المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مراحل تربية الطفل‏



bode
21-Nov-2014, 10:26
مراحل تربية الطفل‏


تقع مسؤولية تربية الأطفال على الوالدين بالدرجة الأولى. وهما يواجهان في ممارستهما لهذه العملية المعقدة الكثير من المشاكل التي تضطربهما أحياناً إلى التنصل من مسؤولياتهما والرمي باللوم على الظروف أو العوامل الخارجية، خاصةً إذا خرج الابن أو الابنة عن سلطتهما وبنى حياته بعيداً عن خط الالتزام. ويستشهد الأهل لإظهار عدم مسؤولياتهما عن انحراف الطفل بنصوص من القرآن الكريم وسيرة الأئمة الأطهار سلام الله عليهم، كقصة نوح عليه السلام مع ابنه الذي خرج عن طاعة الله حتى وصفه تعالى بأنه "ليس من أهلك، أو يأتون على ذكر ابن الإمام الهادي عليه السلام الذي ادّعى المهدوية والإمامة.

في الواقع إن انحراف الطفل قد يحدث بعيداً عن تقصير الأهل وأفعالهم الاختيارية ونحن لا يمكننا أن نحتم ضرورة خروج الصالحين من الصالحين. وبتعير آخر، ليس هناك قاعدة علمية تؤكد بأنه ما دام الأهل صالحين فلا بد أن يكون الأولاد كذلك. ولكننا من جانب آخر نجد أن الإسلام يحدد للوالدين وظيفة القيام بالتربية الصحيحة والاعتناء السليم بأولادهم حتى يكونوا أفراداً صالحين في المجتمع الإسلامي.

فأين يقع الاختلاف وكيف نفسر حدود هذه الوظيفة؟

بالتأكيد إن عملية التربية التي توصل صاحبها إلى الصلاح والكمال هي عملية خاضعة لقوانين ثابتة ومحددة ومجرد الالتزام بهذه القوانين يحتم الوصول إلى الهدف إلاّ أننا قد لا نستطيع أن نحيد بهذه القوانين لاعتبارات عديدة يقع أكثرها ضمن دائرة التقصير في عملية الاجتهاد والاستنباط من تعاليم المعصومين عليهم السلام. إذاً الحتمية في عملية التربية ثابتة ومحددة كغيرها من الظواهر العلمية في هذا الكون ولكن الظروف العديدة بالشكل الجزئي إلى خرقها، وفي هذه الحال فإن من المؤكد أن الأهل لن يكونوا مقصِّرين أمام المولى عزّ وجل.

وهكذا، فلكي نقوم بأداء التكليف الإلهي في تحمل مسؤولية التربية لأجل الوصول إلى تربية صحيحة ينبغي أن نسلك مقدمات هذه العملية، كما هو الحال بالنسبة إلى بقية الأوامر الإلهية، فنخرج بذلك عن حد التقصير والغفلة لندخل في ساحة براءة الذمة.

* مراحل تربية الطفل

لا بد في العملية التربوية من ملاحظة شروطها ومراحلها قبل القيام بالفعل، وهذا من المقدمات الضرورية لكل الوظائف الشرعية.

أمّا هذه المراحل فهي كالتالي:

1- تربية الذات وتهذيبها.
2- اختيار الأم أو الأب المناسبين.
3- رعاية آداب الزواج والإنجاب.
4- التربية في مرحلة الحمل.
5- مرحلة الأيام الأولى للولادة.
6- السنوات السبع الأولى.
7- من 7 سنوات إلى 14 سنة.
8- من 14 سنة إلى 21 سنة.

هذه المراحل سنقوم بشرحها على صفحات المجلة وسنختار لهذا العدد المرحلة الأولى. مرحلة تهذيب النفس وإصلاحها تعني أن يقوم الأهل بتربية أنفسهم قبل القيام بتربية أولادهم.

وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام:

"من نصب نفسه للناس مؤدِّباً فليبدأ بتأديب نفسه".
وقال عليه السلام: "معلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم".

ويمكننا أن نفهم عدة نقاط في هذا المجال:

النقطة الأولى: لا يقع التأثير المناسب لتربية الآخرين وتهذيبهم إذا كان صادراً ممن لم يهذب نفسه، بل قد يؤدي هذا الأمر إلى حدوث الأثر المعاكس تماماً ويصبح التأديب عندها استهزاءً والمربي فاقداً للهيبة والاحترام.

النقطة الثانية: إنّ عملية التربية تتطلب قدرة مميزة وسلوكاً خاصاً من المربي. وبتعبير آخر تربية الأولاد وتأديبهم هي مسألة عملية أكثر منها نظرية وفي معظمها تخرج عن إطار المحاضرة والتدريس. وهذا الأمر يتطلب من المربي أن يكون قد تخلق واتصف بالصفات الحميدة.

وإلى هنا نكون قد أشرنا بشكل عام إلى دور المرحلة الأولى التي لا تختص فقط بتربية الأولاد وإنما هي مرحلة شاملة لحياة الإنسان ومصيره، وبدون عبورها بنجاح لا يمكن أن تتحقق السعادة الفردية أو الاجتماعية أو الأخروية.

تربية: الطفل منذ الولادة حتى عمر السنتين

1- من جملة الحاجات التي يشعر بها الطفل في هذه المرحلة اللعب، وينبغي أن نقدم له الألعاب التي يستطيع أن يتعامل معها ولا تكون أكبر من سنه.
2- عندما يريد الطفل أن يتناول طعامه بنفسه، إسمحا له بذلك حتى لو لم يتمكن من ذلك بصورة جيدة.
3- ينبغي أن يتاح للطفل جو من الحرية في التحرك والتنقل.
4- يحتاج الطفل إلى أن يكون نظيفاً، وأن تكون كافة أعضائه مرتاحة.
5- يحتاج الطفل إلى مثل هذه الألعاب والحركات، وينبغي أن يكون نشيطاً أيضاً.
6- يحب الطفل أن يلعب بحرية وإن أدَّى ذلك إلى اتَّساخه.
7- يحتاج الطفل إلى الشعور بوجود أمه واحتضانه والعطف عليه وخاصة عند الرضاعة.
8- لا بد من التعامل مع الطفل على أساس سنِّه، ولا نتصوّر بأنه مدرك وواع.
9- لكل طفل مراحل نمو خاصة، ولا ينبغي استعجال هذه الأمور.
10- ينبغي أن يعطى الطفل من التشجيع والدلال المقدار الوافي حتى يتمكن من إظهار المحبة والود للآخرين.
11- يحتاج الطفل إلى عدة ساعات من المص يومياً.
12- على الوالدين أن يظهرا عواطفهما وحبّهما للطفل بشكل كبير، فبهذه الطريقة يغرسان فيه هذه الأمور الإيجابية.


