المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أعلام الفكر الإسلامي ... الأفغاني موقظ الشرق ورائد حركة الإصلاح



bode
30-Aug-2007, 01:49
http://www.alkhaleej.ae/dak/images/2007/08/24/is-7.jpg

عد جمال الدين الأفغاني بحق أحد أكبر مفكري الإسلام في العصر الحديث، فهو مجدد وفقيه وسياسي ومفكر، وهو موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام، ورائد تيار الجامعة الإسلامية، ورائد الحركة الإصلاحية، ومن طلائع العلماء المجتهدين في الفكر الإسلامي في القرنين الأخيرين. وجمال الدين الأفغاني عربي الأصل، هاشمي النسب، حيث يرتفع نسبه إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

ولد الأفغاني عام 1254ه، 1833م في بلد “أسعد آباد” من أعمال كابول في بلاد الأفغان في أسرة ذات نفوذ سياسي وإداري، وفي الثامنة من عمره انتقل مع الأسرة إلى العاصمة كابول، عندما خشي أمير الأفغان دوست محمد خان نفوذ أسرته في منطقتها، وفي كابول أشرف والده على تعليمه، وقبل أن يبلغ العاشرة من عمره كان قد تعلم القراءة والكتابة ومبادئ اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم.

من كابول إلى النجف

وفي العاشرة من عمره رحل والده من كابول إلى إيران حيث عمل مدرسا في مدرسة قزوين، وأصبح هو تلميذا في هذه المدرسة التي أمضى فيها عامين، لفت أثناءهما الأنظار بذكائه واجتهاده وميوله المبكرة لدراسة العلوم واهتمامه بالفلك، ورغبته في قراءة كتب الطب، ومحاولته ممارسة التشريح.
من إيران سافر جمال الدين عام 1849 إلى “النجف” في العراق، فدرس فيها خمس سنوات، تعلم خلالها القرآن والحديث والكلام والفلسفة والمنطق وأصول الفقه والرياضيات والفلك والطب والتشريح.

ومن النجف عاد لزيارة أسرته في إيران عام 1854 عازما على زيارة الهند ليتعلم فيها الرياضيات الحديثة والعلوم الأوروبية، فسافر إلى بومباي، ثم إلى كلكتا حيث أقام فيها أكثر من عام ومن الهند سافر إلى مكة حاجا عام 1857م، ثم عاد إلى العراق، فإيران، ولما طلبت منه أسرته الإقامة معها اعتذر قائلا: “إنني كصقر محلق يرى فضاء هذا العالم الفسيح. لأتعجب منكم إذ تريدون أن تسحبوني في هذا القفص الضيق الصغير”. وبعد زيارة لطهران وخراسان، توجه عائدا إلى وطنه الأصلي أفغانستان.

وفي كابول بدأ جمال الدين الإسهام في النشاط العام فكتب كتابه الأول “تتمة البيان في تاريخ الأفغان” باللغة العربية التي كان يجيدها هي والفارسية والأفغانية وأضاف إليها بعد ذلك اللغة التركية والفرنسية مع معرفة بالإنجليزية والروسية.

جهاده ضد الإنجليز

كان الاستعمار الإنجليزي الذي يحتل الهند قد بدأ التدخل في شؤون أفغانستان مناصرا الأمير “دوست محمد خان” ضد الأمير “محمد أعظم خان” وشارك الأفغاني في القتال الذي دار ضد الإنجليز عام 1862م وارتقى في مناصب الحكومة الوطنية حتى أصبح رئيسا للوزراء.

فلما دارت الدائرة على الأمير الوطني محمد أعظم خان وهزم عام 1868م عرف جمال الدين طريقه إلى الترحال من جديد لكن ترحاله في هذه المرة وحتى وفاته كان في سبيل إيقاظ المسلمين، ومحاربة الاستعمار الأوروبي والإنجليزي على وجه الخصوص، فلقد خرج من أفغانستان إلى الهند ثم مصر فالاستانة، فالحجاز، فالعراق، فإيران، فروسيا، فلندن، وباريس، داعيا إلى الإحياء والتجديد للفكر الإسلامي، وإلى إيقاظ الأمة من سباتها، والإقلاع عن التخلف الموروث إلى النهوض الإسلامي لمواجهة الاستعمار الزاحف على ديار الإسلام، وكان في سبيل ذلك مزكيا لمنهج الشورى والحرية في إدارة شؤون الأمة وتدبير سياسات حكوماتها، وموقدا للثورات في وجه الاستبداد الداخلي.

