المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تجارب شخصيه مع مرض السرطان...



فوزيه الخليوى
12-Sep-2007, 12:31
فى هذا الملف سأحاول جاهدة جمع التجارب الشخصية لمن اصيبوا بمرض السرطان , لأنها خرجت من رحم المعاناة ,ولامست مواطن الألم:

في غرفة الإنعاش.. رحلة العودة إلى الحياة

انني عاجز عن تفسير ما حدث حتى هذه اللحظة. غير ان القدر يوزع نصيب الناس في الحياة بشكل منظم، بغض النظر عن الجغرافيا أو التاريخ أو الزمان أو المكان.. اسطورة الحياة التي لا نلمسها لاننا لا نستطيع ان نراها عن بعد.. لاننا نعيش في ضجيجها وداخلها.
لم تكن صحراء ولاية نيفادا أو مدينة لاس فيجاس في الحسبان، عبر رحلة عائلية غير أكثر من محطة مرور لمكان آخر مع اطفال اقصى ما يتشوقون اليه زرقة البحر عن بعد، لكن عندما يلتقي البرزخان.. رمق الموت في مواجهة طعم الحياة.. يصبح الأمر مختلفاً، لأنه في حسابات مدبر الاشياء الهواء والماء والشمس والظلام..

انها لحظة الضعف الانساني التي تكمن فيها كل معاني الرغبة في استئناف حياة جديدة، انها لحظة القوة الحقيقية.

لقد ولدت الثلاثاء عند الساعة السادسة مساء، في مستشفى الشمس المشرقة Sunrise بالتعاون مع فريق مختلط من الناس يقودهم الدكتور فنقر وكل هؤلاء الناس التقيت بهم قبل نصف ساعة من موعد ميلادي الثاني المقدر والمحسوب سلفا في كتاب محفوظ، جئت لكي أولد هنا. حتى قبل ان يلتقي ابي بأمي قبل 40 عاما في مدينة الخبراء بالقصيم، كان مقررا بدون شك ان تحدث الولادة الثانية في لاس فيجاس وعلى يد طبيب امريكي اسمه فنقر، ومعه الممرضة الالمانية هيجرا التي تحب هرمان هسه وآخرون.

أكاد اجهش بالبكاء من كل هذه العناية الإلهية والانسانية، من الاصدقاء، من بلدي من أمي وابي وزوجتي التي تحرس اطراف اصابعي ليل نهار، وفيض المشاعر التي غمرني بها اخوتي.

عندما يقول لك الطبيب في مثل هذا الموقف انك اقرب الى الحياة، تعرف عزيزي الانسان المعنى العظيم لعدم التدخين.

ما اعظم ان لا تدخن. ما اعظم ان تكون كرات دمك الحمراء والبيضاء ورئتاك متحالفة معك تغريك بالحياة وتستعيدك من منزلقات الموت.. تفسح لك أملاً جديداً لم يجرب من قبل! تفجر الألم عند منتصف الليل. كنت أشعر انها نهاية الماراثون الطويل. لكن زوجتي تداركت الامر وفقا لما هو مرسوم مسبقا، وطلبت المساعدة. كل شيء يتم بسرعة. كان همي ألا يستيقظ الصغار على مشهد من هذا النوع.

انه قدري. والا ماذا يفعل انسان مثلي في مدينة من هذا الطراز بنيت اساسا للمغامرين والمقامرين، وأنا لم أجلس في حياتي حتى على لعبة البلوت التي كانت أكثر شعبية في بلاد المملكة..

لكنه الموعد الثاني مع الدكتور فنقر.

نقلت الى اقرب مستشفى Sunrise الشمس المشرقة وزوجتي تتبعنا بسيارة أجرة تاركة فلذات كبدها في فندق كأنه مدينة. نصف سكانه على الأقل من المقامرين.

نحن خارج الزمن وفي داخل الألم..

تناولني حراس الطوارئ... بدأت الاشياء غير الاشياء.

اصبح للمستطيل شكل الدائرة..