مراحل تربية الطفل
* الطفل في مرحلة الحمل وما قبله

لقاؤنا الأخير في العدد الرابع كان حول جانب مهم وعامل مؤثر من العوامل التي تلعب دوراً أساسياً في تربية الطفل وتحدد له الكثير من التوجهات والميول وتصنع فيه الأمزجة العديدة: وهو جانب اختيار الشريك. ومما لا شك فيه أن مجرد التوفيق في اختيار الشريك المناسب واجتماع الزوجين المؤمنين تحت سقف واحد لا يوقف المسيرة التربوية بل يزيد من حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهما في الإعداد والتهيئة لاستقبال مولود جديد يمكن أن يكون من العظماء إذا أحسنت تربيته أو من الأشقياء الذين يفسدون أقواماً بأكملهم إذا نشأ في بيئة فاسدة وتربية سيئة. والتعاليم الإلهية التي نجدها في الإسلام تؤكد على ضرورة رعاية آداب الزواج والاختلاء. وفي بعض الأحيان تشير الروايات إلى التأثير المباشر الذي ينجم عن الجماع أو أثناء فترة الحمل حيث تزرع الأم في جنينها توجهات الخير أو الشر ناهيك عن المسائل الفيزيولوجية الجسمانية التي ترتبط بأنواع الأغذية والممارسات والتي بينتها نتائج الدراسات الحديثة. يمكن الرجوع في هذا المجال إلى "كتاب النكاح" في رسالة تحرير الوسيلة للإمام الخميني قدس سره وبعض الكتب الروائية الأخرى حيث الأحاديث العديدة في هذا الجانب. وسوف نذكر في مناسبة أخرى جملة من المسائل المتعلقة بهذين العالمين إن شاء الله.

* الولادة

عندما يحين الموعد المناسب لخروج الجنين من ظلمة الرحم إلى هذه الدنيا يبدأ الوالدين بالتفكير في مولودهما الجديد: فماذا سيكون اسمه ومن سيشبه وهل هو ذكر أم أنثى. وقد يغفلان عن مسائل معنوية مهمة بمراعاتها تغرس أشجار الإيمان وبذور حب الله في قلب الطفل. فمنذ اللحظات الأولى يستحب الآذان والإقامة في أذني الطفل والتصدق عنه والعقيقة والحمد والشكر لله تعالى. وأن يحسن تسميته والدعاء له وغيرها من الأمور التي ذكرت في محلها.

* الطفل ذلك العالم المجهول

إن حدود معارفنا وحجم معلوماتنا عن الطفل لا تتجاوز حتى اليوم الشيء القليل. وسوف يبقى هذا العالم مجهولاً لدينا طالما أننا لم نصل إلى وسيلة للاتصال به. ويبقى العديد من الأمور مما لا نملك له تفسيراً. ولكن ينبغي أن نعلم أن الطفل يبدأ بالإدراك من اليوم الأول، وإن كان هذا الإدراك بسيطاً جداً. وفي هذه الأجواء التي يطل فيها الطفل على عالم مليء بآلاف المعلومات والمدركات التي يكتسبها في كل لحظات حياته الأولى يلعب الأهل دوراً مؤثراً ومهماً في توجيه هذه الإدراكات النصف واعية، وبمعرفة دورهم الحقيقي سوف يتمكنوا من بناء جيل صالح ومتفوّق.

* ما الذي يمكن تقديمه للطفل؟

من هذا العدد فصاعداً نقدم نصائح تربوية مبيّنة بصور إيضاحية، مع شرح لجملة من المسائل الأخرى التي تعد خطوطاً عامة للتربية الصالحة.

* الطفل منذ الولادة حتى عمر السنتين

1- لكي ينمو في الطفل الإحساس بالأمن والاتّزان، ينبغي أن يقوم الأهل باحتضانه دائماً.
2- الإسراع إليه عندما يبكي يشعره بالطمأنينة والأمان.
3- محاكاة الطفل بلغته ومرجحته يبعث فيه مشاعر مؤنسة.
4- ينبغي أن نبقي الطفل بعيداً عن ضجيج الأعمال والأصوات العالية.
5- يفرح الطفل كثيراً إذا قام والده باللعب معه ومحاكاته.
6- في هذه المرحلة ينبغي قضاء حاجاته بشيء من العناية من جانبكم حتى يتمكن بعد فترة من أن يقوم بذلك بنفسه.
7- يحتاج الطفل إلى التمرن على التكلم والاستماع لأجل تنمية قدراته الذاتية.
8- يحتاج الطفل إلى أم هادئة البال ومدبّرة. الأم التي تضع لنفسها ولطفلها برنامجاً للاستراحة والتسلية.
9- يجب أن يكون محيط الأسرة مليئاً بالتفاهم والود وبعيداً عن العصبية والتشنج والمشاجرة.
10- ينبغي أن يتمتع الطفل بشيء من الحرية، ولا يحد من تكامله بالكثير من المنع والحصر.
11- يشعر الطفل بشخصيّته واستقلاليته عن طريق إظهار وجوده.
12- يحتاج الطفل إلى إشعاره بأنه فرد من كيان الأسرة.

كيف نربّي أولادنا من الولادة إلى السن الرابعة

عندما تقرّر أمّة من الأمم أن تبني مستقبلها وتتقدّم فليس لها إلاّ طريق واحد وهو إعداد وبناء الأطفال والأحداث. وليس ذلك إلاّ لنقاوة ضمائرهم وعظمة استعداداتهم. وكما يقول أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام في وصيته لولده الحسن عليه الصلاة والسلام: "وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها شيء قبلته..".

