المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المنفلوطي - شخصيات لن ينساها التاريخ



bode
17-Jul-2007, 05:22
مصطفى لطفي المنفلوطي أديب مصري من أم تركية قام بالكثير من ترجمة و اقتباس بعض الروايات الغربية الشهيرة بأسلوب أدبي فذ و استخدام رائع للغة العربية . كتابيه النظرات و العبرات يعتبران من أبلغ ما كتب بالعربية في العصر الحديث .

ولد مصطفى لطفي المنفلوطي في منفلوط إحدى مدن محافظةأسيوط في سنة 1876م ونشأ في بيت كريم توارث اهله قضاء الشريعة ونقابة الصوفية قرابة مائتى عام ونهج المنفلوطى سبيل آبائه في الثقافةوالتحق بكتاب القرية كالعادة المتبعة في البلاد آنذاك فحفظ القرآن الكريم كله وهو دون الحادية عشرة ثم أرسله ابوه إلى الأزهر بالقاهرة تحت رعاية رفاق له من أهل بلده وقد اتيحت له فرصة الدراسة على يد الشيخ محمد عبده وبعد وفاه أستاذه رجع المنفلوطى إلى بلده حيث مكث عامين متفرغا لدراسة كتب الادب القديم فقرأ لابن المقفع و الجاحظ والمتنبي وأبى العلاء المعري وكون لنفسه أسلوبا خاصا يعتمد على شعوره وحساسية نفسه .

وللمنفلوطى أعمال أدبية كثيرة اختلف فيها الرأى وتدابر حولها القول وقد بدأت أعمال المنفلوطى تتبدى للناس من خلال ماكان ينشره في بعض المجلات الإقليمية كمجلة الفلاح والهلال والجامعة والعمدة وغيرها ثم انتقل إلى اكبر الصحف وهى المؤيد وكتب مقالات بعنوان نظرات جمعت في كتاب تحت نفس الاسم على ثلاثة أجزاء .

من مؤلفاته :

1- كتاب ( النظرات ) وهو في 3 أجزاء . يضم مجموعة مقالات في الأدب الاجتماعي , والنقد الادبي والسياسة والاسلاميات و مجموعة من القصص القصيرة المنقولة او الموضوعه , وهي جميعا كانت قد نشرت في المؤيد وجرائد اخرى وكان قد بدأ بكتابتها منذ عام 1907

2- كتاب ( العبرات ) يضم 9 قصص وضعها المنفلوطي وهي : اليتيم , الحجاب , الهاوية . و واحدة مقتبسة من قصة امريكية اسمها صراخ القبور وجعلها المنفلوطي بعنوان العقاب . و خمس قصص مترجمة صاغها المنفلوطي وهي : الشهداء , الذكرى , الجزاء , الضحية , الانتقام . طبع هذا الكتاب في العام 1916.

3- رواية (في سبيل التاج ) صاغها المنفلوطي وتصرف بها بعد ترجمتها له عن الفرنسية . وهي أساسا مأساة شعرية تمثيلية , كتبها فرانسوا كوبيه احد ادباء القرن التاسع عشر في فرنسا . وكان المنفلوطي قد اهداها الى الزعيم سعد زغلول .في العام 1920.

4- رواية ( بول وفرجيني ) صاغها المنفلوطي , بعد ترجمتها له عن الفرنسية وجعلها بعنوان ( الفضيلة ) وهي في الأصل للكاتب برناردين دي سان بيار , احد ادباء القرن التاسع عشر في فرنسا , وقد كتبها في العام 1921.

5- رواية ( الشاعر ) صاغها المنفلوطي بعد ترجمتها له عن الفرنسية . وهي في الاصل بعنوان : سيرانو دي برجراك , للكاتب الفرنسي أدمون روستان . وقد نشر النص العربي في العام 1921 .