زحام لا اعرفه.. امرأة وحيدة وسط الاعصار تطلب النجدة في اللحظة الاخيرة من بريق امل.. بعد ان قدمت كل ما لديها من بطاقات ائتمان.. بعيدون في مدينة لا تصلح الا لمقامرين غرباء يستنجدون بمن يفتح لهم بابا للرجاء والأمل.

وفجأة جاءت الحقيقة كأنها الصاعقة، نتيجة الفحوصات كلها تؤكد ان حالة الموت أقرب من حافة الحياة..

لكنه اليقين الذي كان يجلس الى جانبي وفي داخلي. كان يناولني جرعات امل كبيرة.. انها زوجتي.. خلال اقل من دقائق كان عبد الرحمن الراشد على الهاتف مع زوجتي..

خلال دقائق كانت الرياض على الخط. فُتحت أبواب الأمل.

ما اعظم ان يكون لك وطن واهل واصدقاء تلجأ اليهم في الملمات الصعبة.

بدلا من ان تفر منهم.

المجد للمملكة العربية السعودية بلدي وحبيبتي

*** قالت لي زوجتي وهي تسير الى جانب العربة ان الدكتور فنقر يعتبر العملية ناجحة جدا.. ويقول ان امامك فرصة عظيمة لحياة مشرقة.

قلت لها: متى تقرر موعد العملية. قالت انتهينا. ونحن الآن في الطريق الى غرفة العناية المركزة.

قالت لي: الآن عرفت معنى عظمة حرصك على عدم التدخين. قال لي الطبيب ان هذه اسباب مهمة سوف تجعله يعيش من جديد. نحن نريدك ان تبقى معنا يا حبيبي..

كنت قبل لحظات مجرد كتلة بشرية موصلة بأسلاك شائكة. كنت مثل مختبر صغير لمدة يومين. وقبل ذلك كنت اسبح في البحر مثل طائر النورس.

وأنا بعد ان حرروني من قبضة هذه الاجهزة والأنابيب.. لست انا لكنها الرغبة في الحياة. لقد بدأت اليوم أول خطوة في حياتي الجديدة. وقفت على قدمين مثل الكائنات البشرية الأخرى.

اريد ان اعود الى أهلي واصدقائي، الى أمي وخبز أمي، الى زغب الحواصل لا ماء ولا شجر. اريد ان اضع نقطة في آخر السطر وأبدأ حياة جديدة ورائعة بمذاق عظيم ومختلف.

ربي سيكون معي.. وهو معي في هذه اللحظات يمدني باليقين..

في المساء.. جاء الدكتور فنقر وقال لي: حالتك رائعة. انت لا تزال شابا صغيرا لا امراض ولا تدخين.

بدأت ملامح استئناف الحياة مرة أخرى تدب في المكان والعيون.

كنت ممتنا لأن تنضم الينا السيدة نوال القبلان، الاستاذة الرائعة في جامعة الملك وشقيقة زوجتي وام بناتي الثانية، لأشعر أن أولادي في حالة سلام وأمان وبأحضان قلب كبير.

كنت وما زلت محظوظا وسوف ابقى بأصدقاء رائعين. في هذه الأزمة أكاد اجهش بالبكاء أمام قائمة طويلة..

أعتقد ان هذه السكينة والوقار اللذين يحيطاني في هذه اللحظات الصعبة والى جواري زوجتي.. مكرمة كبيرة من السماء..

اعتقد ان الله سوف يعيدني اليكم. وان كنت لا أكره ان ألقاه.

همست في أذني زوجتي وقالت ان الدكتور محمد السويكت اتصل اليوم ثلاث مرات من سفارتنا في واشنطن ومن مكتب الامير عبد العزيز بن فهد ويريد ان يتأكد ان اجراءات العلاج ومتطلباته يتم تنفيذها بالشكل المطلوب.

كانت لا تنقل لي خبراً. كانت تعطيني جرعة أمل وتقول لي ان بلدي بألف خير بمثل وجود هؤلاء البشر.

