المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المرأة والنزاعات



bode
19-Sep-2007, 01:02
عانت المرأةُ عبر التاريخ من هولَ الحروب والعنف. ومنذ نهاية الحرب الباردة، تبدّل شكل الصراعات من صراعاتٍ "مدَنيةٍ" إلى نزاعاتٍ داخليةٍ غالباً ما تكون معقَّدةً وكأنّها بلا نهاية. وقد أصدرت منظمة العمل الدولية تقريرَين جديدَين لدراسة الطبيعة المتغيّرة للصراعات وآثارها على المرأة. واستنتج التقريران أنّ المرأة لا تزال تدفع الثمن غالياً في بؤر التوتّر التي تشوب عالمنا الحالي.

تحمل الحروب والنزاعات هولاً كبيراً بالنسبة إلى المرأة. ولا تقتصر مخاوف المرأة على الدمار والاضطرابات والإصابات والموت، بل تمتدّ لتشمل خوفها من عمليات الاغتصاب والتعذيب، والأذى الجسدي والجنسي، والعبودية الجنسية أو الاقتصادية، والعلاقات أو الزيجات الجبريّة.

وغالباً ما تبتلي المرأة بخسارة عائلتها أو زوجها أو مهنتها أو دخلها ومصدر رزقها. ووفقاً لتقريرٍ صادرٍ عن منظمة "المرأة للمرأة الدولية"1، تعرّضت 250 ألف إلى 500 ألف امرأة وفتاة، لا يزيد عمر بعضهنّ عن خمس سنوات، خلال الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا إلى التعذيب والأذى الجسدي والاغتصاب.

ويضيف التقرير: "بالإضافة إلى الصدمات العاطفية والجسدية التي تسببّها حالات الاغتصاب، وضعَت نساء كثيرات أطفالاً من مغتصبيهنّ (تشير التقديرات إلى 5000 حالة حمل نتيجةً لاعتداءات جنسية)، كما أنّ أخريات كثيرات يعانينَ من مشاكل صحية وإصابات بأمراضٍ تتناقل جنسياً مثل داء نقص المناعة المكتسبة/الإيدز".

وفي بعض الحالات، تكون آثار الحروب والنزاعات على النساء والفتيات أكثر دقةً، ولكنّها لا تقلّ أذى. وتشير زلاتا فيليبوفيتش في يوميّاتها المنشورة في العام 1994 إلى الخوف والذعر والريبة التي ترافق دويّ الانفجارات البعيدة التي تقترب شيئاً فشيئاً.

وتكتب في يومياتها المؤرخة في يوم الأحد 5 نيسان/أبريل 1992، ساراييفو: "أحاول إنجاز فروضي المنزلية (القراءة)، ولكنّني لا أستطيع. يدور شيء ما في المدينة. يمكننا سماع القصف المدويّ آتياً عبر التلال... نشعر بقرب حدوث أمر ما، أمر سيئ للغاية".

وغالباً ما تجد المرأة نفسها عالقةً في الصراعات على السلطة التي تتنازع فيها الدول والفصائل، فتشعر بأنّها ضعيفة بينما يبدأ عالمها بالتداعي والانهيار. غير أنّ المرأة تشدّد دائماً في كتاباتها وتصريحاتها حول الحروب والصراعات على أهمية تحرير المرأة من وصفها ضحيةً تتلقّى النتائج. وفي تحدّيها للأحداث أو الأسياد الجدد، تناضل المرأة للبقاء على قيد الحياة. وفي هذا السياق، تقول روزالي، وهي لاجئة بوروندية في تنزانيا: "الحرب بدّلت حياتنا وليس روحنا".

