المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : " توبة حسناء "



bode
11-Aug-2007, 08:09
قصة ((فريال))

قال الله سبحانه وتعالى: ((إن الله لا يُغيّر ما بقومٍ حتى يُغيَّروا ما بأنفسهم)).

من قاع الحرمان، ومن بين أنقاض الضياع والأسرة المقطعة الأوصال تنبت زنبقة بيضاء كبسمة الفجر حينما تشقشق عن ليل دامس تبصر حولها بيتاً بلا قيم وأرضاً بلا جذور وبانكسار تبحث عن حضن أم غلبتها أنانية متهتكة فتركت باب البيت مشرعاً نهباً لرياح الفساد تخلخل بنيانه وتصدع جدرانه ولا شيء غير الإهمال والتشرد.

كبرت ((فريال)) بلا حنان وبلا قيم تأكل وتشرب كأي كائن مادي تنمو حواسه الحيوانية وتتفتق في أعماقه رغبة جامحة في التهام الملذات، ليس ثمة ضوابط عقلية أو روادع نفسية تكبح هذه النوازع وتلجم صهيل الشهوات، الروح الطيبة ترفل في سماء حياتها ((فاطمة)) الخادمة الهندية تعبق بذلك الوفاء المتأصل في فطرتها نحو ذلك البيت الذي حوّلته الأم إلى وكر عربدة صديقات همشتهن الحياة وألقتهن على الأرصفة العتيقة، بقايا استحالت مع مرارة الزمن إلى كائنات ملغومة بالحقد تنسف كل القيود التي تحد جموحهن الأحمق.

و((أمها)) ترملت شابة فانبسطت لجمالها أجنحة الطمع تحتويها بجنون وتأخذها إلى كل حلم يدغدغ ذاكرتها وهي رهينة رجل طيب فقير طوق هذا الجمال المتمرد بذراعين رخوتين.

الخادمة ((فاطمة)) تلازم فريال كظلها مذ أن كانت غضة ملفوفة في قماطها الأبيض، هوت بها الأم الجحود في قاع الحرمان ((خذيها واسقيها الحليب)) قد جففت الحليب من ثدييها خشية أن يَتشوّه معالم الجمال فيه لتنطلق في جولاتها المتهورة وهي نفساء هادرة الرغبات ((الخادمة)) تحتضن الرضيعة التي برّح بها الجوع والحرمان في نوبات بكاء متشنجة تكابد حيرتها وإهمال الأم المفرط.

في ربيعها السادس عشر تفجرت كنوزها الأنثوية لترسم في تكوينها البديع جمالاً متفرداً في تعابيره وخوف فاطمة يكبر والرعب يتحول إلى مواجهة عاصفة بينها وبين الأم فكان قرار التسفير الجائر أسقط ((فريال)) في قعر الحزن الممض ففاطمة كانت الأمل الذي يتبرعم في هذا البيت القاحل اجتثت الأم جذوره من الأعماق. شاهدنها النسوة تعبر عيونهن المنبهرة في حسنها الوضّاء، فانحبست أنفاسهن في صدور ضاق بها الحسد ((أهذه إنسيّة أم حوريّة؟)) اشتعلت الغيرة في قلب الأم واستبدت بها أنانيتها البغيضة فحجبتها عن الظهور أمام الضيوف.
تعلمت ((فريال)) في ظروف وعرة ونتائجها صادمة لتوقعاتها، فذهنها متعكّر بالهموم والقلق وعيناها بحيرتا دمع لا تفتأ أن تفيض كلما داهمها رعب الأم تضربها في انفجاراتها العصبية المشتتة الدوافع، أصرّت على النجاح وشقت بين الصخور نهراً صغيراً فيه الأمل.

التحقت بمعهد المعلمات بنسبة ضئيلة وانطلقت في حياة جديدة مصقولة بنضج فاتن وبينما هي تخرج من باب المعهد تماشي صديقتها ((عبير)) لمحت ذلك الشاب المريب ظل يترقب إطلالتها فعرفت أنه شقيق ((عبير)) وصارحتها برغبة أخيها في الزواج منها، وفكرت ملياً في حياتها المضطربة فوجدت أن زواجها هو المخرج الوحيد الذي سينتشلها من مستنقع الهاوية.

تزوجت ((عدنان)) رجلاً عابثاً.. متكاسلاً، نزوي الطبع، منغمر في الملذات البهيمية وكانت نزوته الدنيئة مع الخادمة طعنة جارحة في صميم كبريائها بكت وكبدها يتلظى من وقد الألم ((ما أسوء حظي ما أتعسني من امرأة)) تفانت من أجل أن يستقر بيتها وغضت الطرف عن عيوبه وطّنت نفسها على طبعه وتكيفت مع تقلباته المزاجية كي تستقيم حياتها وتركن إلى شاطىء الأمن والسلامة.