في اليوم التالي.. اعطتني جرعة ثانية عندما قالت لي ان مندوب الامير عبد العزيز بن عبد الله بن عبد العزيز يريد مقابلتها عند بوابة المستشفى لكي يطمئن ويتأكد ان كل شيء على ما يرام.

كدت أبكي.. وقلت في نفسي ان عالماً فيه هذا النموذج من البشر من هذا الطراز يكون تركه صعباً.. ولكن الخيرة في ما يختاره الله..

مستشفى الشمس المشرقة غرفة الإنعاش 2205

* كاتب سعودي تحت العلاج حاليا في هيوستن

فوزيه الخليوى
12-Sep-2007, 12:37
(2)


رحلتي مع عش العنكبوت: الحب في زمن الموت

صالح العزاز


أستطيع الآن فقط القول: أن تجربة المرض أقسى وأهم من تجربة الحياة، لأن المرض يكاد أن يبيد كل شيء لكنه في الوقت نفسه يحتوي على كل شيء، وما العمر والزمن الا وهمٌ وغفلةٌ كما يقول أفلاطون.
يتجلى وصف هذه العبارة الافلاطونية المشحونة جدا في تلك اللحظة الكهربائية كأنها البرق يلمع في الظلام.
تلك الفاصلة الزمنية التي تكشف لأحدنا دون مقدمات عن الوقوع في مصيدة المرض، كأنه الكابوس يجثم على صدرك وأنت نائم تسبح في بحر الأحلام. فما بالك إذا كان هذا الكابوس من النوع الخطير الذي تقشعر له الأبدان عن بعد، فكيف هي الحال إذا كان يعشش في رأسك مثل العنكبوت. "ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم الا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير".
لم تكن لحظة عابرة ولا ـ عابرون في كلام عابر ـ عندما جاء الرجل الغريب، وأنا ملقى على السرير ومحبوس داخل الألم وبلا ذاكرة، والى جواري زوجتي تحاول أن تحرسني بالصلوات والدعاء من سطوة الكابوس والجن ووحشة اللحظة والمكان.
ألقى الرجل الغريب قنبلته الانشطارية وذاب في الزحام.
في تلك اللحظة الكهربائية، أدركت لأول مرة معنى قولنا ـ لحظة صعبة ـ أجربها الآن تلك التي كنا نكتبها أو نتحدث عنها، مثل لحظة سقوط طائرة كنت تسترخي داخلها مع قهوتك وأحلامك الجميلة ثم تهوي بك.
مثل صوت انفجار قنبلة غادرة في حديقة تضج بالأطفال والعصافير في الحي الهادي، وقد كنت منطلقا راكضا أسابق الريح مثل آلة الناي القديمة، مقبلا على الحياة غير متردد فيها وغير آبه بالأشياء الصغيرة، اقفز كل الحواجز بلا خوف ولا وجل، شعاري في الحياة (الحب أقوى من الكراهية).
وإذا باللحظة الصعبة تقطع الطريق، وإذا به يمسك بخناقي، يشدني إلى الوراء يغدر بي كأنه الغول، يأخذني باتجاه لا اعرفه، يودعني حبس الألم القديم في التجربة التي لا تطاق، مع المجهول والغامض والكابوس والجن.
فما ينقذك يا ابن ظلال النخيل بأحلامك المجدولة من كنوز الشمس وسعف النخيل، وهل لك من طوق نجاة غير أن تقرع أبواب السماء وأنت في مهب الريح.
