المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أرأيت من اتخذ إلهه هواه ؟



bode
19-Sep-2007, 08:38
هذه قصة طفلة عربية صغيرة تجلس في صفها «الأول أ» تستمع إلى معلمتها بانتباه، والمعلمة تتحدث إليهم عن المساواة بين الناس، وتردد عليهم قول الرسول( ص) «الناس سواسية كأسنان المشط».

وفجأة تدخل الفصل المديرة وتنادي الطفلة الصغيرة وتخبرها بأنه تمّ نقلها إلى الصف «ب»، فنظرت الطفلة إلى المديرة، ثم نظرت إلى المرأة التي تقف بجانب المديرة وتنظر إليها نظرات غاضبة. سألت بتردد: لماذا؟

فقذفت المرأة الكلمات في وجهها قذفا: لأنه لا يمكن أن يتفوق أحد على ابنتي، بنت البلد.. فاهمة؟ يا .... مذكِّرة الطفلة الصغيرة بأنها من بلد آخر. انتقلت الطفلة وصوت المعلمة يتردد على مسامعها « كأسنان المشط.. كأسنان المشط» ®.

مرّ على الحادثة سنوات وسنوات، وما زالت الطفلة مؤمنة بأن الناس سواسية كأسنان المشط، على الرغم من أنّ الخبرات الكثيرة التي مرّت بها، والمواقف التي عرفتها أو سمعت بها تقول لها غير ذلك. نشأت الصغيرة تمقت التعصب، وتراه داء عضالا يفت في عضد المجتمع، وينخر في بنيانه، ولكنّ الناس غفلوا عنه، بل تعودوه، واستساغوه حتى أصبح جزءا في نسيج تكوينهم عصياّ على المقاومة، راسخا في النفوس رسوخ الجبال الراسيات.

يبدو للمتأمل في واقع حياتنا اليوم أنّ قصة الصغيرة تتكرر بأشكال شتى قد لا تعبّر عن التعصب تعبيرا صارخا كما عبّرت عنه تلك السيدة، ولكنها مع ذلك تحتضن بذرة التعصب وتسقيها وتتعهدها بالرعاية والاهتمام.

إننا في كثير من المواقف لا ندرك أننا نصدر عن تعصب سلبي لذواتنا أو لجماعتنا، لأن الممارسات الحياتية اليومية في هذا الشأن أصبحت من الكثرة بحيث عُمِّيت أبصارنا عن رؤية ما فيها من ميل جائر وظلم للآخر وإقصاء للعدل والموضوعية اللذين ننادي بهما ونحن عنهما بعيدون.

وإذا أردنا أن نجعل المدخل إلى الحديث عن التعصب لغويا فإن التعصب كما عرّفه ابن منظور في لسان العرب: من العصبية، والعصبية أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين. وفي الحديث: العصبيّ من يعين قومه على الظلم.

فالتعصب سمة من سمات ضيق الأفق، ومحدودية الرؤية والأنانية العمياء التي لا ترى في الوجود إلا الأنا وجماعتها. إنه يُقصي الآخر، ويغيّبه، فكأنه لا وجود له، وهو بذلك يشيّد حواجز نفسية تقوم بين الناس، فلا يرى أحدهم الآخر.

ولا يبصر أحدهم ما في الآخرين من حسنات وما لهم من حقوق، فلا حقوق إلا لي ولمن معي، ولذلك فإن التعصب يلغي الحقيقة النسبية، ويجعلها مطلقة لا يملكها إلا المتعصب، وهو بذلك يغيّب القوانين والنظام، فلا سلطة للقانون، ولا دور للنظام في مجتمع تسوده العصبية وتطبق عليه إطباقا.

وقد أثبتت الدراسات أنّ الأطفال يتعلمون التعصب في سن مبكرة جدا، فهم يظهرون فهما للأفكار العنصرية والنمطية منذ سن الثالثة، ويمارسونها في كلامهم وأفعالهم بدءا من الخامسة، ولذلك فإن التنشئة الأسرية والاجتماعية لها دور خطير في تغذية الصغار بأفكار حول التعصب للذات وللجماعة .