6- رواية ( تحت ظلال الزيزفون )صاغها المنفلوطي بعد ترجمتها له عن الفرنسية وجعلها بعنوان ( ماجدولين ) وهي في الاصل للكاتب الفرنسي الفونس كار .

7- كتاب ( مختارات المنفلوطي ) وهي مجموعه من جيد منظوم العرب ومنثورها في حاضرها وما ضيها . جمعها المنفلوطي بنفسه لتهذيب بيان الناشئة وتقويم لسان طلاب المدارس .

كما ان مؤلفات المنفلوطي لا تمل من قرائتها ابدا ............

أطواره
كان يميل في نظرياته إلى التشاؤم، فلا يرى في الحياة إلا صفحاتها السوداء، فما الحياة بنظره إلا دموع وشقاء، وكتب قطعة (الأربعون) حين بلغ الأربعين من عامه، وقد تشائم فيها من هذا الموقف، وكأنه ينظر بعين الغيب إلى أجله القريب.

مرضه

أصيب بشلل بسيط قبل وفاته بشهرين، فثقل لسانه منه عدة أيام، فأخفى نبأه عن أصدقائه، ولم يجاهر بألمه، ولم يدع طبيباً لعيادته، لأنه كان لا يثق بالأطباء، ورأيه فيهم أنهم جميعاً لا يصيبون نوع المرض، ولا يتقنون وصف الدواء، ولعل ذلك كان السبب في عدم إسعاف التسمم البولي الذي أصيب به قبل استفحاله. فقد كان قبل إصابته بثلاثة ايام في صحة تامة لا يشكو مرضاً ولا يتململ من ألم.

وفي ليلة الجمعة السابقة لوفاته، كان يأنس في منزله إلى إخوانه ويسامرهم ويسامروه، وكان يفد إليه بعض أخصائه وأصدقائه من الأدباء والموسيقيين والسياسيين، حتى إذا قضى سهرته معهم انصرفوا إلى بيوتهم ومخادعهم، وانصرف هو إلى مكتبه فيبدأ عمله الأدبي في نحو الساعة الواحدة بعد نصف الليل.

وفي نحو الساعة الثانية عشرة من تلك الليلة انصرف أصدقاؤه كعادتهم وانصرف هو إلى مكتبه، ولكنه ما كاد يمكث طويلاً حتى أحس بتعب أعصابه وشعر بضيق في تنفسه، فأوى إلى فراشه ونام، ولكن ضيق التنفس أرقه. كتب عليه أن يختم بالتأوه والأنين، كما عاش متأوهاً من مآسي الحياة ساجعاً بالأنين والزفرات، وأدار وجهه إلى الحائط وكان صبح عيد الأضحى قد أشرقت شمسه ودبت اليقظة في الأحياء، فدب الموت في جسمه في سكون وارتفعت روحه مطمئنة إلى السماء بعدما عانت آلامها على الأرض سنة 1924 م.

قيل عنه أنه أبلغ كاتب في العصر الحديث من حيث رشاقة العبارة ورقة التعبير وتصوير الحوادث تصويراً حقيقياً..

وهو صاحب القلم البديع الجذاب المتفوق في جميع الأغراض والمقاصد حتى سمي بحق " أمير البيان "

لأسلوبه تأثير خاص على نفوس القارئين كأنه يكتب بكل لسان ويترجم عن كل قلب عن أخلاق المنفلوطي يقول الأديب الناقد حسن الزيات في كتابه تاريخ الأدب العربي : " إنه كان مؤتلف الخلق .. متلائم الذوق متناسق الفكر متسق الأسلوب .. منسجم الزي وكان صحيح الفهم في بطء سليم الفكر في جهد دقيق الحسن في سكون ..هيوب اللسان في تحفظ وهو الى ذلك رقيق القلب عّف الضمير سليم الصدر صحيح العقيدة موزع الفضل والعقل والهوى بين أسرته ووطنيته وانسانيه.