أنا ابن الصحراء وأحلامي مبعثرة وأهلي من بني آكل المرار، ولي وطن فسيح منسوج من أشعة الشمس أحبه ويحبني وفي علاقة نادرة مع هذا الحب كانت الربع الخالي والدهماء ورمال النفود وجبال السودة، مثل غرف النوم في البيت الكبير ازرع فيها أحلامي كيف أشاء، وكنت كلما لمحت خيمة في مهب الريح ومن حولها رجل كأنه وما حوله من غنم وابل، ذرة في العراء الفسيح، كأنه ريشة في فم الريح في لجة كون لا حدود له تحيطه الرهبة، كنت أمام هذا المشهد أتساءل في داخلي وخارجي، كيف لمثل هذا أن ينام ويحلم ويصحو.
من أين له الأمل من أين له الحياة في مشهد لا يصلح الا لصورة العطش وسطوة عوامل التعرية على ملامح الحياة.
ويكون هذا التساؤل مشروعا ومنطقيا أمام ذلك المشهد، حيث الفضاء بلا حدود والسماء ابعد من قدرتنا على التخيل، والرياح تعوي كأنها الذئاب الجائعة.
وفي كل مرة يكون الجواب، انه اليقين الذي يضيء الظلام ويقرب السماء ويرسل الرياح.
الذي خلق الإبل سوف يرعاها ويرعاه معها. ها أنت إذا يا ابن ظلال النخيل في المشهد نفسه مرة أخرى في العراء وحيدا في صحراء لا تعرفها ولا تعرفك.
في الصباح الثاني من أيام العنكبوت جاءني الطبيب الجراح وعرفني بنفسه، وأكد لي ضرورة إجراء عملية جراحية لنزع ورم دماغي في الجزء الأيمن من الدماغ من الدرجة الرابعة Forme) -(Gliob Lastoma Multi خرج وترك الممرضة معي لكي نستعرض معا إجراءات العملية، وحجم الخسائر التي قد تحدث في سبيل إخراج هذا العنكبوت من جحره.طلبت مني التوقيع على مجموعة من الوثائق أتنازل من خلالها عن أي حق قانوني مقابل خسارة العين اليسرى وعدم القدرة على الحركة أو الكتابة، هذا يعني إنني في تقديرهم سأخرج غدا نصف إنسان، وهي في تقديرهم حالة لا مفر منها نتيجة إجراء هذا النوع من العمليات المعقدة والدقيقة، ثم طلبت مني كتابة وصيتي وتحديد اسم الشخص الذي له الحق بأن يتبرع بأعضائي ويتولى أمري بعد أن افقد أمري.
تطلع ابن ظلال النخيل، فوجد نفسه في أحسن حال من الناحية الطبية، وهذا حدث دون تخطيط مسبق، فقلب الورقة التي بيده وكتب بخط عربي مبين "لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا، ولا حول ولا قوة الا بالله"، وراح يقرع أبواب السماء، ثم أغمض عينيه ونام بهدوء وسلام.
جاءت الأيام والثواني محملة بكل تفاصيلها الخير والشر، تناثرت من حولي تحاصرني مثل قطع البلور، أو كأنها النيازك الصغيرة تحترق فتضيء.
عليك الآن أن تجمعها وتعيد فرزها وترتيبها يا ابن ظلال النخيل، أنت الآن وحدك في العراء، وستكون محظوظا إذا ما استطعت أن تفعل كل ذلك قبل أن يصل القطار وقد يأخذك معه.

