم مجرمون، كنت أقول لنفسي: لو أنني مكانهم كنت سأفعل مثلهم من القهر الذي يشعرون به، أول مرة ذهبت لزيارة هؤلاء أخذت معي شطائر من الجبن، حتى عرفت أنهم لا يفضلون الطعام المملح، يفضلون المربى والفول المصري؛ لأنه غالي السعر هناك، أما أفضل ما يحبونه فهو "فوفو" مع المربى، وهي عبارة مطحون الفول السوداني بما يشبه العجين.

لم أرتدِ أيًّا من الملابس التي كنت قد جئت بها من القاهرة أول مرة، كان عليّ أن ألبس ما يلبسونه، ليشعروا أني منهم. لم أرتدِ أيًّا من ذهبي أبدًا حتى لا يشعروا أني متعالية عليهم، الذي يريد أن يتطوع مع اللاجئين يجب أن يعرف كل شيء عن تاريخهم وجغرافيتهم وعاداتهم وتقاليدهم، كانت هوايتي منذ الصغر قراءة تاريخ وقصص الشعوب، وأفادني هذا كثيرًا.

استفدت أيضًا من دراستي للدين الإسلامي وأنا مسيحية، عندما طلب مني دراسة أحد الأديان حتى أقوم بالبحث في الدراسات الإنسانية قبل سنوات من سفري للسودان، ساعدني هذا على تكوين رؤية شمولية، وسهّل التواصل بيني وبين الكثيرين؛ فقد كانت دراستي عن "الظروف التي ظهر فيها الإسلام وتأثره وتأثيره بالديانات الأخرى". أحيانًا كنت أشعر بالإحباط عندما ينظر لي بعض اللاجئين على أني مستعمرة، يقولون لي: أين النقود؟ هل أخذتها؟ وينادونني: "يا مصرية"، أو "يا حمراء" (لوني أحمر بالنسبة لهم).

في السنة الثالثة لوجودي بالسودان علمت بوفاة والدي فقررت العودة لمصر، واستأجرت شقة لأقيم فيها أنا وأمي. العمل التطوعي صنع مني إنسانة لها إرادة؛ أعتمد على نفسي، أعرف قيمتي، اكتشفت مواهب ونعما منّ الله بها علي لم أكن أعرفها في نفسي، إيماني بالقضية جعلني أملك قوة المطالب بحقوق لهؤلاء اللاجئين من أي مسئول، رغم أني طوال عمري كنت خجولة لم أتخيل أن أملك هذه الجرأة.

لا أستطيع أن أبتعد أبدًا عن العمل التطوعي، لكني أستبعد إمكانية أن أخرج في مهمة تطوعية خارج الوطن الآن كتلك التي قمت بها في السودان، عمري الآن قد تجاوز الأربعين، ولا أستطيع أن أترك والدتي بمفردها أبدًا، لكني لا أستغني عن المشاركة في معسكرات من حين لآخر لخدمة نزلاء مستشفى الأمراض العقلية والترويح عنهم، وأساهم في أنشطة لإعداد المتطوعين من واقع خبرتي.

من ذاق حلاوة مساعدة الناس لا يمكن أن يتوقف عن مساعدتهم، كنت أرقب أبي عندما كان مسئول قسم الملاحة في شركة السكر في الصعيد (لأن القصب كان ينقل عبر النيل في صنادل خاصة) وهو يأكل مع العمال ويسمع لمشكلاتهم.. كان هؤلاء العمال وأسرهم يحبوننا؛ لأننا أولاد "الأستاذ حلمي"، هذا الحب لا يمكن أن يأتي من فراغ، كنت أرقب أمي وأنا صغيرة كيف تساعد الفقراء بطريقة دون أن تشعرهم بحرج.. أشياء بسيطة لكنها تحس.

إلهام حلمي