المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجمعيات الاهلية.. هل يمكننا العيش بدونها؟



bode
20-Sep-2007, 08:40
ربما تناهت الى اسماع بعضنا قصص كثيرة عن اشخاص او محسنين، في زمن النظام البائد في العراق، تبرعوا بدنانير او دراهم معدودة لصالح عمل خيري معين، فألقت بهم اجهزة الأمن في معتقلاتها، ثم افرجت عن بعضهم بعد سنوات عجاف، او التهتمهم غياهب السجون فلم يخرجوا منها ابدا. وأنا شخصيا سمعت ربما اكثر من ثلاث قصص من هذا القبيل. سمعت عن شخص وزع عطايا قليلة على الفقراء بعد خروجه من المسجد، فاعتقل ولم يفرج عنه الا بعد إنذار ووعيد بألا يعيد الكرة مرة اخرى، وعن شخص آخر تبرع بنصف دينار لعائلة عفيفة، فسجن لعشر سنوات وقبل أن يطلق سراحه أنذروه بعدم تكرار فعلته "الشنيعة" وإلا أعادوه الى سجنه الذي سوف لن يخرج منه حيا هذه المرة. هكذا هددوه وقالوا له منذرين. وسمعت عن شخص ثالث أنه دخل السجن في بداية الثمانينات من القرن الماضي، بسبب انفاقه على الفقراء، فاختفى أثره الى يومنا هذا.

ترى لماذا كان النظام البائد يخشى من شخص يتبرع بدرهم او درهمين لصالح الفقراء والمساكين؟

ربما تتعدد الإجابة على هذا السؤال. لكن الجواب الحقيقي، في نظرنا، هو أن النظام الدكتاتوري لم يكن يريد للناس القيام بأي دور ولا أي مسؤولية اجتماعية نا هيك عن الادوار السياسية.

ففي عرف الاستبداد أن الدولة يجب أن تكون شاملة وكلية وخارقة الأداء والقدرات، فهي تقوم بكل شيء نيابة عن المواطنين، فتبيع وتشتري وتتاجر وتعجن وتخبز، وتزرع الفجل والبصل والطماطة والبطاطة، وتجني محصول الشلب والبطيخ والرقي وكل انواع الفواكه والخضار وما خلق الله تعالى للناس والدواب، وتقوم بالرعاية الصحية، فتقدم العلاج وتبيع الأدوية وتتعهد بالخدمات الاجتماعية والبلدية، وتحتكر الفكر وطباعة الكتب وتتحكم بوسائل الإعلام المقروء والمكتوب والمسموع، وتصادر الرأي كما تصادرحق المواطنين في المشاركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتنوب عنهم باتخاذ القرارات المصيرية وغير المصيرية، فتشن الحروب او تبني البيوت الطينية او الخوصية، لافرق، وتأمر الناس بالتصفيق لها والهرولة خلفها، واتباع أوامرها كما لو كان المواطنون حفنة من العبيد، او إن صح التعبير "شنقة" عجين تخبزه بيدها، أرغفة او صمونا او كعكا او بسكويتا أو حتى "كليجة" أو " سمسمية" أو "كركري" أو أي شئ آخر. هكذا هي الحكومات المستبدة ومن لم يعجبه فليضرب رأسه أو يشجه بحجر، او ليدخل السجن ويذوق الموت الزؤام هناك الى ابد الآبدين.

هكذا كان الحال في زمن النظام البائد .. الحكومة تدخلت واستولت عل كل شيء كالاخطبوط تماما، فسرقت ادوار الناس وعطلت قدراتهم وكفاءاتهم وأماتت مبادراتهم.. واسكنت حركاتهم وخنقت انفاسهم وذبحت رقابهم ..فماذا كانت النتيجة او النتائج؟

تضخم جهاز الدولة ومؤسسات القطاع العام التي أصيبت بالترهل ونخرتها «سوسة» الفساد الذي استشرى وتحول الى آفة كبرى نتيجة لنهب الثروات الوطنية وإفلاس او وتوقف المصانع عن الانتاج وتحول الأراضي الزراعية المصادرة الى أراض بور إن لم نقل الى صحراء قاحلة!