* * *

وقد كنت وما زلت متفائلا مقبلا على الحياة، السعادة والتعاسة في داخلنا وعلينا أن نختار ما نريد، وقد جعلت من القول المأثور الشمعة التي تطرد الظلام (المحنة التي لا تقتلك تقويك).
تعاملت مع الحياة ببساطة متناهية، لا أحب تعقيدها، اخترت لنفسي مفهوما فلسفيا اخترعته بعيدا عن كل شيء الا من حقيقتي، اخترعته وبسطته واحتفظت به لنفسي، وجعلت فوق هذا شعارا رائعا مدلوله ـ استفت قلبك ـ يا ابن ظلال النخيل، فمن خلال "الإبداع" يمكن لنا أن نغير أنفسنا بل يمكن إعادة بناء العالم والتصدي لمظاهر القهر والحرمان، الإبداع يعلمنا كيف نحب حياتنا بما فيها ومن فيها، لأن كل شيء هو من إنجازنا واختيارنا، ثم أن المحبة دائما أقوى من الكراهية.
كانت من أجمل اللحظات وأكثرها تأثيرا في نفسي وحياتي، تكمن في تلك اللحظات التي أكون فيها مع نفسي في المشهد الصحراوي بلا حدود، ذلك المشهد الذي لا يُرى بالعين فقط بل بالقلب، المشهد الذي ألهمني وأغراني في تجربة التصوير الفوتوغرافي إلى حد الجنون أحيانا.
وقد عرفت قيمة هذا الشيء مرة أخرى ولمسته بشكل مباشر في إثره على الآخرين، عندما اهديت نسخة من كتاب المستحيل الأزرق إلى رئيسة الممرضات في مستشفى الشمس المشرقة، فتحولت غرفتي إلى ملتقى يموج بالمرح لكل العاملين في هذا المستشفى، وكأنهم يكتشفون لأول مرة أن هناك على الخارطة بلدا اسمه المملكة العربية السعودية فيه بشر وشجر وعصافير، أنني لا أبالغ، هذا قبل الحادي عشر من سبتمبر حيث اكتشفتنا الوسائل الإعلامية الأمريكية لأول مرة.
هذا المنظور الفلسفي الخاص يمتد ليتناول ماهية الألم والمرض وبنفس السياق الروحي والوجداني "الأمل أقوى من الألم. واليقين علاج اليأس". كل هذا لم نتعلمه في نيويورك أو لندن وان كان لا بد منه أحيانا. لكنها وهي الأهم مرجعية الأصول الأخلاقية والعقدية التي نشأنا عليها منذ الصغر، في بيئة غير متوترة، كانت تتمتع بدرجة عالية من الصفاء الروحي محفوفة بالتسامح والبساطة. هكذا كانت.