وإذا كان القرآن قد اعتبر أن عملية التغيير إنّما تبدأ بالنفوس: إذ قال تعالى:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " فإنّ أصدق مصداق يمكن أن يتجلّى بالأحداث حيث من السهل تنزيه نفوسهم الطرية والمستجيبة، ولكي لا نستغرق في المقدّمة فمن الأفضل أن ندخل إلى الموضوع مباشرةً.

* مع الولادة

يؤكّد القرآن الكريم أنّ الإنسان بكامل استعداداته الفطرية قال تعالى في سورة المتقين: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وتسوية القوام إنّما يكون في جميع الجهات ولا يقدر بفعل الله غير ذلك والسياق اللغوي يساعد على هذا المعنى.

وعندما يقول تعالى: ﴿ثمّ أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ فإنّما يكون هذا الخلق الآخر بهذه الخاصّة الفطرية وهي ذات الخاصية التي سجد لها الملائكة في آدم وبهذا كرم الله سبحانه بني آدم بقوله جلّ وعز ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ..﴾

وعن الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة وأبواه إمّا يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". ومع ذلك فإنّ من غير الخفي كم هناك من اختلاف بين المواليد أناثاً وذكراناً سواء كان هذا الاختلاف في البنية الجسدية، القوة والجمال. أم في قوّة العقل وصفاء القلب ونجابة الطباع. والأجيال تتوارث النبوغ وتتوارث الحمق. وقد تتوارث الحكمة والأدب وكذلك فإنّها تتوارث الجمال والصحّة وتتوارث سحنة الزنج أو الصفر.. إلى غير ذلك.

.. ولكن ثمّة وراثيات ثابتة ووراثيات تربوية بمعنى أنّها وبفعل التربية عبر الأجيال تكون وراثيات عائلية فالتربية السيئة وإهمال التربية البدنية تؤدي إلى أمراض في مواليد السلالة والعكس صحيح. وهذا الأمر يتماثل على مستوى التنمية الفعلية وتهذيب النفس. أي أنّنا نستطيع عبر الأجيال أن نحسن الوراثيات فتتحسن المواليد وبالخلاصة فإنّ تهذيب العقول والنفوس بالإضافة إلى العناية الصحيّة يؤدّي إلى تغيير اجتماعي هائل لعدّة أجيال وقد يستمرّ إلى ما شاء الله فيما إذا استمرّ توفّر ذات الشروط.

ولكن تبقى هناك إستثناءات فقد يلد العقيم أو الكهل نبياً وقد وقد.. فهناك هبات إلهية نادرة وأخرى استثنائية خارقة. كما في قصة ضيف إبراهيم التي حدثنا عنها القرآن إذ دخلت امرأته وهم يبشرون إبراهيم بغلام عليم وكانت عجوزاً عقيماً فقبضت وجهها مستهجنة يقول القرآن عن ذلك:﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾"الذاريات/29". ومن الاستثناء ابن نوح الذي قال تبارك وتعالى في القرآن الكريم: "إنّ ابنك ليس من أهلك" ومن هذا وذاك وغيرهما كثير.

عن الإمام الرضا عليه الصلاة والسلام قال: "العقل حباء من الله والأدب كلفة فمن تكلّف الأدب قدر عليه ومن تكلف العقل لم يزدد بذلك إلاّ جهلاً".

وقال أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام: "العقول مواهب والآداب مكاسب".

* متى تبدأ التربية؟

لا يكون المولود مولودا إلاّ حين يولد في رحم أمّه وهذا أمر لا جدال فيه إلاّ أنّ مرحلة التكون في رحم الأم هي أيضاً مرحلة في غاية الأهمية إذ ليس إبن الحلال كإبن الحرام وليس غذاء الأبوين من الحلال كغيره من الحرام. وأيضاً في المجال النفسي والأخلاقي. فالحب والانسجام والإيمامن لقاح الطمأنينة لهذا الجنين فضلاً عن الأمور العبادية الخاصة وآثارها كمستحبات الجماع والمستحبات أثناء الحمل لكلّ شيء في هذا آثارها الهامّة. وكذلك تربية الأبوين الاجتماعية والثقافية لها آثارها الهامّة وما نريد قوله إنّ التربية تبدأ بعد الولادة إلاّ أنّ الخصائص البدنية والروحية تبدأ قبل الولادة وهي بالتالي تحدّد تأثير التربية والعناية بهذا المولود.

* المدى الزمني للتربية

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الولد سيد سبع سنين وخادم سبع سنين ووزير سبع سنين فإن رضيت مكانته لإحدى وعشرين وإلاّ فاضرب على كتفه قد أعذرت إلى الله فيه". والذي يظهر في هذا الحديث وغيره أنّ للتربية ثلاث مراحل السبعة الأولى والسبعة الثانية والسبعة الثالثة. ويظهر أيضاً أنّ مرحلة التربية المباشرة هي المرحلة الثانية أمّا المرحلة الأولى فيغلب عليها الحرية والمرحلة الثالثة فيغلب عليها الصداقة والمؤاخاة.

من حيث المبدأ سنعكف على الاهتمام بالمرحلة الأولى.

* قابليات الطفل وحاجاته

نستطيع أن نعرف قابليات الأطفال من نوع وحجم التكليفات المطلوبة كما أنّن نستطيع أن نستبطن الحاجات من نوع الأهداف المقصودة من هذه التكاليف. يستحب للمولود عند الولادة الآذان بالأذن اليمنى والإقامة في اليسرى. أترى أنّ المولود لا يتأثّر وإذا تأثر نراه لا يحتاج إليه وأيضاً أليس في ذلك بيان لهدف الخلق نعم إنّ قابليات الطفل أوسع وأكبر من أن نتصور. إنّ الطفل منذ اللحظة الأولى للولادة يبحث عن ثدي أمّه ليرتوي منه وليسمع دقات قلبها وليشعر بالدفء والحنان في حضنها. وعندما نرى طفلاً يتيماً ترعاه امرأة غير أمّه أو ترعاه مؤسّسة نرى في عينيه لون الحسن والفتور إن في ذلك دلالة واضحة كم يحتاج الطفل إلى ذاك وكم هي استعداداه لأخذ كلّ هذا الغذاء المعنوي والعاطفي بحيث لو فقده تغير كلياً.