وكان من الطبيعي ما رأيناه وما نراه من خلل وتعطل لكثير من مناحي الحياة بعد سقوط النظام البائد في العام 2003. لقد ورثنا تركة ثقيلة اسمها" تعطل العقول الآدمية" وكانت من مظاهرها الاتكالية وانتظار الأوامر وعدم القدرة على الاجتهاد والمبادرة، خصوصا في دوائر الدولة ومرافقها العامة. فالموظف والمسؤول والمدير وحتى الوزير لم يكن يجرؤ على فعل شيء الا بعد صدور الفرمان من القائد الضرورة. وياليت الأمر اقتصر على دوائر الدولة ولم يتعداه الى مفاصل المجتمع.

وكان من مظاهر ما ابتلينا به كشعب هو تعود الناس وللأسف الشديد، على الجلوس وانتظار أن تأتينا الدولة او الحكومة بكل ما نريد، كما عودتنا هي .. أن تزرع لنا وتحصد وتعجن وتخبز وتقرر وتبني والى آخر القائمة التي ذكرناها سلفا. أوليس أحدنا يقول ماذا قدمت لنا الدولة ولا يقول ماذا قدمت أنا كمواطن لهذه الدولة ولهذا الوطن؟

ومن عوارض المرض أن المواطن أصيب، بشكل عام، بحالة كسل وخمول وقرف أبعدته عن تحمل المسؤولية وأفقدته الرغبة بالمشاركة في تحمل مسؤولياته والقيام بمبادرات لخدمة وطنه ومجتمعه وبالتالي الوصول الى ما آلت إليه الأوضاع من فساد وهدر للمال العام وترهل ونقص في الخدمات وفوضى في المرافق العامة التي يلجأ إليها لتلبية حاجاته.

هذا هو المرض بعينه وهذا أخطر ما أصابنا من مصائب على الاطلاق ربما اخطر من كل الحروب والدمار والمقابر الجماعية وكل بلاء. فالناس فقدوا أدوارهم او بشكل أصح، لم يعودوا يعرفون أن لهم دورا ينبغي عليهم القيام به.

والدليل على ذلك.. هو عدم معرفتنا، ليس كلنا بالطبع، بشيء اسمه التطوع الفردي والجماعي والمبادرة الى تأسيس الجمعيات الاهلية "غير الحكومية" او الانضمام الى ما هو موجود منها والعمل على تفعيل دورها ومساندتها بالمال اوالكلمة الطيبة. ومن ثم لنترجم ذلك الفهم والادراك الى فعل وعمل جماعي يقوم بكل شيء ابتداء من تنظيف وتشجير الطرقات الواقعة اما بيوتنا ومرورا بتعبيد الأرصفة والشوارع، وتشييد الجسور وبناء المساكن، وليس انتهاء برعاية الأيتام والمرضى والمعاقين وتأسيس المراكز الصحية والخدمية الاخرى.

ولكن ما هو الحل؟

الجواب: لابد لنا أن نقوم بمعالجة الخلل الحاصل وتدارك الأخطاء المرتكبة وإعادة النظر في الكثير من السياسات والممارسات وتأمين التوازن بين واجبات الدولة وواجبات المواطن وحقوق الدولة وحقوق المواطن حتى ينفض الجميع عن أنفسهم غبار الكسل والتواكل ويتخلصوا من روح اللامبالاة واللامسؤولية، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فلابد أن تتخلص الأنظمة والدوائر الحكومية من عقد السيطرة وتوابعها والهيمنة على المقدرات والخوف من التخلي عن أي جزء من صلاحياتها ومسؤولياتها.