قال عنه محمد عبدالفتاح في كتابه أشهر مشاهير أدباء الشرق وطنّي يتهالك وجداً على حب وطنه ويذري الدمع حزناً عليه وعلى ما حل به من صنعة الحال وفقدان الأستقلال . ليس له حزب خاص ينتمي اليه ولا جريدة خاصة يتعصب لها وليس بينه وبين جريدة من الجرائد علاقة خاصة حتى الجرائد التي كان يكتب فيها رسائله فلم يكن بينه وبينها أكثر مما يكون بين أي كاتب يكتب رسائله له مطلق الحرية في أي صحيفة يتوسل بانتشارهاالى نشر آرائه وأفكاره فان لاقاها في شيء من مبادئها ومذاهبها لاقاها مصادفة واتفاقاً وإن فارقها في ذلك فارقها طوعاً واختياراً .

لاقت روايات المنفلوطي وكتبه الأدبية شهرة واسعة في جميع الأقطار العربية فطبعت مرات متعددة وتهافت الناس من كل الأعمار والأجناس على قراءتها .. لكن صاحبها لم يسلم من النقد ومن ألسنة النقاد وأقلامهم إذ انقسم الناس حوله بين مؤيد ومعارض وهذا شأن جميع الكبار في ميادين الأدب والفن والسياسة وغيرها أما الأديب اللبناني عمر فاخوري فكان أشد الناس قسوة على المنفلوطي فقد قال : إن مذهبه الأدبي غامض وآراءه في صنعة الأدب مبهمة الى جانب هذا النقد الجارح اتفق مؤيدوه على ان انشاءه فريد في اسلوبه وأن ما كتبه كان له الأثر الكبير في تهذيب الناشئة أخلاقاً ولغة وسلوكاً .

فالدكتور طه حسين يقول إنه كان يترقب اليوم الذي تنشر فيه مقالات المنفلوطي الأسبوعية في جريدة المؤيد ليحجز لنفسه نسخته منها وكان يقبل على قراءتها بكل شغف .

وقد قال عنه العقاد إنه أول من أدخل المعنى والقصد في الإنشاء العربي ولقد أجمع الذين عرفوا المنفلوطي وعاشروه على أنه متحل بجميع الصفات التي كان يتكلم عنها كثيراً في رسائله وأن أدبه النفسي وكرم أخلاقه وسعة صدره وجود يده وأنفته وعزة نفسه وترفعه عن الدنايا وعطفه على المنكوبين والمساكين ورقة طبعه ودقة ملاحظاته ولطف حديثه إنما هي بعينه كتبه ورسائله لا تزيد ولا تنقص شيئاً.

هكذا كان المنفلوطي الأديب والأنسان والسياسي
منقول

توتي فروتي
17-Jul-2007, 06:45
قد قرأت للمنفلوطي بعض قصصه .. في سبيل التاج والفضيلة وماجدولين وتحت ظلال الزيزفون .. وكلها قصص راااااااائعة فعلا ..

أذكر انني فتحت قصة (في سبيل التاج) عند الساعة 11 وكانت طويلة جدا .. وقلت سأقرا ساعة ثم اغلق القصة وانام .. لكني تحمست مع الكاتب .. فله أسلوب مشوق فعلا .. ولم أشعر إلا بأذان الفجر !!!

رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ..

بارك الله فيك بودي والف شكر ..

احترامي وتقديري
:)

bode
20-Jul-2007, 03:30
مصطفى لطفي المنفلوطي

اليكم الجميل عن مصطفى لطفي المنفلوطي الذي تأثرتُ به كثيراً وأحببته هو مصطفى لطفي المنفلوطي الذي ولد بمنفلوط بصعيد مصر بأسيوط سنة 1876 .. المنفلوطي كاتب مصري ، تعلم بالأزهر ، واتصل بالشيخ محمد عبده ، وعاون الشيخ علي يوسف في تحرير جريدته (المؤيد) ، وكان المنفلوطي قارئا ذواقة ، شديد التأثر برشاقة التعبير غير المتكلف في شعر القدماء ونثرهم ، وساعده في عمله في الصحافة اصطناعه اسلوب فني متحرر من المحسنات..