هل نحسن تربية أطفالنا؟

يشتد التنافس اليوم بين الدول المتقدمة صناعياً، في ميدان القدرة على إعداد وبناء الأطفال في بلدانهم علمياً وتربوياً. فبين المدرسة والبيت تكون عناصر النجاح أو الفكر. وإنما يعود ذلك إلى البرامج الدراسية والتربوية في المدارس، وأيضاً إلى نوع ومستوى الرعاية العلمية والتربوية في البيوت، فـهل نحسن تربية أطفالنا؟

إن ما يحصل في بلادنا الإسلامية، وفي لبنان بالخصوص ليس مختلفاً كثيراً عما هو عليه الواقع في دول: كاليابان، أو أمريكا، أو الصين.. فجذر المشكلة "بصورة إجمالية" واحد وإن اختلفت أهداف العملية التعليمية والتربوية. وعلى هذا الأساس سنأخذ بعض النماذج من هذه المشكلات في إطار معالجة وتوجيه لأوضاع الأطفال، وفي خطوة تتحدد بها ظروف وأسباب المشكلات، وطرق معالجتها، وتحدد تالياً وقبلاً السبل السليمة لبناء جيل مستقيم الملامح، طموح، وقادر على فهم الحياة، ونيل أعلى مراتب الرقي والكمال الإنساني.

* أسئلة في سياق مشكلات معاصرة

لقد ظهرت إحصائيات قام بها خبراء في عالم الأطفال في أمريكا، نتائج متهاوده في المستوى العلمي ومستوى النبوغ.
فهل يرجع ذلك إلى عدم كثافة البرامج، أم إلى تولي الأهل فرائض تعليمية عن أولادهم؟

في البداية لا بد من القول أن المشكلة وإن كان لها جذران الأول مدرسي والثاني منزلي، إلى أن الأمر لا يقتصر على هذه الفرضيات، فهذان النموذجان إنما طُرحا بداية للدخول بصورة تدريجية إلى جوانب أخرى مختلفة.

* مستوى الذكاء

ما من شك أن قابليات الذكاء متساوية "ليست بالدقة طبعاً" إلا أن نمو الذكاء لدى الأطفال يرتفع ويهبط تبعاً لظروف وعوامل التنشئة والتعليم. وما من شك أيضاً أن قدرات الأطفال هائلة ومبدعة، إلا أنها شديدة الحساسية والتأثر، وعلى هذا فإن لدى الأطفال مقدرة ذهنية عالية لتلقي كم تربوي وتعليمي كبير، بشرط انتهاج وسائل وأساليب دقيقة ومرغوبة. إذ من الممكن على سبيل المثال - أن يكون طفل ياباني أكثر نبوغاً ولياقة من طفل أمريكي، بل وأكثر تحملاً وإنتاجية، ولا يدل هذا إلا على فوارق تربوية وتعليمية في صميم البرامج والأساليب التطبيقية. ويلاحظ البعض أن المدارس اليابانية والأهالي يرجعون سبب النجاح الأكاديمي إلى الكد والاجتهاد وليس إلى الذكاء الموروث، ويؤكد أن الذكاء أمر يمكن الحصول عليه "طبعاً بقصد تنمية الذكاء". ولقد أظهرت التجارب أن الطفل يمكن أن يعطي الكثير إذا أشعرناه بأهمية قدرته، ووفرنا له الأجواء المناسبة.

* ظروف التخلف

إن البرامج البطيئة والسهلة - وعلى عكس ما يتصور البعض - تساعد في غالب الأحوال على تدني وتراجع معدلات النمو الذهني والتعليمي. بينما تبعث البرامج الحيوية والكثيفة على الإثارة والاندفاع والثقة. ذلك لأن الحيوية في البرامج من شأنها أن تنمي الذهن وتشحذ الذكاء، وتجعل النفس أقدر على التحمل. ولا نريد أن نسهب هنا لأن المجال يضيق لمتابعة البحث في كامل التعقيدات التربوية والتعليمية. أما في المجتمعات المتخلفة فهناك مشكلةٌ، يتعاضد فيها التخلف المزمن على المستويين التعليمي والتربوي، مع مشاعر التخلف، واستحالة الحل. وهذا يؤدي إلى انعدام إمكانيات التغيير فعلاف. وهذا ما يحصل، حيث يستسلم الأهل والأطفال إلى قدر التخلف المصطنع فتخبو قدرات الأطفال العقلية والذهنية وتنحصر في شرانق من الكلالة والوهم. ولا يعني هذا أبداً: أن رفع عوامل التخلف يمكن أن يتم بصورة دفعية، بل ولا بصورة تدريجية بالمطلق أيضاً. إذ لا بد أن تراعي البرامج واقع التخلف، وأن تكون حائرةً على خصائص تمكنها من أحداث صدمة قوية لهذا الواقع.

وما نريد قوله :

أن الأطفال وإن كانوا يختلفون بين دولة متخلفة ودولة متقدمة، إلا أن ذلك لا يمنع من وجود إمكانيات هائلة وحقيقية للتغيير السريع. وعلى هذا الأساس يمكن أن يصبح المرء سيداً، أو أن يقهر المستضعفون من يستضعفونهم من المستكبرين. أما في لبنان فإن أطفالنا وبالإضافة إلى ظروفهم العلمية والتربوية المشجعة، فإن الشرائح غير المتأثرة بنمط الحياة الغربية - على المدى البعيد - أكثر قابلية للتنمية الذهنية من الأطفال الأمريكيين مثلاً. نعم هناك حاجة ماسة لوضع وتطوير برامج تعليمية خلافة لبناء جيل جديد يتمتع بمواصفات القوة والشجاعة والأفق العالي، حيث لا تكفي القدرة الرياضية والمنطقية على التحليل، ولا حشو المعلومات العلمية لبناء رجال المستقبل. كذلك فهناك حاجة أخرى ماسّة وبحاجة إلى رعاية تربوية وتعليمية منزلية موجهة ومستقيمة. إلا أن لبنان بالرغم من ذلك كله لا يشابه في أرضيته وقابلياته الدول المتخلفة أبداً.