* * *

لكنني اليوم في المأزق الذي لم أجربه من قبل أتحاشى نصف حياة أو نصف موت.
أخذوني إلى غرفة العمليات بانتظار الغامض والمجهول. رحت اصلي واقرع أبواب السماء عاريا الا من أحلامي وبريق عيون بناتي الصغيرات كأني قطع الثلج. سلمت لهم جسدي يفتشون فيه عن عش العنكبوت. وعبرت أنا على بساط الغيبوبة الرمادية إلى مكان آخر، بانتظار اشارة العودة إلى الحياة من جديد.
عند منتصف الليل حيث الذاكرة غرفة مظلمة وموصدة الأبواب، إذا بالغرفة تضيء وكأن الباب يفتح على الجسد النائم، وإذا بشريط الذكريات يعبر جبهتي فرأيت وجها اعرفه.
وإذا بصوتها الذي اذكره كأنه يأتي من آخر النفق البعيد، كأنني جالس في عمق بركان خامد منذ آلاف السنين. وإذا بصوتها يقول لي الحمد لله على السلامة. أنت بألف خير والطبيب يقول نجحت العملية.
قلت لها أية عملية. ثم لماذا أنا مكبل بهذه الطريقة. أريد أن اذهب إلى البحر.
ثم دخل الطبيب فتذكرت كل شيء. مسك يدي وحدق في عيوني وتحدث معي وكانت البهجة عليه أكثر من أي شيء.
لقد انتزعنا عش العنكبوت وأخذنا معه شريط الذاكرة وبعض الذكريات. لكن كل شيء سيعود إلى وضعه الطبيعي مع الوقت. لا تقلق.
ثم دفعوا بي مكبلا على سريري إلى غرفة الإنعاش، إلى جزر الصقيع مرة أخرى أتعثر في الألم والوحشة كأنني في زنزانة. كأنه قدري أن احمل سجني معي حيثما ذهبت.
لم يكن احد من كل هؤلاء يعرف ما إذا كنت سوف اخرج من هذا المكان امشي على قدمين كما دخلت قبل يومين. لان اقل شيء استطاع أن يفهمه الطب حتى الآن هو دماغ الإنسان. أنهم يعملون في غابة يجهلون الكثير عنها.
عدت حيث كنت برأس هو غير رأسي. بكيت بهدوء. صليت بصمت في اليوم الثالث كنت أجرب الحياة بقدمين. وفي اليوم الرابع كنت في غرفتي الجديدة حيث النافذة تطل على السماء.
عند الصباح طرقوا الباب وكأنهم يطرقون قلبي، يهتفون باسم "بابا" يتدفقون نحوي كأنهم من فصيلة الطيور الصغيرة. عيون متوهجة خائفة تغص بالدمعة المدرارة. عند المساء جاء طبيبي لكي يودعني ويهنيني على نجاح العملية ويطلب مني أن أوقع له نسخة خاصة من كتاب المستحيل. ثم قال لي انه بصدد ترتيب عملية نقلي إلى مستشفى أم دي اند رسون في هيوستن، حيث تتوافر أحدث التجهيزات الفنية والخبرات الطبية الأفضل على مستوى العالم. هذا يساعدك على مواصلة العلاج بصورة أفضل. ثم قال لي وهو يودعني: نصف العلاج أن تكون متفائلا ومشرقا وان تواجه هذه الأزمة العابرة بالصبر والمعنويات العالية، هذه الأشياء تمثل أكثر من %50 من العلاج.
اليأس اخطر من المرض نفسه انه بداية النهاية. وعليك أن تختار.
جلست في غرفتي وحيدا مثل بطل تراجيدي تطلعت نحو النافذة، السماء زرقاء صافية موشحة بالبياض الجميل كأنها تستعد لحفلة عرس. رحت في سكينة اقرع أبواب السماء. كنت اسمع صوت أمي كأنها خلف النافذة شعرت برغبة شديدة بالطيران مثل فراشة صغيرة.
في اليوم الرابع كنت مع زوجتي نطير إلى المحطة الجديدة. هيوستن أقصى الجنوب.
يوجد في هذه المدينة 34 مستشفى متخصصا، وفليب سالم. يسكنها أربعة ملايين مواطن. عالجت ثمانية ملايين أمريكي أصيبوا بمرض السرطان وتم شفاؤهم منه. وفي الطائرة الصغيرة المخصصة لمثل هذه الحالات ناولني الطبيب المرافق حبة سحرية صغيرة كأنها عين النورس توضع تحت اللسان. تختصر الألم والزمن، تشعر انك أنت الذي يطير تحلق في الفضاء بعيدا مع الكواكب والنجوم في مجرة لا نهاية لها.