مجموعة مقالاته ( النظرات ) ( ثلاثة أجزاء ، 1910- 1920 ) تشمل توضيح مذهبه في الأدب والدفاع عن المثل العليا للثقافة العربية الإسلامية ونقد الرذائل الاجتماعية ، مع بعض القصص الساذج .. صاغ باسلوبه عدة روايات ترجمت له عن الأدب الفرنسي :

تحت ظلال الزيزفون ( ماجدولين )( الشاعر أو السير لي برجراك ) (و في سبيل التاج) فلقيت كمقالاته إقبالا كبيرا ، كما أن للمنفلوطي ديوان شعر ..

وتوفي مصطفى لطفي المنفلوطي سنة 1924 م . مصطفى لطفي المنفلوطي كثيراً بالقصص الفرنسية ذات طابع الكآبة والتشاؤم ..فأورثه الإيناس بتصوير الآلام والآثام ولا يبصر من الحياة إلا وجهها القاتم القبيح .. وكثيراً ما كان يستمد مواضيع كتاباته من أخبار الصحف وتعليقاتها ومن حديث الناس وتعليلاتهم .. على أن للمنفلوطي من جمال الديباجة وحلاوة التعبير وحسن التوقيع والتظرف في سرده و أوصافه ما يجعل القاريء يقبل عليه ويأنس بالجلوس إليه ويجد متعة في قراءة أدبه وتذوق إنشائه ... ترجمته في كتاب النظرات نشر المجموعة.

ابداع المنفلوطي صادراً من كونه كاتباً طبيعياً (العفوية في الكتابة). فلم يحرص المنفلوطي على استخدام الكلمات لتزيين مقالاته أوقصصه بقدر ما حرص على توضيح الصور بأيسر الكلمات .. ولعل من أشد إبداعاته في نظري مقدمته لكتاب النظرات ..

بل أزيده كذلك ما سطره بعنوان (البيان) في الجزء الثالث من نظراته .. والتي ختمه بهذه الكلمات:
أنا لا ألوم على الركاكة والتفاهة الأغبياء الذين أظلمت أذهانهم فأظلمت أقلامهم، وظلمة القلم أثر من آثار ظلمة العقل؛ ولا الجاهلين الذين لم يدرسوا قوانين اللغة، ولم يمارسوا أدبها ولم يتشبعوا بروح منظومها ومنثورها، ولا العاجزين الذين غلبتهم إحدى اللغات الأعجمية على أمرهم فأصبحوا اذا ترجموا ترجموا ترجمة حرفية ليس فيها مميز واحد من مميزات العربية، ولا خاصة من خواصها؛ وإذا كتبوا كتبوا بأسلوب عربي الحروف، أعجمي كل شيء بعد ذلك، فهؤلاء جميعاً لا حول لنا فيهم ولا حيلة؛ لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا غير ذلك؛ إنما ألوم المتأدبين القادرين الذين عرفوا اللغة،
واطلعوا على أدبها،و فهموا سر فصاحتها ، وأنقم منهم عدولهم عن المحجة في البيان إلى الجمجمة والغمغمة فيه؛ وأنعي عليهم نقص القادرين على التمام.

وللمنفلوطي تذق جميل وراق للشعر .. ولعل (اللفظ والمعنى) في الثاني من نظراته تعد علامة ودليلاً على ما ذكرت ..وله قصص جميلة جداً ومبدعة .. منها : غرفة الأحزان والحجاب والصياد ويوم العيد .. وهذه القصص الأربعة جمعها شريط واحد بعنوان الصياد من اعداد وتقديم الأستاذ فوزي اليحيى وهي من سلسلة من روائع الأدباء انتاج بينات للإنتاج الإعلامي والتوزيع ..