* الرعاية المنزلية

لا تستطيع المجتمعات يوماً ما أن تتخلى عن الحياة العائلية، وإذا حصلت حالات مخالفة، فلا تعدو أن تكون حالة شاذة وطارئة. فالطفل الذي يتنكر لأبويه وأهله يعد منحرفاً، وكذلك الأب إذا تنكر لأولاده يعد منحرفاً وأنانياً، فالحياة مبنية على الاجتماع وإن الخلية الأولى التي يتكون منها هذا الاجتماع هي العائلة. وما زالت المجتمعات الإسلامية تحافظ على هذه الخلية. بل إن الغرب أيضاً يعمل لإعادة ترميمها. يقول ولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز في بعض محاضراته: "كيف سنساعد الشباب الذي يحس بأنه مغترب عن أبويه وقيم مجتمعنا... إن في صميم الإسلام هناك محافظة على تصور كامل للكون".

لقد كان دائماً دور المنزل في الرعاية العلمية والتربوية من قبل الأهل دوراً أساسياً. فالتوجيه، والحوافز المشجعة يبج أن تسير جنباً إلى جنب مع بناء الشخصية المبادرة وغير الاتكالية.

وتقول بعض الدراسات التي أجريت في أمريكا أن وقوف أطفال الولايات المتحدة في مؤخرة صفوف طلاب الدول المتقدمة إنما يعود إلى البرامج العلمية السهلة، والعطل الطويلة، التي تهدر الطاقات الطلابية. يضاف إلى الأسباب: ارتفاع نسبة الحمل عند المراهقات، وانتشار العنف في الطرقات، والأسلحة في المدارس. وعلى المستوى المنزلي فإن الأهل وبدل أن يدفعوا بأطفالهم إلى تحمل مسؤولياتهم بأنفسهم فإنهم يتحملون عنهم المسؤولية: فينظمون برامج الأولاد، ويوضبون لهم ملابسهم، ويقومون بواجباتهم المنزلية. وبالتأكيد فإن هذا الأسلوب وهذه الأجواء لا تؤديان إلا إلى نشوء شخصية غير قادرة وغير مستقيمة. ويشير بروفسور علم النفس في جامعة متشيغن أن معدلات صفوف الرياضيات الأمريكية أقل من أدنى معدلات الصفوف الأسرية.. فقد وجد أن الأهل يحملون أنفسهم وليس المدرسة مسؤولية ذلك باعتقاد منهم "من خلال بعض الإحصاءات التي أجريت" أن الأهل ليس عليهم واجبات، أما المدرسة فهي ممتازة!!

* لكي لا نذهب بعيداً أي الأساليب الأبوية هي الأنجع في إغناء شخصية الأطفال، ورفع درجاتهم العلمية؟

- هل يدفع الطفل لتحمل مسؤولياته بنفسه؟
- هل يوجه الأهل المدح والإطراء في كل مناسبة.
- هل يعطى الطفل الحرية الكاملة؟

يحرص الكثير من الأهالي - سيما في المجتمعات المتقدمة صناعياً - على إعطاء أطفالهم حرية كاملة باعتقاد منهم أن ذلك سيجعلهم مع الوقت قادرين على خوض غمار الحياة بجدارة. ولكن هذا الاعتقاد خاطئ، فلربما انزرعت لدى الأطفال رغبة شديدة بالإهمال وعدم الاستعداد لتحمل المسؤولية. ومن جهة الأهل، فلربما اختبأت وراء ذلك رغبة ملحة بعدم لزوم تحمل مسؤوليات نحو أولادهم. ومهما يكن الأمر فإن هذا النوع من الحرية لا يفي سوى جعلهم ريشة في مهب الريح سيما في المراحل الأولى، ومراحل المراهقة. وهي مراحل يحتاج فيها الطفل إلى مزيد من الرعاية والتوجيه، ومع هذه الحرية يفقد الطفل اتزانه ليذهب بعيداً مع شهواته ونزواته، سيما إذا كان جو الأصحاب والزملاء مساعداً. وكذلك فإنه ربما لجأ إلى العنف انتقاماً، وذلك لانعدام الحضن العاطفي الذي يفترض أن يتكفل به الأهل. وهو ما يصعب جداً إيجاد بديل عنه. وكم من الجرائم الاجتماعية التي ترتكب والتي تضج بها المجتمعات وخاصة تلك المجتمعات التي تتمتع بمستوى اقتصادي مرفه نسبياً، تسببت عن فهم خاطئ لمعنى الحرية وأسلوب غرسها في نفس الأطفال.

أما بالنسبة إلى لجوء بعض الآباء إلى تحميل أطفالهم المسئولية تجاه أي إخفاق بأن يقال للطفل في صورة مكررة: "لا تلم الأستاذ ولا تلم زملاءك، إنها غلطتك، وعليك أن تمتلك قرارك بنفسك" في الحقيقة فإن هذا الأسلوب ربما كان أسوء من تخلية الطفل وشأنه.

فهو أسلوب أشبه بإهالة التراب على من يُخشى عليه الموت. وإنه فيما لو طغى أسلوب التقريع هذا فإن الأمر سيولد الشقاء للأطفال، وإلى مستويات غير محددة من الانحراف السلوكي، والتراجع العلمي، بل أنه - أي هذا الأسلوب - سيولد لدى الأطفال شعوراً بالقهر، والكراهية للأهل تالياً، في أغلب الأحيان. أما حالة الثناء والإطراء التي يلجأ إليها الأهل من كل مناسبة، حيث يقولون لأطفالهم: أنتم متميزون، رائعون.. وتنهال عليهم كلمات الثناء العاطفية. إن ذلك له أثار إيجابية من جهة، إلا أن الضرر من الجهة الثانية، ورؤية النفس بصورة غير واقعية، هو الذي سيكتسح نفسه وقلبه. فيتعقد معها الطفل في سيطرته على نفسه من جراء عدم معرفته لحجم قدراته وحقيقة أمره. وعلى المستوى العلمي، بما يؤدي إلى الإهمال والتقليل من الاندفاع والاجتهاد بالدراسة.

* في الصورة العامة

إذا أردنا أن نبني شخصية أطفالنا بصورة متوازنة فلا بد من توازن الانفعالات المتقابلة لديه، وهذا ما يتأتى من خلال أساليب التربية المتكاملة والمستقيمة. وإلا فإن هذه الشخصية ستكون شخصية ضعيفة مضطربة وغير مثايرة وغير كفوءة. صحيح أن غرس معنى الحرية أمر ضروري جداً للنفس، كضرورة الماء والمواد للحسم، إلا أن ذلك يجب أن يأتي عن طريق الحرية إلى جانب الرعاية. فالحرية حبل الانعتاق من التابعية الطفولية. أما الرعاية الأبوية فهي بمثابة العكاز والوكاء الذي به يهتدي الطفل إلى معنى الحرية وحقيقتها وهي توازن الميول النفسية لديه.

