المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاسرة تحت اوار الحرب



bode
19-Sep-2007, 01:22
المرأة العراقية والمحنة المستمرة

الحروب تمثل اقسى الازمات والكوارث التي تمر بها الامم والشعوب عموما.. وهي فترات مهولة ومخيفة وذات اثار وخيمة ربما تدوم قرونا من الزمن وربما ايضا يتعثر اصلاح عواقبها السيئة لامد طويل، والاسرة التي تقع في منطقة يشملها اوار الحرب تعاني من آثار سيئة للغاية وربما تكون معاناتها قاسية، مر يرة، طويلة، متعددة الاشكال. وتختلف الحروب في اشكالها فهناك نزاعات داخلية ربما تحصل في البلد الواحد فتكون محدودة الاثار وهناك هجوم من دولة على دولة فيكون الامر احتلالا وهو اكثر اشكال الحروب ضراوة واثاره السلبية عميقة للغاية.

وكان القرن العشرون مسرحا مؤلما لحروب طويلة وعديدة ابرزها حربين عالميتين اودت بحياة الكثيرين ناهيك عن الاضرار التدميرية الاخرى وحسب الاحصاءات العالمية فأن المتضررين المدنيين في الحرب خلال السنوات الاولى من القرن المنصرم كان 5% ارتفع الى 90% في العقد الاخير منه وكان حصاد الحرب العالمية الاولى 30 مليونا من البشر والثانية 8،54 مع اضرار عديدة ابرزها مجزرة هيروشيما وناكازاكي ولا ينكر على احد ان ضحايا الحروب هم اكثر من ضحايا الامراض البيئية ، وان الحروب لاتستثني احدا في آثارها فهي تؤثر على الصغير والكبير والمرأة والرجل.. ويخطىء من يتصور ان اثار الحروب تكون فقط على من حضرها فأن تطور البث الاعلامي والتقني ادى الى سرعة وصول الاخبار وكفاءة عرض الصور والمشاهد الامر الذي ترك اثاره على نفسية المشاهد وان كان بعيدا عن ارض المعارك ومنذ الايام الاولى لشن الحرب على العراق قضت مجموعة من النساء نحبهن بسبب مشاهدة الصور المؤلمة مع تزايد نسبة امراض ارتفاع ضغط الدم وحالات الاضطراب النفسي والهستيريا والازمات القلبية.

الاسرة .. ونار الحرب..

الامن والهدوء هو مبتغى كل امة وجماعة واسرة ولعل هذه الحاجة الانسانية الواضحة هي التي اشار اليها القرآن الكريم في قوله تعالى (فاليعبدوا رب هذا البيت الذي اطعمهم من جوع وامنهم من خوف) وفي الحديث نعمتان مجهولتان الصحة والامان.

وبينما تشن الحروب فان هذا يعني استخدام الاسلحة المتنوعة والاشد فتكا بالابرياء.. ففي الحرب الامريكيةعلى العراق استخدمت اسلحة ممنوعة دوليا كالقنابل العنقودية واخرى متطورة وفتاكة حيث انها لا تنفجر قبل ان تدخل الجسد البشري وهذا معناه اصابات خطيرة وفادحة واعاقات طويلة المدى ولايمكن علاجها، اضافة الى الاستفادة من اليورانيوم المنضب والاسلحة الاخرى التي تحدث آثارا بيئية طويلة يكفي انها تسبب عقم النساء اضافة الى مختلف انواع السرطان وخاصة عند الاطفال..

وعند الحروب تدمر المؤسسات والابنية والمراكز على اختلاف انواعها وقد تتعرض المختبرات الخطيرة ومواقع دراسة الاشعاعات النووية الى حالات تخر يب وتدمير واسعة.. ففي التخريب الذي تعرض له مركز التويثة النووي في بغداد والذي كان مهتما بدراسة الاشعاعات النووية اختفت حتى النظائر المشعة الخطيرة بالاضافة الى تسرب المواد الاشعاعية من الحاويات الامر الذي جعل الاوساط العالمية في قلق من كارثة بيئية قد لاتطال العراق وحده بل بلدان عديدة رغم نداءات منظمة الصحة العالمية بضرورة الحفاظ على هذه المراكز حفاظا على الصحة العامة.