حملت بإبنها ((طلال)) فرحة عمرها قد وطّن قلبها على الغفران لأبيه واحتساب الصبر استثماراً لاستقرار أبدي، أخلصت بعطاء نادر وجهاد في ورع، احتوت بيتها بدفء قلبها ورهافة روحها.
ذات مساء عادت من المستشفى إلى بيتها تحمل ابنها المريض مرهقة متهالكة تجرّ ساقين مكدودتين وفوجئت بمشهد عذابها الذي أباح دم كرامتها في بيت الزوجية صرخت بدوي هيستيري وانهالت عليهما ضرباً ((حقيرة، نذل، جبان...)) ما الذي ينقصك؟ جنونها الهادر متواطىء مع بغتة المشهد صفعها ثم شدها من ذراعها نحو الباب ((اخرجي أنتِ طالق، طالق، طالق،)).

صراخها الأمموي ينخر في عباب الضجة ((ابني طلال)). ويدفعها خارج الدار ((اخرجي اخرجي، حشرة، نكرة))، فتاهت بين دروب الضياع بلا مأوى ولا رجل مشتتة العقل وفكّرت أن تعود لأمها حينما عرفت أنها قد تزوجت وحدست أن الزواج قد أضفى عليها شيئاً من الرحمة والغفران.. طرقت ((فريال)) الباب وباغتها الزوج الذي شهق من هول جمالها وخلفه الأم المرتبكة ((ما الذي أتى بكِ في هذه الليلة؟)). وتسمّر الزوج في مكانه مشدوهاً ((ادخلي يا ابنتي)). أدخلتها الأم على مضض وحضورها المبهر يستثير غيرتها على زوجها الذي ما استقرت رغائبه في استمالتها.

بحثت عن عمل فإذا بالعروض تنهال عليها تباعاً، رؤوس كبيرة عبّدت لها الطريق وذللت لها منافذ العبور إلى القمة، فجمالها كان تأشيرة مرور نحو آفاق كثيرة. المدير العام لهذه الشركة استأثرها لنفسه ((سكرتيرة خاصة)) حسدتها النساء فهي ما خطرت في مكان حتى كانت لكل رجل مطمع واستباحها سوق النخاسة الذي حوّل المرأة إلى سلعة رخيصة تُسعّّر وفقاً لمقاييسها الجسدية.
استوعبت اللعبة وقررت أن تعيش في سياق هذا العصر الحسي النزعة وهوت بنفسها في هذا البحر الزاخر بالنعيم والمسرات فقد وهبها الله ثروة تفوق ثروات العالم الثالث كما قال أحد المنتفعين المبتذلين. ثم شرعت تستظهر مخالبها الأنثوية ومقالبها المتفننة لاستدراج رجال من الوزن الثقيل وهجرت أمها بعد أن استأجر لها مديرها شقة فخمة في حي راق.

صادف أن التقاها شاب من بلد عربي يعمل في السلك الدبلوماسي نبض قلبها بالحب نحوه واستشعرت رغبتها في الاستقرار ثانية. هفهفات طيبة من روح فاطمة مربيتها تهدهد روحها التواقة إلى حضن أسرة وعطف زوج اقترنت به وكان الثمن طردها من الشقة وإقالتها من العمل وما هي إلاّ أيام ظنت نفسها أنها بلغت نعيم الجنة حتى كشفت خبيئته، متورط في مشاريع مشبوهة بتغطية أحد الأثرياء الذي دعاه ذات ليلة على وليمة عبّرت عن خسة أصله ودناءة خُلقه! وهالها خبر حملها من هذا الزوج المريض الذي أدمن على كل المحرمات ولوث فطرتها الميالة للسكون والتوبة.

بكت بأسى وبعويل يصدع القلوب ((متى أستقر يا ربّاه؟)). عادت تبحث عن عمل جديد والذئاب تنهشها والعيون تغرس سهامها المتوحشة في لحمها، عرضوا عليها التمثيل وكل صنوف الغواية التي تحوّل كرامتها إلى أشلاء.

