المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كوابيس نوم



bode
17-Aug-2007, 11:30
كوابيس نوم المسؤولين العرب

منذ خمسة وعشرين قرناً كتب اليوناني يوروبيدس، بطريقته المأساوية العميقة، لا يوجد حزن أكبر فوق هذه الأرض من حزن الذي يخسر وطنه الأصلي هل كان هذا العبقري يكتب عنوان مأساة الملايين من العرب في القرنين العشرين والواحد والعشرين؟ ومع أن القرن العشرين قد وصف في كتب علم الاجتماع بأنه كان قرن اللاجئين إلا أن اللجوء والهجرة بقيا صفتين ملازمتين بامتياز لعرب القرنين الماضي والحاضر.

تعال إلي مدن أوروبا، كبيرها وصغيرها، وجل بنظرك فيرجع النظر إليك ساخطاً وهو حزين. اللاجئون والمهاجرون الهاربون من بلاد العرب يملؤون الباصات المتكدسة والأسواق الفقيرة والشقق القديمة المتهالكة.. إلا من رحم ربي وهم قلة.

ما الذي دفع بهذه الملايين لتعيش بين أناس لا تعرف لغتهم إلا بالكاد، ولا تريد أو تستطيع التعايش بسعادة وراحة نفسية مع مكونات ثقافتهم، ولا تشعر أنها تسبح مع السابحين في عنفوان نهر حياتهم المتدفق؟ أي إنسان يريد أن يعيش علي هامش اقتصاد وعمل وثقافة وفرح وأحزان المكان الذي يعيش فيه لولا أنه مرغم علي ذلك؟ ثم أي تمزق داخلي يعيشه الإنسان عندما يعرف بأن لجوءه أو هجرته لم تتما بإرادة منه ولا بسبب من أخطاء ارتكبها ولا بسبب أحداث مجتمعية كانت له يد في حدوثها، وإنما كانت بسبب الآخرين.

إن القوانين والمعاهدات الدولية بشأن اللاجئين تعرف اللاجيء بأنه الفرد الذي يترك أرضه بسبب الاضطهاد أو الخوف من الاضطهاد وذلك بسبب التمييز العرقي أو الديني أو الجنسي أو السياسي..

وبالطبع لا ينطبق هذا التعريف علي المهاجر الذي يترك بلده لأسباب شخصية. لكن بالنسبة للعرب فإن التمييز بين الحالتين أصبح مستحيلاً إذ أن الذين يصبحون لاجئين والذين يضطرون لمواجهة مرارة الهجرة يفعلون ذلك لنفس الأسباب، وهي أسباب مجتمعية بحتة. فالمجتمعات العربية هي أكثر المجتمعات اضطراباً وتمزقاً وصراعاً مقيتاً في السياسة، وهي من أكثر المجتمعات نهباً للثروة العامة واستقطاباً بين الغني والفقر، وهي أكثر المجتمعات تعرضاً للتجاذبات والأطماع الدولية، وهي من أكثر المجتمعات ابتعاداً عن التضامن والتوحد.

فإذا أضيف إلي ذلك أن حكم الشعب بالشعب ومن أجل الشعب منعدم في غالبيتها تصبح قابلية هذه المجتمعات للانفجارات والحروب الداخلية والاستعمار والفوضي الاقتصادية وقلة الإنتاج المهيمنة علي الحاضر وربما المستقبل.

إن نظرة واحدة علي الاحصائيات تسند هذا المنظر العربي التشائمي المقلق. فقد بلغ عدد لاجئي العالم بعد الحرب العالمية الثانية، بكل أهوالها واتساع رقعتها، حوالي 11 مليوناً. ووصل الرقم إلي سبعة وعشرين مليوناً منذ حوالي خمس سنوات ثم هبط إلي أدني. فما هي نسبة العرب بين هؤلاء؟ إن عدد اللاجئين والمهاجرين في الخارج والداخل من العراق وحده يصل إلي سبعة ملايين.

فإذا أضيف إلي ذلك الملايين من اللاجئين الفلسطينيين والصوماليين والسودانيين، وأضيف إلي ذلك الملايين من المهاجرين من أقطار البلاد العربية الكبري، مشرقها ومغربها، فإن النتيجة أن غالبية اللاجئين والمهاجرين في العالم هم من العرب.

المفجع في الأمر أن غالبية اللاجئين والمهاجرين العرب المتواجدين في خارج أرض العرب بالامكان استيعابهم في أقطار اليسر والاستقرار، لكن ذلك لم يحدث. بدلاً من الترحيب بهم يتم الترحيب بالعمالة الأجنبية وفي الأونة الأخيرة بالمستوطنين المقيمين من الأجانب.

والمفجع الآخر أن الذين يتركون أوطانهم يضمون أعداداً كبيرة من العلماء والفنيين والمهنيين، بينما لا يبقي تحت حكم البلادة والتسلط إلا العناصر غير المنتجة أو الانتهازية أو المغلوبة علي أمرها.

كان أبطال شكسبير المأساوية يفزعون من الذهاب إلي الفراش خوفاً من أن تلاحقهم في نومهم أحلام وكوابيس جرائمهم. تري هل يستطيع المسؤولون والحكام العرب النوم؟ ألا تلاحقهم أشباح الملايين العرب من الهائمين علي وجوههم في كل أصقاع العالم.

بقلم : د. علي محمد فخرو