أما تحميل الطفل مسؤولية أعماله فذلك أمر جميل، ولكن لا على أن يكون ردة فعل الأهل، لدفع المسؤولية عن أنفسهم، وإعفاء أنفسهم من أي واجبات. بل أن على الأهل أن يحتضنوا أطفالهم عاطفياً، ويشعروهم دائماً أنهم إلى جانبهم، بالإضافة إلى تركهم رويداً رويداً ليقوموا بالأمور بأنفسهم، وكلما اشتدت أعوادهم أعطوا شيئاً من أزمّة أمورهم. فإهمال الأطفال أمر خاطئ والقيام بالأعمال عنهم أمر خاطئ أيضاً، وتحميلهم المسؤولية ودفعهم للاتكال على أنفسهم أمر ضروري ولكنه لا بد في كل ذلك من التوازن. وإن المديح في أثناء القيام بعمل حسن أمر في غاية الأهمية يشترط عدم المبالغة فيه إذ أن ذلك يبعث في نفس الطفل روح الاندفاع والنشاط، وإن الذين لا يسمعون مثل هذا المديح غالباً معقدون، وضعفاء وينتابهم شعور بالدونية، وعدم احترام الآخرين لهم، وهو أمر يقتل العزائم.

* وأسئلة أخرى توجيه المرح

لا يستغني الأطفال عن اللهو والمرح لذلك فإن دور الأهل كبير في توجيه هذا اللهو سيما في أوقات وأيام العطف الطويلة. فالقراءة، والرسم، والرياضة، وبناء المجسمات، والأعمال المنزلية، والأناقة والترتيب للأشياء، إلى غير ذلك، كلها أعمال يمكن أن تعزز لديه ملكات خلافة، من قبيل الشعور بالمسؤولية، وحسب العمل المنتج. ولكن الحذر كل الحذر من إجباره على ألعاب خاصة، أو منعه من ألعاب يحبها ما دامت هذه الألعاب غير منحرفة وغير خطيرة. والمطلوب توجيهه تدريجياً نحو الألعاب الفاضلة، والتي لا تؤدي إلى مضاعفات تربوية. ونعود إلى التأكيد أن القلب - كما في الحديث الشريف - إذا أكره عمي. ولقد شجع الإسلام الآباء على تعليم أولادهم السباحة والرماية وركوب الخيل، وما ذلك إلا لتكتنز شخصية الطفل قوة واستقامة، موجهة من خلال المرح المنتج.

الاعتماد على النفس

عندما يقع ولدك على الأرض يبكي ويتطلع إلى نجدتك، وأن نجدتك له تغرس في نفسه النجدة والشهامة والرحمة، والاندفاع نحو مساعدة الآخرين، ولكنه لو أكثرت وبالغت في الاهتمام فإنه سيصبح رخواً يتظاهر دائماً بأنه لا يقوى على القيام، بينما لو خليته وشأنه أحياناً وأرشدته إلى الاعتماد على نفسه فإن ذلك سيعزز شخصيته، ويكشف قدرته عند نفسه. وفي ميدان الدراسة الأمر كذلك. وعلى الأهل إبلاء أطفالهم الرعاية والعناية دون المبالغة، فقد يتراجع أو يرسب في صفه، والرسوب أشبه بوقوع الطفل، يجب أن شعر بأبويه إلى جانبه في هذه الحالات، ولكن ليس دائماً لأن القوة النسبية هنا ستكون بمثابة درس لن ينساه، إذ عليه أن يعي عواقب الأعمال والإهمال.

كيف يصبح طموحاً

من المفترض مبكراً أن يلتفت الأهل إلى مستقبل أطفالهم بزرع الملكات وتنمية القابليات، يجب أن يسمع الطفل حديثاً عن المستقبل وماذا يجب أن يصبح في المستقبل وما هو هدف الحياة من الضروري أن يحفز الطفل لنيل مراتب عالية ولا بأس بتوسيع خياله وطرح أعمال قيادية لتكون هدفه الذي يعمل للوصول إليه، سيما إذا كانت غايات سامية، وأعمال نبيلة.

إن رسم الهدف في ذهن الطفل، وتحديد الأعمال القيمة وجعلها في محل اهتمامه وطموحه أمر بالغ الأهمية، إلا أن ذلك يجب أن يترافق مع حث على مضاعفة الجهد، وإقناعه بأن الوصول أمر ممكن، ولا أهم من وجود قدوة سامية المقام يتعلم منها ويحلم بالرقي إليها أو التشبه بها، ولا ننسى أن تعزيز قدسية الأهداف في نفس الطفل من شأنه أن تجعله يسترخص التضحيات والجود لأجلها.

كلمة أخيرة

إننا إذا لم نحسن تنشئة أطفالنا ورعايتهم علمياً وتربوياً فإننا لن نكون جديرين بالمستقبل. فالأمم اليوم تتنافس بصورة غير عادية، في قدرتها على تخريج أجيال بحجم طموحات الدولة سواء على مستوى حفظ المكتسبات أو تطوير البلاد. إن حصائل المستقبل تتوقف على برامجنا الآن، والأمة الإسلامية بحاجة إلى أن تتلقن هذا الدرس، باعتبارها الرجاء لإنقاذ الأجيال من موجات الفساد والدمار والاضطراب النفسي، والتربوي، والاجتماعي. وكذلك من أجل بناء جيل يحب المعرفة من كل قلبه وبلا حدود.

مخاطر التربية وواجبات التحدي

يضمن البعض أن العنصر المؤثر في التربية هو الأم، ويرى آخرون أنه الأب، بينما يتصور غيرهما أن البيت هو عنصر التربية الأوحد بكل تفاعلاته. ولكن يا ترى هل يمكن اليوم أن نقول ذلك فيما يقوم التلفزيون ووسائل الإعلام، ومراكز الفن، والمسرح والسينما، بكل قوة، في توجيه أذهان الصغار، بل والكبار أيضاً، فيما ينعدم دور المدرسة التربوي، هذا إذا لم نقل أنها تقوم بدور سلبي.