الهجرة والحرب

الحرب تؤدي الى هجرة العوائل والاسر الى اماكن اخرى ربما تهاجر هذه الاسر قبل الحرب وربما اثناءها بعدما تهدم الدور والمساكن الامر الذي يتطلب البحث عن ملجأ امن وهذا يؤثر على الخارطة الديموغرافية للمجتمع.. ففي الحرب اللبنانية كانت الاسر المهجرة اكثر عددا من الاسر غير المهجرة وهي ايضا تضم عددا كبيرا من الافراد الامر الذي يشكل عبئا على المعيل والذي غالبا مايكون امرأة بسبب ذهاب الرجال للحرب .. وفي ازمة خانقة كهذه يزداد البؤس والفقر والحرمان والامراض النفسية ولعل الاطفال هم اكثر الشرائح تعرضا لذلك .. فبعد الحرب في موزمبيق كان هناك 200 ألف طفل اهتمت بهم عائلات بديلة.. وفي الحرب العراقية التي فرضت على ايران عثر على اطفال بقوا احياء تحت الانقاض بعد وفاة اسرهم.. وايضا كانت هناك هجرة واضحة للاسر من المدن التي تعرضت للاضرار مثل ابادان وخرمشهر وطال امد الهجرة الامر الذي كان له اثارا واضحة.

الاطفال والحرب

الاطفال هم اكثر فئات المجتمع عرضة للآذى والدمار السريع خاصة البيئي منه. . والطفل ينظر ببراءة الى المحيط الذي حوله وهو ذو فطرة سليمة فيحمل الحب والرحمة والحنان لكل شيء ولهذا لايمكنه ان يشن الحرب على احد.. وهو ايضا يربط الحرب اذا ماحدثت بذاته فهو يتصور نفسه هو المقصود من الحرب ولايعرف السبب لذلك فيقدم سببا من نفسه بانه شخص منبوذ وتزداد الحالة النفسية الما وضراوة اذا كان هناك اطفال ضحايا واذا كان الطفل يرى صور الضحايا.

في دراسة نفسية للطفل الفلسطيني بعد الانتفاضة وجد ان لدى الاطفال سؤال طرحوه على الاباء: ابتاه هل ستحموننا من الموت.. وفي تقرير صحفي عن اطفال العراق قبل بدء الحرب وجد ان الاطفال متشائمون من الحياة وسؤالهم هل سنكبر حقا.. انهم لايرون الا الموت ومن الصعب ان ينسون انهم غير مستثنين من هذه الحرب الشريرةوبالتالي فهو يتوقع الموت في كل لحظة ويعيش الكوابيس والاحلام المزعجة ويعاني من امراض عديدة ومشاكل منها التبول اللاارادي ، والم في الرأس والمعدةسببه نفسي من مظاهر العنف ولوحظ ايضا ان نمو اللغة يتأخر عند الاطفال بسبب حديث الاباء المتواصل مع الكبار عن الحرب وعدم وجود الوقت الكافي للكلام الجميل مع الاولاد ولهذا ايضا تظهر حالات التلعثم والتأتأة بشكل متزايد.

الطفل علي اسماعيل الذي نقلت صورته وكالات الانباء بعد ان فقد يديه واسرته وتعرض الى حروق من الدرجة الاولى كشف معاناة واضحة ومؤلمة يعيشها الطفل العراقي الذي يعي الاحداث بعد الحصار الطويل الذي حرمه من الذهاب الى المدرسة وبعد ان فقد اسرته كلها وهو لا يتصور كيف انه افتقد امه واباه مصدري الرحمة والعلائق الاساسية مع الطفل وفي واقعة حلبجة كان الضحايا الاكثرهم الاطفال الذين قدر عددهم بـ 4 آلاف طفل بين جريح وشهيد .. والذين بقوا احياء من هؤلاء عانوا من العمى وحالات اضطراب التنفس الرئوي والحروق الجلدية.

ان الاطفال هم الذين يدفعون ضريبة الحروب اولا .. ففي حرب البوسنة اجبر الاولاد على مشاهدة حالات عنف شديدة من اغتصاب وقتل وتدمير .. وهذا يخلق لدى الاجيال فكرة مفادها ان العنف هو العلاج الوحيد لحل المشكلات وان الحروب هي الحل المثالي لمايعانيه العالم.. وهذا يحدث لآن الطفل لم يكتمل نموه وبناؤه النفسي وبالتالي فهو في هذا الخضم سيتلقى تعليمات جديدة يتعود على تقبلها.. وبالتالي يزداد الطفل عدوانية وعنفا.