من أجمل ما سطره المنفلوطي

الإنصاف من أجمل ما سطره في جزء نظراته الأولى بعنوان (الإنصاف) ... قال :

إذا كان لك صديق تحبه وتواليه، ثم هجمت منه على ما لم يحل في نظرك، ولم يتفق مع ما علمت من حاله، وما اطرد عندك من أعماله، أو كان لك عدو تذم طباعه، وتنقم منه شؤونه، ثم برقت لك من جانب أخلاقه بارقة خير فتحدثت بما قام في نفسك من مؤاخذة صديقك على الخصلة التي ذممتها وحمد عدوك على الخلة التي حمدتها، عدك الناس متلوناً أو مخادعاً أو ذا وجهين تمدح اليوم من تذم بالأمس، وتذم في ساعة من تمدح في أخرى، وقالوا : إنك تظهر ما لا تضمر، وتخفي غير الذي تبدي.

ولو أنصفوك لأعجبوا بك وبصدقك، ولأكبروا سلامة قلبك من هوى النفس وضلالها، ولسموا ما بدا لهم منك اعتدلاً لا نفاقاً، وإنصافاً لا خداعاً، لأنك لم تغل في حب صديقك غلو من يعميه الهوى عن رؤية عيوبه، ولم تتمسك من صداقته بالسبب الضعيف، فعنيت بتعهد أخلاقه، وتفقد خلاله، لإصلاح ما فسد من الأولى وأعوج من الأخرى.

إن صديقك الذي يبسم لك في حالي رضاك وغضبك، وحلمك وجهلك، وصوابك وسقطك، ليس ممن يغبط بمودته، أو يوثق بصداقته، لأنه لا يصلح أن يكون مرآتك التي تتراءى فيها فتكشف لك عن نفسك، وتصدقك عن زينك وشينك وحلوك ومرك، وهو إما جاهل متهور في ميوله وأهوائه، فلا يرى غير ما تريد أن ترى نفسه، لا ما لا يجب أن تراه؛ وإما منافق مخادع قد علم أن هواك في الصمت عن عيوبك وتجرير الذيول، فجاراك فيما تريد، ليبلغ منك ما تريد.

فها أنت ذا ترى أن الناس يعكسون القضايا، ويقلبون الحقائق، فيسمون الصادق كاذباً، والكاذب صادقاً؛ ولكن الناس لا يعلمون ...

الصدق والكذب

قال المنفلوطي :جاءني هذا الكتاب من أحد الفضلاء ...

يا صاحب النظرات :

سمعت بالصدق وما وعد الله به الصادقين من حسن المثوبة وجزيل الأجر .. وسمعت بالكذب ... وما أعد الله للكاذبين من سوء العذاب وأثيم العقاب .. وقرأت ما كتبه حكماء الأمم من عهد آدم إلى اليوم .. وإجماعهم أن الصدق فضيلة الفضائل والأصل الذي تتفرع عنه جميع الأخلاق الشريفة .. والصفات الكريمة .. وأنه ما تمسك به متمسك إلا كان النجاح في أعماله ألصق به من ظله .. وأعلق به من نفسه. سمعت هذا وقرأت ذاك فلم يبق في نفسي ريب في أن ما أنا مرزوء به في حظي من الشقاء، وعيشي من الضنك، وحياتي من الهموم والأكدار، إنما جره علي شؤم الكذب، وان ما كنت أتخيله قبل اليوم من أن هناك مواقف يكون فيها الكذب أنفع من الصدق وأسلم عاقبة، إنما هو ضرب من ضروب الوهم الباطل .. ونزعة من نزعات الشيطان، فعاهدت الله ونفسي ألا أكذب ما حييت، وأعددت لذلك القسم العظيم عدته من شجاعة نفس وقوة عزيمة بعد ما وجهت وجهي إلى الله تعالى وسألته أن يمدني يمعونته ونصره .

ها أنا ذاكر لك مواقف الصدق التي وقفتها بعد ذلك العهد، وما رأيته من آثارها ونتائجها.