حروب دمويّة، حروب جديدة

وفي تقريرٍ جديدٍ أصدرته منظمة العمل الدولية حول المساواة بين الجنسَين والنزاعات المسلّحة، برزت مسألة وحشية الحروب وكيفية تعاطي الناس معها. وقد تمّ إعداد التقرير لصالح برنامج م ع د المركزي حول الصراعات وإعادة الأعمار، وهو يشمل النزاعات المسلّحة في أفريقيا، وأوروبا، وأميركا اللاتينية، ومنطقة الشرق الأوسط، ويسلّط الضوء على بعض استراتيجيات البقاء المعقّدة التي تعتمدها النساء في مواجهة الاضطرابات الكبرى.

ويرسم التقرير صورةً قاتمةً لـ"إحصائيات الحرب". فالحرب في الموزامبيق دامت 22 عاماً وأودت بحياة حوالي مليون شخص، تاركةً البلاد تتخبّط في العوز والحرمان. وأدّى النزاع الذي دام 35 عاماً في غواتيمالا إلى تدمير أكثر من 400 قرية بشكلٍ كامل، وإلى التسبّب بعيش ثلث السكان في فقرٍ مدقع. أمّا الحرب في البوسنة، فقد سبّبت بتهجير مليونَي شخص، وبتقسيم البلاد وفقاً للانتماءات الإثنية. وفي لبنان، أدّت الحرب إلى تفكيك العائلات وتمزيق البنى الاجتماعية، وإلى انتقال ثلث السكان للعيش دون خطّ الفقر المطلَق.

ووفقاً للتقرير الصادر عن منظمة العمل الدولية، فإنّ الطبيعة الضبابية لهذه النزاعات أدّت إلى اتساع مدى العنف. وبعكس الحروب السابقة التي كانت تتضمّن معارك نظامية بين الجيوش، لم تؤدِّ نزاعات حديثة كثيرة إلى إغراق بلدان ومجتمعات محلية بأسرها وحسب، بل بلغت أيضاً مستوىً جديداً من الوحشية ضدّ غير المقاتلين.

وباتت النزعات الحديثة تتضمّن بشكلٍ متزايدٍ أعمال العنف التي تستهدف المرأة تحديداً. وتشير التقديرات إلى تعرّض 20 ألف إلى 50 ألف امرأة إلى الاغتصاب في البوسنة وحدها، إلى جانب اعتداءات تهدف إلى ترهيب المجتمعات المحلية والانقضاض على الهويات الإثنية. ويُقال إنّ ظاهرة العبودية الجنسية شائعة في الموزامبيق حيث تتعرّض المرأة أيضاً للضرب والتعذيب.

بالإضافة إلى هذا، عرّض التغيير الذي لحق بتكنولوجيا الحرب إلى تعريض غير المقاتلين والسكان المدَنيّين إلى مزيدٍ من المخاطر، وذلك عبر استعمال أسلحةٍ من نوع الألغام الأرضية المضادة للأفراد، والغازات السامّة، والقنابل الإنشطارية، والأسلحة الكيماوية، والذخائر الخفيفة. وفي الحروب المعاصرة، نادراً ما يكون خطّ المواجهة خطاً حقيقياً.

مجتمع متقلّب

أحد أبرز آثار الحروب والنزاعات هو تدنّي عدد الذكور بفعل الوفاة والسفر والهجرة للعمل. ونتيجةً لذلك، ارتفع عدد الأسر التي تعيلها امرأة، وغالباً ما حصل ذلك في ظروفٍ صعبة للغاية. ووجد التقرير أنّ الأسر التي تعيلها امرأة شكّلت نسبةً كبيرةً من الأسر التي تعيش في الفقر المدقع، بسبب خسارة الدعم المالي ومساهمة أعضاء الأسرة من الذكور والذين كانوا المعيلين الأساسين لتلك الأسر.

بالإضافة إلى هذا، قد تشكّل القواعد الاجتماعية مزيداً من العوائق التي تصعّب ظروف النساء اللواتي اضطُررنَ إلى إعالة أسرهنّ. في الموزامبيق مثلاً، يحصل التفاوض للحصول على الأراضي عن طريق الرجل، سواء كان زوجاً، أو خالاً في المجتمعات التي تعتمد القرابة لجهة الأم. وفي البوسنة، واجهت النساء صعوبةً بالغةً في إعادة بناء منازلهنّ لأنّ عملية بناء البيوت تُعتبَر نوعاً من الطقوس الاجتماعية التي تخضع للتعاون المتبادَل بين رجال القرية.