لاننسى ايضا ان الحرب تعني تدمير المدارس ومعناه حرمان الاطفال من اكمال التعليم.. وتبدو الحالة مؤلمة في العراق فأن 25% من اطفال العراق حرموا من الدراسة بسبب الحصار المفروض عليهم والان تعرض الاطفال الى حالات اعاقة والى حروق والى غياب المعيل وتشتت الاسرة واحتراق المؤسسات التعليمية .. فكيف يتعلم هؤلاء في هكذا ظروف حرجة؟

المرأة والحروب

تحدثت وسائل الاعلام عن احوال المرأة العراقية ابان الحصار والحرب وعجبت من التفاوت الكبير في تسليط الضوء على معاناة المرأة العراقية مع مقارنة بسيطة لما حدث للاسيرة الامريكية جيسيكا التي اسرها العراقيون مع بدء الحرب فملآ اسمها الوكالات والصحف ثم اطلق سراحها فحظيت بهدايا فخمة من العرب وغيرهم وسرى الابتهاج بها في نفس الوقت الذي نقلت فيه وسائل الاعلام صورا لمقبرة جماعية في بغداد وبعد الحفر البسيط تم اكتشاف امرأة بضفيرة طويلة عانت من تعذيب شديد وحرق واعدام ودفنت بطريقة لاتتناسب حتى مع المبادىء الاسلامية الاساسية وهذا يكشف عن معاناة المرأة في ظل النظام الدكتاتوري الذي تزعمه صدام، فالمرأة كانت وسيلة ضغط لانتزاع الاعترافات وهي ايضا محطة هجوم متى ما اراد النظام.

وتقدر الاحصائيات وجود 100ألف امرأة مابين سجينة ومفقودة الاثر ناهيك عن حالات التعذيب التي عاشتها في ظل النظام ولازال اسم الشهيدة بنت الهدى يتصدر القائمة. حينما شنت الحرب على العراق كانت هناك 150 ألف امرأة حامل معرضة للاجهاض.. واذا عرفنا ان النساء الحوامل في الحرب العالمية الثانية قد ولدن اجنتهن وهي تحمل بقعا زرقاء وحالات توتر عصبي ونفسي سريع، ادركنا اثار الحروب على النساء.

وايضا المرأة الحامل تحرم من المتابعة الصحية بسبب الحرب وهي ايضا تعيش آلام البحث عن لقمة العيش او توفير القوت للاطفال.. ومناظر النساء وهن يعانين البؤس والجوع في ظل حرب وحصار وغياب الاحباب في السجون والمعتقلات وهو امر غير قابل للنسيان ابدا.. استخدام الاسلحة الفتاكة ولد عند النساء حالات من التشوهات الرحمية للاجنة وحالات العقم لدى الفتيات وازدياد نسبة سرطان الرحم والثدي وغيره اضافةالى تفاقم الامراض النفسية وعلى رأسها الهستيريا.

في تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في عام 2002 عن المرأة والنزاعات والذي صدر في اليوم العالمي للمرأة جاء فيه «تحمل الحروب والنزاعات هولا كبيرا بالنسبة الى المر أة ولا تقتصر مخاوف المرأة على الدمار والاضطرابات والاصابات والموت، بل تمتد لتشمل خوفها من عمليات الاغتصاب والتعذيب والاذى الجسدي والجنسي والعبودية الجنسية او الاقتصادية، والعلاقات او الزيجات الجبرية»، ويضيف التقرير ان 20 ألف الى 50 ألف امرأة تعرضت للاغتصاب في البوسنة، كما ان ظاهرة العبودية الجنسية شائعة في الموزمبيق.

وايضا تضطر المرأة لاعالة اسرتها واطفالها لغياب الرجل، حيث يقول التقرير (ان النساء في البوسنة واجهت صعوبة بالغة في اعادة بناء منازلهن لآن عملية بناء البيوت تعتبر نوعا من الطقوس الاجتماعية التي تخضع للتعاون المتبادل بين رجال القرية).. بالاضافة الى ارتفاع عدد الاسر التي تترأسها امرأة وهذا معناه زيادة نسبة الفقر.. ففي موزمبيق التي دامت فيها الحرب 22 سنة اودت بحياة مليون شخص وفي حرب لبنان عاش ثلث السكان تحت خط الفقر المطلق وتنقل لنا وكالات الانباء صور معاناة النساء الباحثات عن اولادهن وازواجهن في رحلة ربما تطال العمر كله.. وربما تكون النهاية مؤلمة اكثر واكثر..

