المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : >> صـــوّامة قوامـــة <<



MAHDY
15-Sep-2007, 11:12
إن من أهم معالم الربانية في شخصية أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ اكتساب العلوم الشرعية، وعلوم اللغة؛ لمخاطبة الناس بفقه صحيح، وبلسان فصيح. وإنها رسالة إلى الذين يحجرون على النساء في البيوت، فلا يعلمونهن، ولا يخرجونهن، ليتلقين حرفة، يتكسبن منها، أو ليتعلمن نوعاً من المهارات الأدبية، ليرتفع مستواهن العلمي، فينعكس على تربية الأولاد، والتعامل مع الأزواج، بنوع من الرقي المنشود في هذا العصر بصفة خاصة... لعل هؤلاء الذي يحجرون على النساء يدركون مدى الجرم الذي يرتكبونه في حق الفتاة والمرأة المسلمة!
ومن ناحية ثانية، تدرك المرأة المسلمة مدى الإثم الواقع عليها إذا هي أهملت في تحصيل العلوم الواجبة، أو انشغلت بعلوم لا تناسبها، أو تضر بمجتمعها المسلم. روى الإمام أحمد، أن عروة بن الزبير كان يقول لخالته عائشة ـ رضي الله عنها ـ: يا أمتَّاه، لا أعجب من فقهك، أقول: زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنة أبي بكر. ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول: ابنة أبي بكر، وكان من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب، كيف هو؟ وأين هو؟ قال: فضربت على منكبه، وقالت: "أي عريَّة (تصغير عروة) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسقم، فكانت تقدم عليه وفود العرب في كل وجه ـ وفي لفظ: فكانت أطباء العرب والعجم ينعتونه (أي يشخصون مرضه، ويصفون له الدواء) ـ وكنت أعالجها، فمن ثم(1). تعني أنه من هنا كانت خبرتها بالطب.
وقال معاوية رضي الله عنه: والله ما رأيت خطيباً قط أبلغ ولا أفصح ولا أفطن من عائشة(2).
وكان يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. واستقلت بالفتوى في زمـن أبي بـكر وعمـر وعثمـان ـ رضي الله عنهم ـ، وإلى أن ماتت، روي لها عـن رسـول الله (2210) عشرة ومئتان وألفا حديث، وروى عنها خلق كثير من الصحابة والتابعين، رضوان الله سبحانه وتعالى عليهم أجمعين.
أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها - بالصفات التي وصفها بها زوجها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته تعد "سيدة المجتمع الإسلامي الأولى" لزمانها دون مبالغة، كذلك كانت أم المؤمنين خديجة ـ رضي الله عنها- لزمانها. ليست السيدة الأولى بصفتها زوجة الحاكم العام فقط، بل بصفتها صاحبة القدوة الصالحة، ذلك إذا جاز لنا استخدام مصطلح "سيدة المجتمع الأولى"، لكننا نحب أن نستخدم التسمية المباركة "أم المؤمنين"، فإنها أعمق أثراً، وأطول عمراً، حيث إن الأمومة للمؤمنين ممتدة من لحظة زواج النبي بها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
جاء لأم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها - مال يقدر بثمانين ـ أو مئة ـ ألف، فدعت بطبق، وهي يومئذ صائمة، فجلست تقسمه بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك من درهم! فلما أمست، قالت: يا جارية ـ وكان اسمها: أم ذرة ـ هلمي فطري (أي: هاتي فطوري)، فجاءت أم ذرة بخبز وزيت. ثم قالت أم ذرة لعائشة: أما استطعت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحماً نفطر عليه؟ فقالت عائشة ـ رضي الله عنها- لأم ذرة: "لو كنت ذكرتني، لفعلت"(3). لقد نسيت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها- حظ نفسها في مقام يكون هم النفس هو المقدم على كل شيء!
يحلق بنا صاحب الظلال "سيد قطب" ـ رحمه الله ـ في آفاق الربانية، فيقول في تقديمه لسورة الممتحنة: "إن العالم الذي يريده الإسلام عالم رباني إنساني، رباني بمعنى أنه يستمد كل مقوماته من توجيه الله وحكمه، ويتجه إلى الله بكل شعوره وعمله، وإنساني بمعنى أنه يشمل الجنس الإنساني كله ـ في رحاب العقيدة -، وتذوب فيه فواصل الجنس والوطن واللغة والنسب وسائر ما يميز إنساناً عن إنسان، عدا عقدية الإيمان، وهذا هو العالم الرفيع اللائق إن يعيش فيه الإنسان الكريم على الله، المتضمن كيانه نفحة من ورح الله. ودون إقامة هذا العالم، تقف عقبات كثيرة ـ كانت في البيئة العربية، وما تزال في العالم كله ـ إلى اليوم ـ عقبات من التعصب للبيت، والتعصب للعشيرة، والتعصب للقوم، والتعصب للجنس، والتعصب للأرض، كما تقف عقبات أخرى من رغائب النفوس، وأهواء القلوب، من الحرص والشح، وحب الخير للذات.. والالتواءات النفسية.. وألوان غيرها من ذوات الصدور".
غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة من أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها، فطلقها فأتاه جبريل عليه السلام فقال له: "راجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة"(4). وفي رواية: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه، فحثا على رأسه التراب، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته، فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم من الغد وقال: "إن الله تعالى يأمرك أن تراجع حفصة؛ رحمة بعمر"(5).
الصيام والقيام من مشاهد ربانية أم المؤمنين حفصة ـ رضي الله عنها - وقد نزل الوحي ناطقاً بذلك.
القيام بين يدي الله في الصلوات المفروضة، وفي النوافل، والصيام في رمضان، وفي غيره هما مما جعل جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله، واصفاً السيدة حفصة بأنها صوامة قوامة بصيغة المبالغة التي يستخدمها العرب، والتي تعني الإكثار من أداء الفعل.
ما الذي يجعل المرأة المسلمة تكثر الصيام والقيام لله؟ صياماً بالنهار، وقياماً بالليل؟
لم تكتف حفصة ـ رضي الله عنها - بكونها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل ذلك ابنة مسلمة صالحة لعمر رضي الله عنه. إن كثيرين وكثيرات يعتمدون على نسبهم إلى الصالحين، فلا يزيدون من أعمال الخير شيئاً يذكر، بل قد يقصرون في أداء الفرائض؛ اعتماداً على نسبهم. لقد قرَّ في نفس أم المؤمنين حفصة ـ رضي الله عنها - قوله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبدالمطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئاً"(6). وقرَّ في نفسها قوله صلى الله عليه وسلم: "من بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه"(7).
إن كثرة الصيام والقيام عبادتان تؤصّلان صفة الربانية، حيث ينقطع الإنسان عن شهوات النفس من الحلال، إذن، فالانقطاع عن الحرام أولى. وأما عن ثواب الصوم والصلاة، فتكفينا هذه الإشارات:
قال الله عز وجل في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به"(8). وقال صلى الله عليه وسلم عن صلاة التطوع: "واعملوا أن خير أعمالكم الصلاة"(9). وقال ربيعة بن مالك الأسلمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: "فأعني على نفسك بكثرة السجود"(10). وقال صلى الله عليه وسلم" "ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة"(11).
من هنا ندرك أسرار وصف جبريل عليه السلام لربانية أم المؤمنين حفصة، وأنها ربانية مكتسبة من كثرة العبادة، التي يحبها الله، ويعطي عليها ما لا يعطي على غيرها، وهكذا تنفتح الآفاق أمام راغبات سلوك الطريق إلى الله.