لأن المشكلة التي أصابت الناس هي أساسا آتية من فوق، من النظام، من الحكومة، من الدوائر الرسمية والمسؤولين الحكوميين، كما فصلنا من قبل، وما يؤسف له فإن الكثير من أنظمتنا ودوائرنا وموظفينا ومسؤولينا بعد لم يتخلصوا من ثقافة العهد البائد، حتى أن بعض العاملين في منشآتنا ودوائرنا، صار ينطبق عليهم المثال القائل:" لا أرحمك ولا اخلي رحمة الله تنزل عليك" وللأسف الشديد رغم اننا تخلصنا من عهد الدكتاتورية والهيمنة والاستعباد والرقيق. او هكذا يفترض بنا او يرجى منا.

واذن.. فالحل لا بد أن يأتي شاملا جامعا يدواي الناس والمجتمع ككل من جهة ويداوي الدوائر الحكومية من جهة اخرى. لقد التقينا اصحاب جمعيات خيرية كثر وأول المشكلات التي تواجههم اليوم في العراق هي عدم تفهم الناس لأدوارهم من جهة، وعدم تسهيل او عرقلة لأعمالهم ونشاطاتهم من قبل مسؤولي الدوائر الحكومية، من جهة اخرى.

وعلى ضوء ذلك فإن الحل المطلوب ينقسم الى قسمين:

القسم الأول: لا بد من حصول تفهم وادراك كاملين لضرورة وجود وإيجاد الجمعيات الأهلية غير الحكومية حتى تكون بمثابة الأطر والقنوات والسواقي والأنهر التي يسير ويتدفق فيها عطاء الناس ونشاطهم الذي سيدعم وربما يفوق نشاط المؤسسات الحكومية.

القسم الثاني: لا بد من ايجاد ثورة شاملة تقضي على الانظمة والقوانين البائسة التي تعرقل أداء العاملين والموظفين الحكوميين، كما يجب أن تشمل الثورة الادارية هذه العاملين انفسهم حتى يغيروا من عقولهم وثقافاتهم لتصبح نفوسهم وجهودهم في صالح الوطن والمواطن. وبذلك يتحقق التكامل الذي لا بدم منه للحصول على التقدم وبناء الحضارة.

وهذه هي أيضا الخطوة الأولى المطلوبة لتخفيف الأعباء عن الدولة والمواطن في آن واحد وبالتالي تنمية روح المواطنة وإحياء النخوة الوطنية وتعزيز المشاعر بالانتماء الى الوطن والرغبة بالمساهمة في بنائه والدفاع عنه وحماية مكوناته واعتبار كل ما فيه ملكاً للمواطن وليس ملكا للدولة او للحاكم المستبد بناء على قاعدة " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" التي أرسى قواعدها الاسلام.

ففي الدول المتقدمة يسهم الجميع في مسؤولية مواجهة أعباء الحياة والمشاركة في بناء المشاريع والمؤسسات الخلاقة والمنتجة من مستشفيات ومدارس وجامعات وهيئات اجتماعية و جمعيات خيرية تعاونية في مختلف حقول الحياة.

ومهما بلغت ثروات الدول الغنية فإنها لا تستغني عن الجهود التطوعية لمواطنيها أبدا. ففي بريطانيا مثلا هناك اكثر من ربع مليون جمعية خيرية، واكثر من عشرة ملايين متطوع رسمي اسبوعيا، وأن قيمة العمل التطوعي هذا يقدر بحوالي تسعين مليار جنيه استرليني سنويا.

واذا كانت الدول الغنية تحتاج الى هذا الكم الهائل من المتطوعين فكيف بالدول الفقيرة والتي أكلت الحروب فيها الأخضر واليابس؟

ترى كم مليون متطوع سنحتاج لبناء بلدنا وشعبنا وثقافتنا وحضارتنا في ارض الرافدين؟

المصدر رابطة المبرات العراقية

هدى عبدالعزيز
22-Sep-2007, 12:01
ترى كم مليون متطوع سنحتاج لبناء بلدنا وشعبنا وثقافتنا وحضارتنا في ارض الرافدين؟

بارك الله فيك أخ/ bode...