إنها تراوح بين الرفض والخضوع هي في الظاهر أمها المتمردة على القيم وفي باطنها ((فاطمة)) المؤمنة المتباكية في الصلاة ترتّل التعاويذ والأذكار حينما تأخذها إلى الفراش مازالت حاضرة بسمرتها الداكنة وخمارها الأسود. افترستها الأحزان فوهن جسدها الجائع الذي لفظ الجنين واستحوذتها كآبة قاتمة امتصت نضارتها وجففت رواءها- عرضت نفسها على طبيب نفسي قد لفّها بشرنقة الحيرة ليجتذبها إليه محتاجة فبدت مستسلمة لفنونه المغلفة بالسحر وظل يلاحقها بجنون ويتودد إليها تحت ذرائع غامضة فتركته متخبطاً في أهوائه. عادت لتستأجر ملحقاً صغيراً في أحد المنازل اتخذته مأوى لوحدتها ودفئاً لبرد وحشتها... هذه الليلة داهمتها حُمى أبلت عظامها وأدخلتها في غيبوبة حلم، نامت وعيناها طائراً حيرة تبحثان عن شاطىء فاطمة فهتفت بلوعة، متراخية بين اليقظة والغفوة ((أين أنتِ يا فاطمة))..

ارتعدت والعرق يتصبب من بدنها، تلهث، مذعورة ((فاطمة، فاطمة)) فاطمة تخاتلها بثوب أبيض تسقيها شربة من حليب مصفّى ((اشربي يا فريال)). إنها تنتفض، تبكي ساهمة يجتذبها نداء خفي ونور يسطع من بعيد، وثَبَت كمن لدغتها أفعى، ثم وقفت أمام المرآة متحفّزة تعنف نفسها: ((ما قيمتي وقد طواني جمالي في قبر من شهوات الرجال، ما أتعسني من امرأة، من أحبني؟ من احترمني؟ من أخذني دون ثمن؟!)). ثم هوت على الأرض باكية، نادبة، منتحبة ((يا رب تعرف أنني أمقت تلك الحياة الوضيعة، غداً سأخسر كل شيء وأتحوّل إلى نكرة مرمية على رصيف الحياة)).

وقررت ((فريال)) أن تعبر نحو الرصيف الآخر حيث الأمن والطمأنينة فكرت أن تزور إمام المسجد في الحي الذي تقطنه، وجلست بين يديه تقر ذنوبها، ووجعها الدامي، بارك خطوتها وأسبغ عليها شيئاً من فيوضات الله عبر آياته التي تستحث على التوبة مهما أسرف العبد في الذنوب والآثام فحدثها عن العفة والحجاب وارتدائه يعتبر نقطة تحوّل تأخذها إلى حياة الطهر والسعادة.

اغتسلت ((فريال)) غُسل التوبة وصلّت ركعتين أحست بارتياح لم تشعر به من قبل، نور يتغلغل إلى عتمة قلبها فيضيء كل جنباتها إنها في ربيعها الثلاثين وقد اختزنت تجارب مهجنة بالعذاب هدتها إلى حقيقة الحياة. وامرأة في ذروة الحسن والطلة البَهيّة المرشحة لأن تتبوء عرش الجمال إن استجابت تخرج من جوف الرذيلة إلى شق النور، وتقرر بصلابة وشموخ فاطمة أن ترتدي الحجاب متشحة بعباءة الطهر- منطلقة في رحاب الله عابدة، متبتلة لا يُرى منها إلاّ قرص وجهها الملائكي المجلل بالسكون المهيب.

ولّى عنها الاضطراب دون رجعة، تخلصت من الأقراص المنومة والمهدئات فإذا بهذا الانقلاب الهائل في حياتها يلقيها في مرافىء السكون والهداية، بحث لها إمام المسجد عن مهنة تسترزق منها وتقيها ذلّ الحاجة، عملت سكرتيرة في مدرسة بنات وتجلى بعد فترة لطف الله سبحانه ورحمته إذ خطبها شاب متدين قد توفت عنه زوجته، اقترنت به وذاقت معه رحيق الحب وشهد الحنان، تفانى في حبها وأغدق عليها نعماً ومسرات لم ترها في حياتها قط.

بعد سنتين من زواجها داهمها المرض الخبيث وعاشت تصارع الألم المرير في صبر وجلد وفي حضرة الحب المقدس يغمرها الزوج برعاية جمة تهمس في لحظاتها الأخيرة مودعة حياتها بين يديه:
((الحمد لله أنني مفارقة الدنيا وأنا في نعمة الإيمان مطمئنة إلى رحمة الله وبلائه في مرض عضال كفّر عن ذنوبي ومحى سيئاتي وأشكرك لأنك أذقتني ولأول مرة في حياتي طعم الحنان، أحمد الله كثيراً أن كانت توبتي متناغمة مع سياق القدر الذي كان يخبىء حتفي الأبدي بهذا المرض، الحمد لله أن كافأني الله عز وجل في خاتمة حياتي بأحسن مكافأة)).

للكاتبة خولة القزويني