المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صناعة وبناء قيم العمل الخيري والتطوعي لدى الصغار



احمد الشريف
03-May-2014, 01:56
صناعة وبناء قيم العمل الخيري والتطوعي لدى الصغار

كاتب المقال: احمد فتحي النجار
تعتمد الدول ككيانات اجتماعية متكاملة على قواعدها البشرية، إضافة إلى إمكانياتها ومواردها المتنوعة، لتنطلق نحو تحقيق أهدافها، وترسيخ مبادئها، وإعلاء أخلاقيتها، فالقواعد أو الموارد البشرية تعتبر هي المحرك الأول والفاعل الأكبر المنوط به الوصول لهذه الأهداف، فلقد ظلت القوة البشرية، وستظل كذلك، فلا خلاف على أن كل ما تحقق برعاية الله وبيد الله في كونه ينسب فعلاً للبشر، فعندما تتحدث عن الحضارات الإنسانية فإنها تنسب لمن عايشوها وعملوا على تحقيقها؛ فيقال: الحضارة الإسلامية، والفرعونية، والبابلية، والإغريقية، وهكذا. ولقد اهتمت الأمم - جيلا تلو الجيل - بالمنتج الإنساني؛ لتستمر منظومة الحضارة الإنسانية؛ ليتوارث الخلف من السلف ما يؤهله ويعينه على الوصول لذلك وتحقيقه.

والعمل الخيري والتطوعي، وغيرهما، من القيم التي تتوارثها الأجيال، ومن المعلوم أنه في الزمن المعاصر، بما فيه من أسباب الأخذ بالوسائل والأسباب العملية والعلمية، فإن صناعة جيل أو أجيال من الصغار تحمل هذه القيم وتنطلق بها وبالعالم نحو المزيد من التغلب على الأزمات والتقدم والرفاهية والانسجام والسلام، يحتاج إلى اتباع الوسائل العلمية التي تساهم في هذه الصناعة المهمة، فتقع المسؤولية المشتركة على الحكومات والمؤسسات والأفراد، دون تجزؤ، وتسير في طريقين متناقضين: أحدهما للبناء، والآخر للهدم، ولكنهما فيهما من القدرة ما يساهم في إنتاج هذه الصناعة الاستراتيجية والحيوية.

أولاً: الوسائل البنائية:
وتشترك في تعزيزها والأخذ بها كل من الأسرة والمؤسسات التربوية والتعليمية التي لها علاقة مباشرة مع الأطفال، ويعتبر التقارب بينهما في وجهات النظر والأفكار والطرق المتبعة أحد الأشكال الإيجابية التي تساهم في إنجاز المهمة، وعدم التضارب في التنشئة باعتبارها أحد المظاهر السلبية التي يتأثر بها الصغير، وتحدث له انتكاسات يتراجع فيها كثيراً، ويفقد الثقة والحماسة التي قد تعتريه في الاستفادة والتطبيق العملي لهذه القيم.

1- دور الأسرة:
الأسرة تعتبر هي المستقبِل الأول للصغير، ويقع عليها عملية تربيته وتعليمه والاهتمام به، ولا شك أن الطفل إذا تعلم قيم العمل الخيري والتطوعي في أسرة لا تتوقف ولا تنقطع عن هذا العمل سيكون هو الفاعل والمبلور الحقيقي لكل ما اكتسبه من خبرات في كنف أبويه وأسرته في المستقبل، وسيكون هو المعبر المنتظر في المستقبل للقيام بالأعمال التطوعية والخيرية، فالأسرة هي الكون الصغير للطفل، وهي البيئة المناسبة والطبيعية التي تساعد في إكسابه هذه المهارات الضرورية وغيرها من الخبرات.

2- دور المدرسة والمؤسسات التربوية:
المدارس والمؤسسات التربوية التي تتعهد الصغير بالمساندة العلمية والتربوية تقع عليها أدوار لا تقل عن أدوار الأسرة في تنشئة الصغير والاهتمام به، ولها مساهمات أكثر فاعلية في غرس القيم التي تساهم في تعلمه مباديء التطوع والعمل الخيري، من خلال العمل النظري والأكاديمي والتطبيق الفعلي بأشكال أولية مشوقة تجعل الطفل في حالة حقيقية لإظهار ما اكتسبه نظرياً وعملياً في صورته الأولية، بطريقة نموذجية يحقق فيها شخصيته وسط مجتمعه وعالمه، فالمهارات البسيطة، من خلال تعليم الطفل في المدرسة مباديء تنظيف الفصول وميادين المدارس والشوراع المحيطة، وطلاء الأسوار، وزيارة المرضى، واقتطاع أجزاء من من مصرفاتهم من أجل التبرع في الأوجه الحقيقية المستحقة، وبمتابعة وتعاطف الصغار - قد تكون الطريقة المثلى واللبنة التي يعلو بها صرح العمل التطوعي والخيري الشاهق في المستقبل القريب لمن يرسخ هذه المباديء.