عند منتصف الليل نقلت من الطائرة إلى سيارة الإسعاف التي نقلتني إلى مقري الجديد، وأصر السيد جاك على مرافقتنا إلى المستشفى على الرغم من انه سيواصل رحلته بنفس الليلة، لكنه قال لا بد أن نتأكد انك دخلت إلى المستشفى بسلام ولا بد من الحصول على اسم الطبيب الذي هناك. إنها إجراءات لا بد منها.
ثم قال أرجو أن لا نكون قد تسببنا لك بأية متاعب أو إزعاج خلال هذه الرحلة. قلت له أبدا. كانت أشبه بحلم جميل وقصير.
قال السيد جاك.. قالوا لنا انك مصور ولم يقولوا انك شاعر.
قلت له الألم يزيل القشور يا سيد جاك. عانقني ثم ودعني وكأننا نعرف بعضنا من قبل.
انه الألم مرة أخرى..
هنا مقري الجديد في الدور السادس، حيث يعج المكان بضحايا العنكبوت. بدأت اشعر بحالة من الكآبة. رأيت ولمست معاناة نساء ورجال عرب كبار في السن يحاصرهم المرض وغربة المكان واللسان.
جلست بانتظار الفريق المعالج في صباح اليوم التالي. لكن الذي جاء هو الطبيب الجراح
واثنان من مساعديه متحفزين لأمر ما..
قال لي الطبيب بعد أن عرفني بنفسه. بعد الإطلاع على الصور والأفلام تأكد لنا ضرورة إجراء عملية جراحية ثانية، لانتشال الجزء الأكبر من الورم الذي لا يزال هناك. لقد قاموا بإجراء عملية جراحية ممتازة وناجحة بل ورائعة في المقاييس الطبية في مستشفى الشمس المشرقة. لكن التجهيزات الفنية هناك لم تساعدهم على القيام بأكثر من هذا، وهو ما يشكل خطورة على أعصاب المخ وعلى صحتك. لذلك فإن الفكرة من مجيئك إلى هنا، هو أن نجري لك عملية جراحية ثانية للوصول إلى نفس المكان، لانتزاع الورم من جذوره من دون التأثير على أعصاب المخ، وسوف نستخدم أجهزة حديثة لهذا الغرض.
ودعني وخرج ثم عاد ليسألني: هل أنت تدخن؟، قلت له: لا..
هذه أخبار ممتازة، الآن هذا يقلل من خطورة حدوث نزيف في الدماغ أثناء إجراء العملية.
إنه الأمل عندما يشرق من جديد، هم يسمونه أجهزة فنية وأنا أسميه "لن يصيبنا إلا ما كتب اللّه لنا".
بعد ثلاثة أيام، كنت في غرفة العمليات مرة أخرى عند الساعة الخامسة صباحاً، وفي الموعد المحدد استسلمت للغيبوبة البيضاء، أعطيتهم الجسد وبقيت أنا في مكان آخر.
وزوجتي في غرفة الانتظار المخصصة للمرافقين مع آخرين يأكلها الانتظار، وخلال كل ساعة تقدم لها نشرة مختصرة عن سير العملية، كانت أشبه بنشرة تعذيب ورعب، مثل نشرات الأخبار هذه الأيام.
عند الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر، انتهت العملية، وبدأت رحلة العودة إلى الحياة.
لقد نجحوا في إخراج عش العنكبوت، ثم أعادوا إغلاق النفق الذي فتحوه في الجانب الأيمن من الرأس، وحرروا الجمجمة من المسامير الأربعة التي كانت تثبت فيها، ثم بدأت محاولات إخراجي من الجب الذي كنت فيه خلال الساعات الطويلة لإجراء العملية، وأنا لا أشعر بشيء من هذا وكأنني في مكان آخر.
كان صديقي النبيل عقل الباهلي قد طار من الرياض خصيصاً ليكون إلى جانبي خلال إجراء العملية الجراحية.
بعد أول محاولة فاشلة لإعادتي إلى الحياة أو للخروج من الظلمات إلى النور على يد الطبيب، جاءوا بالصديق عقل، فأعاد المحاولة وهو يناديني باسمي، شعرت أن ثمة شيئاً مألوفاً، وعندما فتحت عيني وجدته أمامي يبتسم كأنه علامة الحياة المميزة، وهو رجل من الذين يسعى نورهم بين أيديهم.
ابتسمت أنا ومددت يدي أصافح الطبيب وبدأنا نتحدث معاً ونبتسم، وكأن الحياة أعادت الكهرباء إلى المكان فأضاء.
تنفس الأطباء الصعداء، غمرت المكان البهجة وكنت أنا أراقب المشهد عن بُعد، لكن بفرح حقيقي، إنه طعم الحياة.
ثم جاءوا بزوجتي، فعرفتها وتأكد للطبيب عندها أنه أنجز مهمته بنجاح.