والحرب تفرز تغيرات اجتماعية بعيدة المدى فالمرأة التي تعيل اسرة كبيرة يتعثر حظها في الزواج وتشكيل اسرة.. وايضا تقل نسبة الذكور الى حد بعيد الامر الذي يهدد البنية الاجتماعية للمجتمعات وقد تولد عادات جديدة ونظرات ورؤس اجتماعية ربما لم تكن موجودة سابقا.

الحرب - الاسرة - الصحة

نستطيع القول ان اثار الحروب على الاسرة عديدة وطويلة والاثر البيئي بفعل انواع الاسلحة (الانشطارية الجرثومية الكيماوية، النووية) تكون عميقة.. واثار تدمير وحرق المنازل والمدن خطيرة ايضا وربما يفوق اثرها المخاطر الناجمة عن بئر نفطي محترق وهذا ينذر بكارثةصحية تنفسية اضافة الى انتشار الامراض والاوبئة كالكوليرا والحمى السوداء والملاريا ، وحمى مالطة والتي غالبا ما يكون سببها عدم توفر المياه الصالحة للشرب وافتقاد الخدمات العامة.

وتشكل الاعاقات لفرد من الاسرة اثرا باقيا مدى الحياة فالشخص المعاق بحاجة الى عناية ورعاية خاصة كما انه قد لايستطيع العودة الى دائرة الحياة والعمل وبالتالي فلا بد من سد الحاجة الاقتصادية.. ويمكن استقراء تدهور الحالة الاقتصادية للفلسطينيين بعد الانتفاضة حيث ازدادت البطالة اضافة الى الغلاء ففي فلسطين منذ ايلول 2000 كان هناك 40 ألف جريح منهم 5 آلاف اصيب بالعجز المطلق.

وللاسف فان اثار الحروب تبقى في افرادها حتى بعد انتهائها ، انهم يسترجعون مآسي الحرب في التدمير والحرق وغياب الاحبة والهجرة.. وفي تقارير الاطباء ان الذين يستذكرون وقائع الحروب في شريط الذاكر ة يعانون من حالات وازمات تشابه حالة الذين يعيشون هذه الاحوال الان ولكن بدرجة النصف ولهذا نراهم يعانون من صداع والم واختلال الذاكرة.

وفي المجازر الوحشية تبقى الذاكرة الانسانية الجمعية كلها متفاعلة في مآسي صبرا وشاتيلا وحلبجة ، سوسنكرد وكفر قاسم وغيرها.. صور مخزونة في الذاكرة الانسانية تعيش لحظات الحرب كلما طرقتها مخيلة التاريخ. وتزداد نسبة الوفيات عند الذين عاشوا في اهوال الحرب ويتذكرون مشاهدها المؤلمة 3 أضعاف الذين عاشوا في احوال آمنة.

وبهذا تبقى الحروب مهدمات للحضارة الانسانية فهي تأكل الاخضر واليابس وتفصل الاجيال عن حضارتها وتراثها ولعل تدمير المتحف العراقي مقصود منه ابادة حضارة الامة في ذاكرة الاجيال كي تقطع العلائق بين الجيل والحضارة وهذا الانسلاخ الذي يعيشه الفرد الامريكي المقطوع عن الحضارة الانسانية لحداثة عصره الذي لايمتد الى اكثر من 7 قرون.. هذا الانسلاخ الذي يراد به تهميش العلاقة مع التاريخ الطويل الذي اجج الحضارة البشرية قبل 7 آلاف عام.. هذا الانسلاخ هو المقصود منه في عمليات التدمير الحضاري لتراث الامم..

وتبقى الاسرة تجتر آلامها واحزانها وتبحث عن التعايش مع واقع الحرب بصورة قد لاتمتلك مقوماتها.. ويبقى الامن والامان هو حلم الجميع صغارا وكبارا وهو امنية كبيرة قد لاتجد سببا لتحقيقها في هذا الزمن الذي تحول فيه العالم الى مجتمع الغاب بكل همجيته ووحشيته وقسوته.
كفاح الحداد