وبالإضافة إلى ارتفاع عدد الأسر التي تترأسها امرأة، أدّت النزاعات أيضاً إلى زيادة حجم الأسر بحيث باتت تضمّ الأفراد الإضافيين الذين تهجّروا من ديارهم، أو الأطفال المتروكين أو الأيتام. وفي لبنان مثلاً، كانت الأسر المُهجَّرة تفوق بحجمها تلك غير المهجَّرة. أما في الموزامبيق، فقد أنتجت الحرب 200 ألف طفل يتيم اهتمّت بهم عائلات بديلة.

ويشكّل الزواج أحياناً بالنسبة إلى النساء اللواتي يترأسنَ عائلات كبيرة وسيلةً لتحقيق الأمن الاقتصادي والجسدي، غير أنّ انخفاض عدد الذكور البالغين زاد من صعوبة هذا الأمر. وبات من الصعب للغاية على المرأة التي تعيل عدداً كبيراً من أفراد عائلتها، أن تجد مَن يرغب في التقدّم لطلب يدها. وإلى ذلك تعاني المرأة غير المتزوّجة في غواتيمالا والموزامبيق ولبنان من وصمةً اجتماعيةً مؤلمة.

الاستفادة من أوقات الشدّة

في إطار سعي نساء كثيرات إلى البقاء على قيد الحياة أو إعالة أفراد عائلاتهنّ، وجدنَ أنفسهنّ مُجبَرات على الاضطلاع بأنشطة جديدة، أو على تعلّم أعمال جديدة غالباً ما تُعتبَر من "أعمال الرجال".

غير أنّ التقرير يعتبر أنّ توجّه النساء نحو المهن التي تُعتبَر تقليدياً من اختصاص الرجال لن يدوم طويلاً. وتشير النساء الإريتريات اللواتي شاركنَ في الحرب ضدّ أثيوبيا أنّه رغم معاملتهنّ بالتساوي مع الرجل خلال الحرب، إلاّ أنّ ظواهر الأدوار التقليدية والمجتمع الأبوي الذكوري سرعان ما عادت إلى المجتمع بانتهاء الحرب وفي خلال الحرب في البوسنة برز نوع من المرونة في مجال المساواة بين المرأة والرجل من حيث الأدوار والمسؤوليات، لكن سرعان ما عادت المفاهيم التي كانت سائدة قبل الحرب، مع التركيز على واجبات المرأة المنزلية وعليه، يدعو التقرير إلى دراسةٍ أفضل لكيفية الحفاظ على "منافع أوقات المحنة" في زمن السلام الذي يليها.

بالإضافة إلى هذا، يحذّر التقرير من تطبيق ما يُعرَف بالمساعدات التي تستهدف عادةً المجموعات الموصوفة بالـ"ضعيفة" أو "المتأثِّرة بالحرب"، مثل "النساء" أو "الأسر التي تترأسها امرأة". ووفقاً للدراسة، تفيد تجربة الموزامبيق أنّ مجموعات بهذا الحجم تُخفي تغيّرات واسعة ولا يمكن اعتبارها مؤشرات جديرة بالثقة لقياس الفقر أو درجة الضعف. وفي غواتيمالا، فإنّ توجيه المساعدات حصرياً إلى العائدين أدّى إلى تفاقم التوتّر والخلاف مع الفئات السكانية الأخرى التي طالها الفقر.

ووفقاً للتقرير، وبما أنّ "تجربة النساء" ليست واحدةً موحَّدة خلال الحروب، فإنّ استراتيجيات إعادة الأعمار يجب أن تستجيب أيضاً إلى الحاجات الخاصّة بكّل مجموعة من المجموعات، وأن تضمّ النساء من خلفيات مختلفة.