الموقف الأول :

جلست في حانوتي فما وقف بي مساوم إلا صدقته القول في الثمن الذي اشتريت به السلعة والربح الذي أريده لنفسي منها والذي لا أستطيع أن أعد نفسي رابحاً إذا تجاوزت عن بعضه ... فيأبى إلا الحطيطة فآباها عليه، فينصرف عني استثقالاً للثمن واستعظاماً لقدره، وما هو إلا الربح الذي اعتدت أن آخذه في مثل تلك الصفقة، إلا أنني كنت أكذب عليه في أصل الثمن فيصغر في نظره الربح، فلما صدقته عنه أعظمه وانصرف عني إلى سواي، ولم أزل على هذه الحال حتى أظلني الليل، ولم يفتح الله على بقوت يومي، وما هي إلا أيام قلائل حتى عرفت في السوق بالطمع والمغالاة فأصبحت لا يطرق باب حانوتي طارق ...

الموقف الثاني :

جلست في مجلس يتصدره شيخ من تجار العقول الضيقة المعروفين بمشايخ الطرق ... وقد حف به جماعة من عبدته وسدنة هيكله فسمعته يشرح لهم معنى التوكل شرحاً غريباً يذهب فيه إلى أنه القعود عن العمل، وإلقاء حبل هذا الوجود على غاربه، وإعارض عن كل سعي يؤدي إلى أية غاية، ويعتمد في هذيانه هذا على آيات يؤولها كما يشاء، وأحاديث لا يستند في صحتها على مستند سوى أنه سمعها من شيخه، أو قرأها في كتابه، وأكثر ما كان يدور على لسانه حديث "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً" فقلت له – وقد أخذ الغيظ من نفسي مأخذه : يا شيخ : أردت أن تحتج لنفسك فاحتججت عليها، أتعمد إلى حديث يستدل به رواته على وجوب السعي والعمل فتستدل به على البطالة والكسل، ألم تر أن الله سبحانه وتعالى ما ضمن للطير الرواح بطاناً إلا بعد أن أمرها بالغدو، وهي التي ترويها القطرة، وتشبعها الحبة، فكيف لا يأمر الإنسان بالسعي، وهو من لا تفنى مطالبه، ولا تنتهي رغباته.

أيها القوم. إنكم تقولون بألسنتكم ما ليس في قلوبكم. إنكم عجزنم عن العمل، وأخلدتم إلى الكسل، وأردتم أن تقيموا لأنفسكم عذراً يدفع عنكم هاتين الوصمتين فسميتم ما أنتم فيه توكلاً، وما هو إلا العجز الفاضح، والإسفاف الدنيء.

وهنا زفر الشيخ زفرة الغيظ، ونادى في قومه : أن أخرجوا هذا الزنديق الملحد من مجلسي، فتألبوا علي تألبهم على قصاع الثريد، وأوسعني لطماً وصفعاً، ثم رموا بي خارج الباب، فما بلغت منزلي حتى هلكت أو كدت، فما مررت بعد ذلك بطائفة من العامة إلا رموني بالنظر الشزر، وعاذوا بالله من رؤيتي كما يعوذون به من الشيطان الرجيم ...

الموقف الثالث :
لا أكتمك يا سيدي .. أني كنت أبغض زوجتي بغضاً يتصدع له القلب، غير أني كنت أصانعها وأتودد إليها وأمنحها من لساني ما ليس له أثر في قلبي، مداورة لها وابقاء على ما تحت يدي من صبابة مال كانت لها، فرأيت أن ذلك أكذب الكذب وأقبحه، فآليت على نفسي ألا أسدل بعد اليوم من دونها حجاباً يحول بينها وبين سريرتي، فانقطع عن مسمعها ذلك السلسبيل العذب من كلمات الحب، فاستوحشت مني وأظلم ما بيني وبينها، فما هي إلا عشية أو ضحاها، حتى وهنت تلك العقدة وانحل ذلك الوثاق، وختمت سورة الفراق بآية الطلاق.