ومع إيمانه بدور العامة والجماهير في الثورة والإصلاح فقد كان أبرز الذين أقنعوا النخبة بقيادة حركة الجامعة الإسلامية على امتداد وطن العروبة وعالم الإسلام، هذه النخبة التي قادت فيما بعد حركات التحرر الوطني والإصلاح الاجتماعي وفجرت العديد من الثورات والخبرات في مجال تربية الرجال.
كانت السنوات التي عاشها الأفغاني في مصر (1871م وحتى 1879م) أخصب السنوات في تاريخه حيث حقق خلالها أهم إنجازاته الفكرية والسياسية، فقد قام بتربية نخبة من العقول التي جددت فكر الإسلام وحياة المسلمين وفي مقدمتهم الإمام الشيخ محمد عبده (1849م 1905م) وقام بشرح كتب الفلسفة والكلام والمنطق ما أعاد للحياة الفكرية قيم العقلانية التي غابت عنها منذ عصر التراجع الحضاري للمسلمين.

العروة الوثقى

نشأت على أيدي الأفغاني مدرسة في الصحافة الأهلية الحرة غير الحكومية مثل صحف “مصر” و”التجارة” و”مرآة الشرق”، كما عرفت مصر على يديه طلائع التنظيمات السياسية والإصلاح “الحزب الوطني الحر” في تلك الفترة المبكرة من تاريخ نشأة الأحزاب.

وبضغوط من الدول الاستعمارية وبخاصة انجلترا، التي كانت تحضر لاحتلال مصر قام الخديو توفيق بنفي جمال الدين الأفغاني خارج البلاد عام 1879م زاعما أن الأفغاني يقود جماعة من ذوي الطيش، مجتمعة على فساد الدين والدنيا، فذهب الأفغاني منفيا إلى الهند التي كانت مستعمرة إنجليزية فمكث هناك شبه معتقل حتى تمت هزيمة الثورة العرابية واحتلال الإنجليز لمصر عام 1299ه، 1882م، وعندئذ سمح له الإنجليز بمغادرة الهند، فسافر إلى باريس وهناك لحق به الشيخ محمد عبده كان منفيا ببيروت هو الآخر بعد هزيمة العرابيين ومحاكمتهم ومن باريس أصدر الأفغاني مجلة “العروة الوثقى”، لتعبر عن فكر وسياسة التنظيم الذي أقامه، لمواجهة الاستعمار الإنجليزي وإيقاظ المسلمين، وهو التنظيم الذي امتدت فروعه إلى أغلب بلاد المسلمين وخاصة مصر والهند والذي استقطب صفوة العلماء المجددين والأمراء والساسة المجاهدين وأطلق عليه تنظيم “العروة الوثقى”، وكان لهذا التنظيم عظيم الأثر في إيقاظ الأمة الإسلامية من غفوتها في فترة مهمة من تاريخها.

انتهى المطاف بالأفغاني إلى الاستانة حيث حاول تحرير السلطان عبد الحميد الثاني 1842ه 1918م من قبضة حاشيته التي تعاني الرجعية والفساد، وسعى إلى بعث الروح في مركز الجامعة الإسلامية لمناهضة الزحف الاستعماري على العالم الإسلامي وحاول الأفغاني سد ثغرة الشقاق المذهبي والسياسي بين إيران والعالم الإسلامي لقطع الطريق على الاستعمار.

وظل الأفغاني قائما بفريضة الجهاد حتى وافاه الأجل ولقي ربه في صبيحة يوم الثلاثاء 5 شوال 1315ه 9 مارس 1897م ودفن في الاستانة ثم نقل جثمانه بعد سنوات في موكب إسلامي مهيب إلى بلده أفغانستان.

القاهرة - هشام الهلالي[/CENTER]