هذه هي المشكلة:

أصبح من اللازم القول أن عناصر التربية لم تعد واحدة، ولم تعد محصورة، بل أصبحت متعددة وواسعة، بالرغم من أنه ما زال يسود اعتقاد في مجتمعاتنا الإسلامية، وفي مجتمعات أخرى محافظة، أن البيت ما زال هو الأساس في التربية، وهو اعتقاد صحيح لا يشوبه اختلال. إلا أن ما يجب أن نلفت الانتباه إليه جيداً، وبشكل مركّز، هو نوع العوامل الجديدة وتأثيرها التربوي، وهي تحشد جملة من الأساليب القائمة على الدراسات والأبحاث الواسعة، بغية منع المنزل من القيام بدوره التربوي الخاص، واستتباعاً قطع العلاقات الأسرية التربوية بين الأبناء والآباء. إن خطورة المسألة التربوية تكمن في هذه النقطة، وهي أن فقدان التربية المنزلية لا يتوقف على تخلي الأهل عن هذه المسؤولية، مع أنها مهملة بفعل دواعي كثيرة أولها الجهل، بل إنه وبفعل الأساليب الخطيرة التي سنتعرض لها، فإن البيت يفقد قدرته على التأثير تماماً، ونادراً ما تكون هناك استثناءات، وهذه هي المشكلة.

* عوامل التربية الحديثة:

دائماً كان يسود اعتقاد في الغرب ولدى الأسر غير المحافظة، بضرورة التخلي عن أثقال وقيود رباط الزوجية، على سواء بالنسبة للمرأة وبالنسبة للرجل، وهذا هو علة السقوط نحو الهاوية.

* المرأة للمتعة:

ترغب المرأة في أن تكون لها الحرية في إقامة علاقاتها الغرامية مع من تحب من الرجال، وترغب أيضاً في العمل اليومي، وتأمين مصدر مالي خاص، بغية التفلت من قيود الزوج، إذا ما أراد أن يضغط عليها بالمال، وهكذا أصبحت المرأة بعيدة عن دورها كأم، فالنهار للمال والليل للرجال، ومن هنا تولدت فكرة إنشاء معاهدة الحضانة "التربية من حين الولادة" وروضات الأطفال التي تعنى بالتربية، ثم المدارس الداخلية التي يبقى فيها التلميذ طوال العام.

لقد أصبحت المرأة فيما بعد هي العارضة، في العمل والشارع والمناسبات، والدعاية، وعليها أن تبقى ممشوقة القوام، ومتكاملة الهندام، بحيث تجمع ما أمكنها من عناصر الإثارة، وهذا وذاك دفعاها إلى تقليل الأولاد. أولاً: لكي لا تنشغل بهم ولا تتحمل أعباءهم المالية، وثانياً: حتى لا يؤثر الحمل والحضانة على شبابها، إنها جريمة العصر حقاً. لقد نشأت معاهد التجميل ومصانع مواد التجميل، ومعاهد الأزياء "النسائية خاصة" وتصفيف الشعر، بحيث تصرف المرأة كل وقتها، ومالها لكي تكون التفاحة القاتلة.

* كما هي هو:

أما الرجل فليس أمره غير أمرها، وهذا ما ساد ويسود في بلاد الغرب، بل وقد بدأ باجتياح عالمنا الإسلامي، فالرجل يرغب في زوجة تخفف عنه الأعباء المالية والقيود العائلية فليله غير ليلها، وسريره غير سريرها، وفتاته، أو فتياته أخريات غيرها، هذا ما يجتاح اليوم غالب البيوت غير المحافظة في بلاد الغرب. إذاً لقد فقد المنزل مبرر وجوده لغير المنامة، وبعض اللقاءات على مائدة الطعام أحياناً، أما التربية فلم يبقَ لها حيز يذكر.

* تلامذة في المدارس:

يتعلم التلميذ أول يوم كل شيء من عالمه الجسدي والمادي، وبين يديه البرامج الدقيقة، والتي نضجت بفضل الدراسات والأبحاث، ولكن هل كان على المدرسة أن تتضمن في تلك البلاد برامج الأخلاق والاحتشام والابتعاد عن الرذيلة هل أن في برامجها البحث عن النفس، والكون والوصول إلى حقيقة الوجود وأهدافه. إن الجو الذي يعيشه الأطفال والشباب في جو الاختلاط والإثارة بعيداً عن أي نوع من أنواع التربية الأخلاقية، وفي ظل انعدام "القدرة التربوية" لدى المدرسين والآباء، يجعل الجو في كل مدرسة يتجه بلا أدنى رادع نحو الرذيلة، والمخدرات والانحطاط والتفلت من أي قيود اجتماعية. ويجب أن نلتفت إلى أن علوم الرياضيات والجغرافيا والفيزياء لا تربي النفس ولا تهذبها.

* اللذة والسعادة:

كل تلميذ قد يشعر باللذة والسعادة، ولكن سرعان ما يفتقد توازنه، ويشعر بتضائل قيمة الحياة، وذلك حين يجد نفسه في أزمات نفسية واجتماعية ولا أحد إلى جانبه، أو يشعر بالحاجة إلى قيم الحنان والوفاء والتضحية والإيثار فلا يجد ذلك حتى مع صحبه. فالمدرسة لا تبنيه في نفسه وقلبه، وحانات الخمر والرقص ليست هي إلا المهرب من الشعور بالفراغ القاتل، وكل شيء لا يوحي بغير الضياع.

إن الإنسان الغربي تُبنى شخصيته في المدرسة والصداقات المنحرفة والأفلام الفاضحة ومراكز الرقص ونوادي الطرب، والقمار، فيتعلم حب المال والخديعة، والجريمة والمخدرات والسكر والعهر، فأين السبيل إلى الفضيلة والسمو والحب الصادق، وأين هي الأهداف التي يسعد في التضحية لتحقيقها، وأنى لمواطن الفساد أن تبني الإنسان المستقيم حقيقة فهذه عوامل الانحراف التربوي وليست عوامل التربية، وأن خطورتها تكمن في كونها بدأت تصبح مقبولة لدى الأبناء والآباء وحتى المسلمين في بلادنا، في ظل انعدام التربية الإسلامية.