3- دور وسائل الإعلام:
وسائل الإعلام، وخاصة الصحف والمجلات والقنوات التلفزيونية الموجهة مباشرة للأطفال، يقع عليها دور في بناء هذه القيم، من خلال ما تبثه من مادة إعلامية تستطيع أن تنفذ وتتغلغل في عقول الأطفال وأرواحهم، وتثبت في نفوسهم ما ترغب في تثبيته، فيمكن توجيهها توجيهاً كاملاً، أو توجيه جزء منها بما يصنع المعادلة، ويؤثر في شخصية الصغير بشكل يساعده على أن تكون لديه نزعة التودد والتقرب لمجتمعه، باقتطاع ولو جزء يسير من وقته ومجهوده ومن نفقاته في الوقت القريب، ليكون في المستقبل هو المبادر بصناعة الفعاليات التطوعية والمشاركة فيها، فتكون هذه القيم هي المزاج العام للسواد المجتمعي الكبير.

4- دور الأدباء والكتاب والإعلاميين والمؤسسات الداعمة:
الأدباء والكتاب والإعلاميون، وفي كل الأحوال، يساهمون في تشكيل الوعي العام للناس، ويعبرون عنه من خلال مؤلفاتهم وكتاباتهم ومتابعاتهم، وهم لديهم القدرات على تشكيل مزاج الطفل ووعيه من خلال تنبيهه وتوجيهه للقضايا الإنسانية التي تحيط به. والمؤسسات التي تدعم الكتاب والصحفيين لديها القدرة على تذليل المعوقات التي قد يواجهونها من خلال دعم كتاباتهم وأبحاثهم، ومتابعاتهم لهذه القضية الجوهرية التي صارت تبني المجتمعات من حولنا بطرق مباشرة، كالدعم المباشر للكتاب من خلال الصحف ودور النشر، أو بطريق غير مباشر من خلال المسابقات والندوات والفعاليات، وهناك مثال قريب ساهم في ذلك، وهو مسابقة الأمانة العامة لأوقاف الكويت، التي رصدت جوائز مالية كبيرة لدعم مسابقة لتعزيز قيم العمل الخيري والتطوعي لدى النشء، وقد وزعت جوائزها مؤخراً، مع استمرارية انطلاق هذ المسابقة التي شهدت مشاركة كبيرة جداً على مستويات المشاركة كل عامين.

5- الكشافة:
وهي تجمعات أو معسكرات - كما يروق المصطلح للبعض - ينضم إليها عدد كبير من المشاركين، لا سيما من الأطفال الصغار؛ لتبني فيهم قيم المشاركة التطوعية الفعالة، ويستطيع المدربون والمراقبون أن يوجهوهم توجيهاً اجتماعياً وأخلاقياً ييسر سبل هذه الصناعة الواعدة. والكشافة منظومة معروفة في الكثير من بلدان العالم، ولكنها تتزايد أهميتها والاهتمام بها في أوطاننا في حالات الانفتاح السياسي للأنظمة الحاكمة، وتتراجع في حالات التربص والانغلاق، دون الاهتمام بأجيال قد تكون هي الداعم الحقيقي للمجتمعات ولهذه الأنظمة عندما تتراجع لأسباب أو لأخرى.


ثانياً : وسائل الهدم:

والهدم هنا ليس هو الهدم المطلق الذي لا يفضي إلا للهدم من أجل الهدم، ولكنه الهدم الذي يذلل سبل فاعلية البناء وإعلاء ذلك الصرح وتقويم الخلل في هذه الصناعة المستقبلية المهمة، وتقوم به الدولة والأسرة والمدرسة والمجتمع ككل، فالدولة - مثلا - منوط بها مواجهة الآثار السلبية التي قد تبث فتجعل الأطفال في حالة انفصام عن الواقع، وتكسبهم خبرات سلبية تجعلهم في حالة نقمة على أوطانهم وأهليهم، ومن ذلك وسائل الإعلام التي تساعد في تعلم العنف والكراهية دون الأخلاقيات والقيم، ومنها أخلاقيات العمل الخيري والتطوعي، كما أن الأسرة والوالدين هم المراقب الأول لسلوك الطفل وتوجهاته، فيمكنهم مراقبته وتأديبه وتقويمه إذا حدث الخلل، ودمجه في الاتجاه السليم، فالتجارب السلبية قد تساهم في تنفيره من كل القيم، وتسهل عليه اتباع السلوكات العنيفة والمشينة التي لا تليق به ولا بمجتمعاتنا التي تمتلك إمكانيات وموارد بشرية تستطيع ريادة هذه الأرض بمن فيها، ويقع على مؤسساتنا التربوية والاجتماعية نفس الدور تقريباً.

والله من وراء القصد ،،