الواقع الأفغاني على اختلافه

وفي ما يتعلق بأفغانستان، تصف دراسة جديدة صادرة عن منظمة العمل الدولية الآثارَ التي طالت المرأة الأفغانية نتيجةً لمختلف الأنظمة التي حكمت البلاد قبل الاجتياح السوفيتي ومنذ الاحتلال السوفيتي في العام 1979، مشيرةً إلى أنّه "من الواضح أنّ انتهاك حقوق المرأة في أفغانستان هو جزء من ظاهرةٍ أوسع حوّلت البلاد بفعل 23 عاماً من النزاع".

وقد توصّلَ التقرير إلى عددٍ من الاستنتاجات، أهمّها أنّه بخلاف الأفكار المقولَبة السائدة، فإنّ المرأة الأفغانية "لم تكن ضحية سلبية أو واهنة"، بل إنّها تعتبر نفسها "تتمتّع بقوّةٍ كبيرةٍ، خصوصاً ضمن العائلة وفي توسّطها لتحقيق السلام، أو التعبئة/أو تسريح الجنود للقتال".

ويضيف التقرير أنّ "عدم إقرار الجهات التي تقدّم المساعدات بالشكل الملائم بهذه الأدوار أدّى إلى تفويت فرص تعزيز السلام وانتعاش البلاد. فالمرأة تنظر إلى نفسها أولاً وقبل كلّ شيء ضمن إطار العائلة، وهذا ينعكس عبر تفضيل آليات التغلّب على الصعاب في أوقات المحن. ونتيجةً لذلك، تبرز حاجة الوكالات إلى التركيز على العائلة بصفتها حجر الزاوية لبناء مجتمع أفغاني ينعم بالسلام والازدهار، بالتزامن مع تأمين شبكة أمان للفئات الأكثر ضعفاً".

ويلاحظ التقرير أنّه نتيجةً لظاهرتَي "الترمّل والتهجير، ازداد عدد الأسر التي تترأسها امرأة، بينما أدّى غياب الرجل لفترات طويلة لخوض الحرب إلى اضطلاع المرأة بمسؤوليات جديدة. بالإضافة إلى هذا، أثّر وصول منشآت الخدمات الصحية والتعليم والتدريب على المهارات المهنية (في بعض الحالات) إلى مخيّمات اللاجئين، على تغيير الممارسات والتطلّعات".

مأساة واحدة يعبّر عنها صوتان

بينما كانت الأسلحة الثقيلة تجتاح ساراييفو، بدأت والدة زلاتا تغرق في حالةٍ من الكآبة واليأس، غير أنّ زلاتا حاولت التمسّك "بنمط العيش الطبيعي"، فواصلت العزف على البيانو، وتمرّنت على عزف مقطوعاتٍ لباخ وشوبان، حتى عندما كان القصف يدويّ آتياً عبر التلال. وكان عدد كبير من أصدقائها وعائلاتهم قرّر في وقتٍ سابقٍ هجر المدينة.

وفي أفغانستان أيضاً شاهدت لطيفة البالغة من العمر 16 ربيعاً الآخرين يرحلون عن ديارهم، ومنهم أخواها اللذان غادرا البلاد، وصديقتها أنيتا التي ذهبت بحثاً عن أبيها. أمّا لطيفة، فهي تعيش حالياً في المنفى في باريس، غير أنّها لا تحلم بالبقاء في ما تقدّمه لها فرنسا من ترفٍ نسبيّ. وعلى غرار نساء كثيرات غادرنَ ديارهنّ بسبب النزاعات المسلّحة، تريد لطيفة أن تعود إلى بلدها.

وتقول إنّها سترجع عندما "سأصبح قادرةً على أن أكون امرأةً حرّةً في بلدٍ حرّ... وأن أضطلع بواجباتي بصفتي مواطِنة وامرأة... وأيضاً كأمٍّ ذات يوم".