الموقف الرابع :

حضرت مجتمعاً يضم بين حاشيته جماعة من الفضوليين الذين تضيق بهم مذاهب القول فليجأون إلى الحديث عن الناس وتتبع عثراتهم، ويحاولون أن ينبشوا دفائن صدورهم، ويتغلغوا في أطواء سرائرهم؛ ويغالون في ذلك مغالاة الكيمائي في تحليله وتركيبه، فرأيتهم يتناولون رجلاً عظيماً من أصحاب الآراء السياسية لا أعتقد أن بين السالكين مسلكه والآخذين أخذه من أخلص لأمته إخلاصه، أو وقف الموقف المشهورة وقوفه؛ أو لاقى في ذلك السبيل من صدمات الدهر وصربات الأيام ما لاقاه، وسمعتهم يسمونه خائناً، فوالله لأن تقع السماء على الأرض أحب إلي من أن يتهم البريء أو يجازى المحسن سوءاً على إحسانه؛ سمعت ما لم أملك نفسي معه، فقلت يا قوم : أتطالعون من كتاب الحرية مائة صفحة ونيفاً ثم لا تزالون عبيد الأوهام، أسرى الخيالات، سراعاً إلى كل داع، سعاة مع كل ساع، تنظرون بغير روية، وتحكمون بغير علم، إنكم بعملكم هذا لتزهدون المحسن في إحسانه؛ وتلقون الرعب في قلب كل عامل يعمل لأجلكم؛ وتثبطون همة كل من يحدث نفسه بخدمتكم وخدمة قضيتكم، أليس مما يلقي في النفس اليأس من نجاحكم وصلاح حالكم، أن نراكم طعمة كل آكل، ولعبة كل لاعب ? ويستهويكم الكاذب بالكلمات التي تستهوي بها المرضعات أطفالهن ثم يدعوكم إلى مناوأة الصدق فتمنحون الأول ودكم وإخلاصكم ? وبالثاني بغضكم وموجدتكم ...

خاطبتهم بهذه الكلمات أريد بها خيراً لهم، فأرادوا شراً بي ! فما خلصت من بينهم إلا وأنا ألمس رأسي بيدي لأعلم أين مكانها من عنقي !

الموقف الخامس :

قابلني في الطريق شاعر يحمل في يده طوماراً كبيراً، وكنت ذاهباً إلى موعد لا بد لي من الوفاء به، فرض علي أن يسمعني قصيدة من طريف شعره، وأنا أعلم الناس بطريفه وتليده، فاستعفيته بعد أن كاشفته بعذري فأبى، فانتحيت به ناحية من الطريق فأنشأ يترنم بالقصيدة بيتاً بيتاً، وأنا أشعر كأنما يجر عني السم قطرة قطرة، حتى تمنيت أنه لو ضربني بها جملة واحدة يكون فيها انقضاء أجلي ليريحني من هذا العذاب المتقطع والتمثيل الفظيع، وكلما أتي على بيت منها أقبل علي بوجهه، وأطال النظر في وجهي وحدق في عيني، ليعلم كيف كان وقع شعره على نفسي، فإذا رأى تقطيب وجهي ظنه تقطيب الشارب لارتشاف الكأس فيستمر في شأنه حتى أنشد نحو خمسين بيتاً، ثم وقف وقال : هذا هو القسم الأول من أقسام القصيدة، فقلت : وكم عدد أقسامها يرحمك الله ? قال : عشرة ليس فيها أصغر من أولها، قلت : أتأذن لي أن أقول لك يا سيدي أن شعرك قبيح، وأقبح منه طوله، وأقبح من هذا وذاك صوتك الخشن الأجش، وأقبح الثلاثة اعتقادك أني من سخافة الرأي وفساد الذوق بحيث يعجبني مثل هذا الشعر البارد عجباً يسهل علي فوات الغرض الذي ما خرجت من منزلي إلا لأجله .. فتلقاني بضربة بجمع يده في صدري، فرفعت عصاي وضربته بها على رأسه ضربة ما أردت بها –يعلم الله- إلا أن أصيب مركز الشعر من مخه فأفسده عليه فسقط مغشياً عليه . وسقطت القصيدة من يده فأسرعت إليها ومزقتها، وأرحت نفسي منها،