وتبني أحكام مسبقة عنها من دون تحري السند والدليل الذي قد يدعمها أو ينقضها، إنّ الأسرة قد تربي أبناءها على العمى وهي لا تدرك ذلك ولا تعيه، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، وكذلك المجتمع قد يمدّ جماعته بما يغذي التعصب ويضخمه بحيث يغدو الحق هو ما كان معنا، والباطل هو من كان مع غيرنا، من دون تمحيص ولا تفكير.

وذلك لا يعني أبدا التقليل من أهمية تربية الأبناء على حب الوطن والشعور بالانتماء، والإحساس بالواجب تجاه الأهل والأمة. فهذا لا يمكن أن يسقط في حساب أي تربية تؤسس لبناء مجتمع متماسك قوي.

ولكننا مع ذلك نحتاج أن نربي الأبناء على تحري الحق والعدل والموضوعية في كل ما يأتون وما يفعلون، وألا يكونوا منساقين لهواهم وذواتهم وجماعتهم بحيث يعميهم ذلك عن رؤية الحقيقة، فالمتعصب يميل إلى الإذعان لاتجاه الجماعة السلبي، ولا يظهر مقاومة للظلم أو الهوى وإن عرفه ورآه وأبصر ما يلحقه من أذى بالآخرين، لأنه رُبِّي على ألا يرى الحق إلا معه ومع جماعته قَبِل ذلك أم لم يقبله.

إنّ الأسرة التي تطالب لابنها بما ليس من حقه سواء كان ذلك في المدرسة أو في أي مكان آخر، ولا ترى في ذلك ظلما للآخرين وسلبا لحقوقهم وإقصاء للعدل والموضوعية تربي أبناءها على التعصب لذواتهم وتنشئهم على الأنانية التي تعميهم عن رؤية الآخر وتلغي وجوده.

والجماعة التي تستخدم سلطتها في المجتمع ومكانتها لترفع عن أحد أفرادها سلطة القانون وتعفيه من العقاب تنطلق من العصبية والهوى الذي يقصي العدالة ويلغي النظام، فيكون ذلك إيذانا بالفوضى وضياع الحقوق.

والمسؤول الذي له اليد الطولى في عمله والذي تأخذه العصبية ويقوده الهوى فينتقي للوظائف فيها من يعرفه ومن هو من جماعته من دون النظر في كفاءته وخبراته يتبع هواه ويستجيب لعصبيته ويغض الطرف عن المصلحة العامة وحقوق الآخرين الذين هم أولى بالوظيفة وأحق بها.

ولعل المجتمعات اليوم تمارس على أفرادها، واعية أو غير واعية، ضغوطا كثيرة لينخرطوا في اتباع التعصب وينقادوا له انقيادا، ولعل التعصب الرياضي الذي نراه في الملاعب مترجَما في شكل معارك دامية قد تصل أحيانا إلى حدّ إزهاق الأرواح شاهد قوي على ما نقول.

وبرامج المسابقات التي تعتمد على تصويت الجمهور شاهد آخر، فهذه البرامج تغذي الأجيال الشابة بالتعصب وتقويه في نفوسهم، وتقصي عن تفكيرهم معيار الموضوعية والعدل في حق الآخر.

ولو تأملنا كلامنا اليومي وأفكارنا الشخصية التي نحاور بها أنفسنا بعيدا عن رقابة الآخرين لوجدنا أنها تفيض بالتعصب، ولا مكان فيها للعدل والموضوعية وإحقاق الحق. الحق لا يحيا في مكان تزاحمه فيه العصبية ويعلو فيه صوت الهوى، والعدل يحتاج إلى قوانين تحميه وشرائع تذود عنه ليأخذ كل ذي حق حقه.
بقلم :د.لطيفة النجار

abobader
19-Sep-2007, 09:30
جزاك الله خير

دينا
19-Sep-2007, 04:49
قال الرسول عن تلك العصبيه انها منتنه ........وهي بالفعل كذلك

بارك الله فيك بودي على النقل

سليل
20-Sep-2007, 01:20
موضوع جدا رائع بودي بالرغم من اننا في زمن لما يعد يتساوى الافراد .....

اليزيدي (الرياض)
21-Sep-2007, 02:40
مرحبا
شكرا بودي على هذه الموضوعات المفيدة يعطيك العافيه