وعند المساء، نقلت إلى زنزانتي الجديدة في جزر الصقيع، غرفة الإنعاش، حيث العذاب النفسي والجسدي. هنا مختبر المشاعر الإنسانية النادرة. هنا تجرب حالة خاصة من الشفافية الإنسانية التي لم تجرب من قبل. على مدار أربعة أيام في غرفة الإنعاش، كانت زوجتي تستمد طاقة معنوية ونفسية من خلال اتصالات يومية. توصي بالصلاة وبالدعاء والعسل. وتخرج الصدقات وتوزع الطعام على الفقراء والمساكين في كل ليلة.
من اجل أن يعيدني ربي إلى أهلي ووطني.
كانت رعاية هذه السيدة الكريمة الرائعة حرم الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود أمير منطقة الرياض ووالدة المرحوم الأمير النبيل فهد بن سلمان. يحدث هذا لأنها سيدة نبيلة بطبيعتها، ولأنني كنت وما زلت ازعم إنني صديق لأبنها المرحوم الأمير النبيل فهد بن سلمان رحمه الله. وهو نبيل حقيقي بل وأكثر.
هذه أمه الرائعة ترعاني وهي لا تزال في غابة أحزانها الخضراء، لكنها الروح النبيلة للإنسان النبيل.
لقد أخرجتني هذه السيدة الكريمة من تحت أنقاض الألم إلى فسحة الأمل. وتواصل المعروف مثل مواسم الشتاء الممطرة، ليمتد إلى الأميرة عادلة بنت عبد الله بن عبد العزيز، التي كانت على اتصال يومي بزوجتي حتى في إجازتها الخاصة مع عائلتها.
إننا هنا أمام طبيعة بلد منسوج من كنوز الشمس.
أما مواقف الرجال من الأمراء والأصدقاء فتلك قصة تحتاج إلى مجلدات، وكيف لا أمشي على قدمين وأنا محاط بكل هذا الحب، وكل هذا الوطن المشرق، بدأت أتعلم المشي على القدمين كما يفعل الأطفال الصغار. كنت أشعر أن دعوات أمي وصدقات والدة المرحوم فهد بن سلمان، هما جرعة الدواء الحقيقي للنفس أولا وللجراح ثانيا ـ وما من داء إلا وله دواء.
كم هي صعبة الحياة وموحشة بدون هذه النماذج الإنسانية.
بعد كل هذه المعاناة الصعبة مع المرض، التي لم تتجاوز الشهرين حتى الآن.
تعرفت على شاب سعودي أمضى في هذا المستشفى 6 أشهر متتالية داخل هذا المستشفى، نصفها على الأقل بين غرف العمليات والإنعاش.
وهو اليوم أكثر مرحاً وتفاؤلاً من أي وقت مضى، وهو أهم متطوع عرفه مستشفى أم دي اند رسون، يقدم خبرته في مساعدة المرضى على تجاوز أزماتهم وآلامهم. كأن فولتير يعنيه تماماً عندما قال: من لم يعرف عمق الألم، لا يعرف عظمة الفرح.
بعد كل هذا، فإنني محظوظ جداً حتى في ألمي، فعندما يقودك الحظ والألم إلى أن تتعرف على عالم متخصص ونادر وعربي هو البرفيسور فليب سالم. فلا بد عندها تعرف معنى قيمة الحياة.
مع فليب سالم الذي أيد رأي أم دي اندرسون بضرورة احتجازي لمدة سنة تحت العلاج، هذا أهم ما في التجربة. رائع أن تتعرف على هذا النموذج الإنساني الطيب المفكر الإنسان، فما بالك أن يكون هو الطبيب المعالج. ثم انه لا يعالجك وحدك. عندما يأتي إليك يأتي معه جبران خليل جبران، والمتنبي وفيروز والرحابنة عن بكرة أبيهم وغسان تويني وخليل حاوي وعثمان العمير. فليب سالم شخصية عالمية نادرة انه فسحة الأمل الكبرى.

* * *

(كيف لا اصرع أوجاعي وموتي كيف لا اضرع في ذل وصمت:
ردني ربي إلى ارضي أعدني للحياة وليكن ما كان، ما عانيت منها.
بي حنين موجع، نار تدوي بي حنين لعبير الأرض، لشباب وصبايا من كنوز الشمس من تفل الخزامى لصغار، ينثرون المرج من زهو خطاهم والظلال أعاني الموت في حب الحياة).

* * *

فقط أرجوك أن تتذكر وأنت في طريقك إلى غرفة نومك أن سجارتك الأخيرة قد تكون أول خيط في بيت العنكبوت.
هيوستن المقوسات من الذاكرة لخليل حاوي بتصرف

22 نوفمبر 2001