وأرحت الناس من مثل مصيبتي فيها، وكان الشرطي قد وصل إلينا فاحتملنا جميعاً إلى المخفر ثم إلى السجن حبث أكتب إليك كتابي هذا ...

فيا صاحب النظرات أفتني في أمري، وأنر ظلمة نفسي، فقد أشكل علي الأمر، وأصبت أسوأ الناس بالصدق ظناً، بعد ما رأيت أني ما وقفت موقفه في حياتي إلا خمس مرات، فكانت نتيجة ذلك إفلاسي وخراب بيتي، واتهمني بالخيانة مرة والزندقة أخرى، ذلك إلى ما أقاسيه اليوم في هذا السجن من أنواع الآلام، وصنوف الأقسام ...

مما احتواه كتابه الذائع الصيت النظرات

إن كنت تعلم أنك قد أخذت على الدهر عهداً أن يكون لك كما تريد في جميع شئونك وأطوارك ، وألا يعطيك ولا يمنعك إلا كما تحب وتشتهي فجدير بك أ، تطلق لنفسك في سبيل الحزن عنانها كلما فاتك مأرب ، أو تعذر عليك مطلب . وإن كنت تعلم أخلاق الأيام وأخذها وردها وعطاءها ومنعها ، وأنها لا تنام على منحة تمنحها حتى تكر عليها راجعة فتستردها ، وأن هذه سنتها وتلك خلتها في جميع أبناء آدم سواء في ذلك ساكن القصر وساكن الكوخ ، ومن يطأ بنصاله هام الجوزاء ومن ينام
على بساط الغبراء ، فخفض من حزنك ، وكفكف من دمعك ، فما أنت بأول عرض أصابه سهم الزمن ، وما مصابك بدعة خارقة في جريدة المصائب والأحزان .

أنت حزين لأن نجماً زاهراً من الأمل كان يتراءى لك في سماء حياتك فيملأ عينيك نوراً ، وقلبك سروراً ، وما هي إلا كرة الطرف أن افتقدته فما وجدته ، ولو أنك أجملت في أملك لما غلوت في حزنك . ولو أنعمت نظرك فيما تراءى لك لرأيت برقاً خاطفاً ما تظنه نجماً زاهراً ، وهنالك لا يبهرك طلوعه ، فلا يفجعك أفوله .

أسعد الناس في هذه الحياة من إذا وافته النعمة تنكر لها ونظر إليها نظر المستريب بها وترقب في كل ساعة زوالها .. فإن بقيت في يده فذاك وإلا فقد أعد لفراقها عدته من قبل . لولا السرور في ساعة الميلاد ما كان البكاء ساعة الموت ولول الوثوق بدوام الغنى ما كان الجزع من الفقر ولولا فرحة التلاق ما كانت ترحة الفراق .

سليل
20-Jul-2007, 08:04
أسعد الناس في هذه الحياة من إذا وافته النعمة تنكر لها ونظر إليها نظر المستريب بها وترقب في كل ساعة زوالها .. فإن بقيت في يده فذاك وإلا فقد أعد لفراقها عدته من قبل . لولا السرور في ساعة الميلاد ما كان البكاء ساعة الموت ولول الوثوق بدوام الغنى ما كان الجزع من الفقر ولولا فرحة التلاق ما كانت ترحة الفراق .


الله يعطيك الف عافيه bode

عبدالحكيم الدواف
12-Oct-2007, 03:12
bode

الله يعطيك العافية
ودمتم سالمين
الدواف