* أطفال وأجيال:

قد يستغرب البعض إذا قلنا بأن أولادنا حتى لدى أفضل العائلات، لا يأخذون حاجتهم من التربية من آبائهم، وإنما يأخذونها من الشارع ومن أصدقائهم، والشارع أشد تأثيراً من أي شيء ثم المدرسة ثم البيت، وهذا الكلام ينسحب حتى على غير المسلمين من الأولاد، إلا ما شذ وندر. ومما لا شك فيه أن هناك عدداً لا بأس فيه من الأطفال في لبنان، تدخل في تربيتهم عوامل أخرى أشد تأثيراً وإن كانت لا تخرج عن إطار الصداقات والعلاقات، وهي عوامل التغرب، عن طريق الأفلام، ومراكز الرقص والخمر والطرب، والمخدرات. ومما يؤسف له، أنه في حين أخذ الغرب يدرك مخاطر هذه الأجواء، ويعمل للتخلص منها، نجد أجيالنا وقد اندفعت نحو التكيف معها، والانغماس فيها. وفي ظل تخلي الآباء عن واجباتهم التربوية تجاه أولادهم، فإن أجيالاً تتعاقب ليس لها مرب غير الشارع وما يعبر عنه بالدهر في المثل العامي إنما هو الشارع، حيث يقول المثل "ابنك لا تعلمو الدهر يعلمو". إن أجيالاً تتعاقب ليس لها مربّ غير الشارع وأصدقاء السوء.

* نقاط القوة والضعف:

إن أشد نقاط الضعف بروزاً هي التي تكمن في عدم وجود القدوة التي تمثل على المستوى التربوي والأخلاقي الإسلام العملي، إن جميع الأطفال، وهذا ما التفت إليه علم النفس، يميلون إلى الرغبة في تقمص شخصية من الشخصيات المؤثرة والمرموقة، ومع عدم وجودها فإن هذه الرغبة سوف تنحرف لاتخاذ قدوة غير صالحة. وعندما يكون لدى الأبناء آباء متدينون لا يمثلون القدوة الصالحة في سلوكهم فإن الميول نحو الأخذ بتعاليم الإسلام قد يصبح عن طريقهم أشبه بالمستحيل وهكذا فإن ميولهم تصبح على كف الأهواء إلا ما شاء الله. إن هذه النقطة يمكن أن تسجل في نقاط القوة الفعالة، إذا أدرك الآباء دورهم، وتوفرت فيهم المواصفات والشرائط للقيام بهذا الدور. لأن الأولاد كالورقة الخالية يكتب عليها الآباء ما يريدون من فضائل الصفات أو كالأرض الخالية الخصبة، يزرع فيها الوالدان ما يشاءان من بذور الأخلاق الإسلامية. أما أهم نقاط القوة فتتمثل بتوق الطفل فطرياً إلى التحلي بالخلق النبيل، والتعطش للسمو، والتكامل. فقبل أن تموت هذه الرغبة علينا أن نغذيها وننميها.

* لنكن صريحين:

نود هنا أن نلفت الانتباه إلى أن عدم قيام الآباء بدورهم في تنمية هذه الميول الفطرية فإن هذه الميول سوف تنحرف لتصبح نقطة ضعف. في الواقع فإن أولادنا في إهمال شديد، وبيئتنا غير محصنة، وأجيالنا مهددة، فإذا التفتنا إلى الشارع وجدنا الفتاة المبتذلة، والساعية بكل جرأة وبعين خالية من أي حياء لإثارة كل من يمر. وإذا ألقينا نظرة على وسائل الإعنلام وخاصة التلفزيون، لوجدناها أيضاً تشبع الغريزة الجنسية والحيوانية وتميت الفطرة الإلهية الصالحة، وهكذا الأمر بالنسبة للأصحاب، ناهيك عن الاختلاط في المدارس، فكل الأجواء تدعو إلى الانحراف.

* نصيحة لا بد منها:

إن أخطر ثلاثة مواقع يركز عليها الغرب للأطفال والأجيال هي: المدرسة، والبيت، ومراكز الطرب والرقص. فأما بالنسبة للمدرسة فعلى المربي أن يختار المدرسة الأقل سوءاً، مع المراقبة والتوجيه الدائم، وحذار حار من المدارس المختلطة. وبالنسبة لمراكز اللهو فعلى الآباء أن يختاروا لأولادهم أصدقاء صالحين وأن يهيؤوا لهم مجالات اللهو بعيداً عن أجواء الانحراف. وأخيراً وبالنسبة للبيت فعليكم أن تعلموا أن الغرب اعتبر التلفزيون أهم وسيلة لانحراف البيت، فخطر الانحراف يلاحقنا حتى في بيوتنا، وعلى الآباء أن ينظموا لأولادهم برامج مقبولة وبحضورهم، وإلا فهو مفتاح الشهوات والانحرافات.

والأمر الأهم أن من واجب الآباء والأمهات أن يمنعوا أنفسهم من التبرج أمام أولادهم والأمر الأخير والذي ليس فوقه ولا يدانيه أهمية هو الرعاية والعناية التربوية، فإذا ترك الأبوان من قبلهما الالتزام بالسلوك المستقيم وتركا النصحية لأولادهم فإن النتيجة ستكون الضلالة. وفي الواقع فإنه كيف نستطيع أن نكون مؤمنين، وأن نبني أولاداً مؤمنين ونحن الآباء لم نرب أنفسنا ولم نتعرف على التربية الإسلامية فهل يا ترى يصبح الإنسان صالحاً من دون الصلاح، أو يصبح عالماً من دون التعلّم؟

إذاً لا سبيل إلى تربية أولادنا من دون التعرف على رأي الإسلام في مسائل التربية. لقد حشد الغرب كل وسائله الإعلامية لكي يتخلى المسلمون عن تعاليم دينهم التربوية، وعلينا أن نقرر حمل المسؤولية في مواجهة هذه الحملات المسعورة لتفشي السفور الفاضح، والفساد والاختلاط.

لقد أصبح التلفزيون كالشارع، والشارع كالمدرسة، والمدرسة في كثير من الأحيان كالمرقص فماذا ننتظر؟

إن البيت أفضل مكان للتربية وعلينا أن نحصنه من الانحراف وأن نبنيه على التعاليم الإلهية لتنشأ فطرة أطفالنا وأجيالنا في مناخ سليم غير ملوث أخلاقياً.