المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إماطة اللثام عن قصص النجاح في المجال الإنساني



احمد الشريف
05-Mar-2013, 01:49
إماطة اللثام عن قصص النجاح في المجال الإنساني


يشعر الإنسان بسعادة غامرة ونشوة بالغة عندما يستطيع أن يحرز نجاحا أو يحقق إنجازا أو أمنية، على مستوى حياته الخاصة، سواء كان ذلك في مجال التحصيل العلمي أو العملي المهني، أو بلوغ المكانة أو الجاه أو تحصيل الثروة، لكن ماذا عنه عندما يكون سببا في إيصال غيره، من أصحاب الحاجة والظروف الخاصة إلى قمم النجاح والإنجاز، وتذليل الصعاب التي قد تكون عائقا في وجوههم؟! ليعيشوا حياة كريمة موفّقة كأقرانهم.
العمل الخيري والإنساني قديما وحديثا استطاع أن يسطّر عدداً معتبراً من قصص النجاح سواء على مستوى الأشخاص أو المشاريع. ووقف وراء هذا النجاح ـ ولا يزال ـ محسنون ومتطوعون أو مؤسسات وجمعيات إنسانية ومنظمات مجتمع مدني، ولكنّ قليلاً من هذه القصص ما تمّ تدوينه وتوثيقه، ومن ثم تقديمه وعرضه، لأسباب كثيرة لعلّ أهمها الخشية من الرياء والسُمعة، والرغبة في إخفاء المعروف طلبا لمزيد من الأجر، أو الإهمال وعدم الاكتراث بهذا الجانب وتأثيره المهمّ.
كثيرة هي قصص النجاح التي أخذ زمام مبادرتها شخص أو فريق عمل من المتطوعين فأحدثت تغييرات مهمة في حياة الأفراد والمجتمعات، وظهر أثرها فرقاً بيًّنا في مسار ومستقبل حياتهم في مستويات مختلفة، انتشلتهم من قيعان الضياع والتشرد، ووضعتهم على جادة الحياة السليمة، أو أعادت البسمة لحياتهم بعد ألم ممضٍ أو يأس وقنوط وإحباط، أو أوجدت حلولا لمشاكل حياتية يعانون منها أو من البيئة المحيطة بهم.
من هذه القصص الواقعية على سبيل المثال لا الحصر كفيفة من أسرة ضعيفة الحال بغزة تجد من يقف إلى جانب تحديها، لمواصلة تعليمها الأكاديمي، رغم عدم توفر مدارس المكفوفين في محيطها، والوسائط المعينة لها على التعلم، فتدرس في المدارس العادية، وتتفوق على أقرانها، وتدرس في مرحلة الماجستير حاليا، بفضل كفالة طلبة العلم وذوي الاحتياجات الخاصة، ويتيم أتاحت له جمعية خيرية الالتحاق في قسم داخلي أو مدرسة داخلية للأيتام ببنجلاديش، فبقي فيها حتى أنهى الإعدادية والثانوية، ثم درس الجامعة والماجستير وعاد للقسم الداخلي مرة أخرى، ولكن هذه المرة بوظيفة مشرف تربوي. وفي باكستان حصل شخص محدود الدخل على قرض حسن من إحدى المؤسسات التطوعية لإقامة مشروع صغير مدرٍ للدخل، فنجح فيه، ثم كان فاتحة له ليكون رجل أعمال ناجح، ومن ثم يقوم بالتبرع للمؤسسة التي دعمته ذات يوم، في نفس المجال من المشروعات.

على مستوى المبادرات التطوعية الجماعية والمشاريع التي استفادت منها مجتمعات ومناطق كاملة فهي كثيرة، ويكفي أن نشاهد بعضا منها في برنامج كـ " زمام المبادرة " التي تبثه قناة الجزيرة القطرية لنعرف ذلك.
أهمية إماطة اللثام عن هذه القصص الناجحة في المجالين التطوعي والخيري الإنساني عظيمة لعدة أسباب:
ـ دفع المحسنين وأصحاب المبادرات الإنسانية من المتطوعين لمواصلة جهدهم في مجال خدمة الناس من خلال رؤية ثمرة عملهم، فإذا كان الإنسان يسعد هو وأولاده وذريته بثمرة نجاحه الشخصي ماديا ومعنويا، ويحب أن يرى أثر ذلك عليه، فإنه على نحو متصلٍ يحب أن يرى أثر ذلك على غيره، لما يحققه له ذلك من سعادة روحية وطمأنينة نفسية ورضا داخلي.
وقد أفادت دراسة أمريكية للباحث " ستيفن بوست " أن الأشخاص الذين يعملون بإخلاص لمنفعة الآخرين وخدمتهم دون مقابل يشعرون بالسعادة الغامرة والصحة، حتى أن فترة حياتهم تصبح أطول.
ـ حثّ رجال الأعمال وأصحاب الثروات والشركات وشريحة الشباب من المتأخرين عن هذا الركاب الخيّر على أن يحذوا حذو من يسهمون في خدمة مجتمعاتهم، وأن يقبلوا على العمل التطوعي، لما يحدثه من تأثير إيجابي على حياة المبادرين والمستفيدين، والمجتمعات التي يعيشون فيها، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فضلا عمّا يتوجب عليهم في إطار المسؤولية المجتمعية والواجب الديني والأخلاقي.
ـ نشر هذه القصص يساعد على تبادل وتلاقح الخبرات في مجال العمل الإنساني، فقد تكون ملهماً للمهتمين لتطبيقها في بيئات أخرى، أو البناء عليها لتصميم مشاريع أو مبادرات أخرى، أو تطويرها ليكون نفعها أعمّ وأشمل.
ـ توفير نماذج قصصية حقيقية ـ تراثية وحديثة ـ لدعم عملية غرس قيم العمل التطوعي لدى الأطفال والناشئة، ونشر ثقافة العمل الخيري والإنساني لدى الشباب وأفراد المجتمع، ونركز هنا على القصص، وما قد يتفرع عنها من أعمال إبداعية أخرى كالدراما والبرامج الوثائقية وغيرها، نظرا للدور التربوي للقصة، مطالعةً ورواية وسرداً، وتأثيرها كوسيلة غير مباشرة ومؤثرة في تحويل القيم إلى أفعال وممارسات سلوكية.
بناء على ما تقدّم نأمل أن تستحدث المؤسسات الخيرية والمبادرات التطوعية في نشراتها ومطبوعاتها ومواقعها الإلكترونية صفحات وأعمدة ونوافذ لهذا النوع المتميز والمؤثر من هذه القصص، على أن يتم تدوينها وتقديمها بلغة راقية وقوالب جذابة، موثّقة بالصوت والصورة، بعيدا عن الدعاية والتكلف والتسطيح، ثم تعممه بموازاة ذلك على وسائل الإعلام الجماهيرية، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. كما نأمل أن ينهض باحثون بعد ذلك لجمع ودراسة أثر وتأثير هذه القصص والمواد وتعميمها، بصورة علمية، ليصار من ثَمَّ إلى إدماجها أو الإفادة منها في المساقات العلمية في مجال التطوع وخدمة المجتمع، والدورات التدريبية الخاصة بذلك.