المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : راهب في الليل، فارس في النهار



bode
13-Jul-2007, 02:18
نعود بكم اليوم مئة وخمسين سنة إلى الوراء. نعود إلى إحدى إمارات الدولة العثمانية، حيث ولد شيخنا، في عام 1862، في عائلة فقيرة. توفّي والده عندما كان بطلا ابن ستة عشر ربيعا، فأوكلت ترتبيته لأحد شيوخ الدين في بلده. فنشأ على الدين والشجاعة. كان من التزامه، أنه حفظ القرآن، وكان يختمه كل سبعة أيام. حتى في أشد الظروف وأقساها لم يترك شيخنا الجليل هذه العادة. وكان رحمه الله لا ينام من الليل أكثر من ثلاث ساعات، ثم يقوم بعدها، فيتوضئ، ويمسك القرآن، ويظل يتلوه حتى الفجر.

أما شجاعته، فكانت مضرب الأمثال. حيث خرج مرة مع قافلة تجارية إلى السودان، وكان في طريق القوافل أسد يخشاه الناس، فكانوا يلقون إليه كل مرة بأهزل ناقلة ليأكلها الأسد فلا يهاجم القافلة. لكن بطلنا أبى أن يدفع "الجزية" لحيوان، فحمل بندقيته، وامتطى جواده، ورجع برأس الأسد. ثم أوكل إليه وهو في العشرينات من عمره، مهمة الإصلاح بين القبائل. وفي الثلاثينات من عمره، حارب الفرنسيين، أما في الأربعينات فحارب الإنجليز، وحارب وهو في الخمسينات من عمره الإيطاليين، وكانت الستينات من عمره هي قمة جهاده، حيث قاد الجهاد المسلح ضد الإيطاليين، إلى أن قبض عليه وأعدم أمام أهل بلده في عام 1931 وهو في السبعينات.

كان رحمه الله عال الخلق، رصين المنطق، متزن الكلام، قادر على جذب من يستمع إليه. وكانت هذه الصفات القيادية هي التي ساعدته على التأليف بين القبال، وتجييش الجيوش، لنصرة دين الحق ودفع العدوان عن الوطن.

وتفاديا لقوة ضرباته، عرضت عليه إيطاليا الكثير من الأموال والمناصب، أملا في أن يضع سلاحه ويخضع لهم. لكن رفضه كان الجواب الدائم، فكان يقول: "إنني لم أكن لقمة طائبة يسهل بلعها على من يريد، ومهما حاول أحد أن يغير من عقيدتي ورأي واتجاهي فإن الله سيخيّبه". كما عرضت عليه إيطاليا أن يغادر بلده، ويعيش في بلد قريب مع راتب دائم يكفيه، لكنه أجاب بكل حزم: "لا أغادر هذا الوطن حتى ألاقي وجه ربي. والموت أقرب إلي من كل شيء، فإني أترقبه بالدقيقة".

كان رحمه الله شديد الثقة بربه، راضيا بقضاءه، متوكل عليه حق التوكل. وكان يرى الجهاد واجبا عليه وعلى كل مسلم قادر، فالوطن تحت العدوان، ودفع العدوان واجب على أهل الوطن. فعندما سأله قائد قوات العدو عن سبب مقاومته، وعن النتائج التي كان يرجوها من هذه المقاومة، أجاب: أنه حارب من أجل دينه ووطنه، وأنه ما كان يسعى لشيء سوى طردهم من بلاده لأنهم مغتصبون، أما الحرب فهي فرض عليهم وما النصر إلا من عند الله. وكان يرفض المفاوضات مع المحتل، ويقول: "نحن لا حاجة لنا إلا مقاتلة أعداء الله والوطن". وكان يدعوا الله دوما أن يرزقه الشهادة في سبيل قضيته، وهذا ما ناله رحمه الله.

بهذه الأخلاق، نال بطلنا إعجاب الجميع حتى أعداءه. فيقول عنه قائد قوات العدو: "وعندما حضر أمام مكتبي تهيأ لي أن أرى فيه شخصية آلاف المرابطين الذين التقيت بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية. يداه مكبلتان بالسلاسل, رغم الكسور والجروح التي أصيب بها أثناء المعركة, وكان وجهه مضغوطا لأنه كان مغطيا رأسه (بالجرد) ويجر نفسه بصعوبة نظراً لتعبه أثناء السفر بالبحر, وبالإجمال يخيل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال له منظره وهيبته رغم أنه يشعر بمرارة الأسر, ها هو واقف أمام مكتبي نسأله ويجيب بصوت هادئ وواضح. وعندما وقف ليتهيأ للإنصراف كان جبينه وضاء كأن هالة من نور تحيط به فارتعش قلبي من جلالة الموقف أنا الذي خاض معارك الحروب العالمية والصحراوية ولقبت بأسد الصحراء. ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد, فانهيت المقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة في المساء, وعند وقوفه حاول أن يمد يده لمصافحتي ولكنه لم يتمكن لأن يدين كانت مكبلة بالحديد."

وفي مواجهة الفتن الداخلية التي كانت تعصف بالمجاهدين، يظهر حزم شيخنا الجليل ومدى إيمانه بقضيته. فعندما تحرّكت جماعات من أهل بلده تدعوه للاستسلام للإيطاليين حتى تتوقف الحرب، أخرج البطل الشهيد مصحفه، وأقسم أنه لن يتوقف عن مقاتلة الغزاة المحتلين حتى لو قاتلهم لوحده إلى أن يتحقق النصر أو أن يسقط شهيدا في سبيل الله. فاجتمع الناس من حوله من جديد، واستمرت ضربات المقاومة الموجعة تنهك الجيش الإيطالي الذي ظن أنه ذاهب في رحلة نزهة وأن بلاد المسلمين ستكون لقمة سائغة له.

لقد هز خبر إعدامه واستشهاده الوطن الإسلامي بأسره. فلم يكن شيخنا الجليل بطلا قوميا، وإنما كان مجاهدا ضد أعداء الله، يُقْتَدَى بأثره في جميع البلاد الإسلامية. وجادت قرائح الشعراء في رثاءه. وهذه مختارات من قصائد رثاءه:

قال فيه أمير الشعراء أحمد شوقي:
خُيَّرْتَ فاخترت المبيت على الطوى * * * لم تَبْـِن جـاهاً أو تَلُمَّ ثـراء
أن البطولة أن تـموت من الظما * * * ليس البطـولة أن تعبّ المـاء
أفريقيا مهـد الأسـود و لـحدها * * * ضجت عليك أراجـلاً ونسـاء
والمسلمون على اختلاف ديارهم * * * لا يملكون مع المصاب عزاء

وقال فيه شاعر القطرين خليل مطران:
أَبَيْتَ والسيفُ يعلو الرأسَ تسليماً * * * وَجُدْتَ بالروح جود الحر إن ضيما
تُذَكِّرُ العـرب والأحـداث مُنْسِيَةٌ * * * ما كان، إذ ملكوا الدنيـا لهم خيما
لله يا عمـر المختـار حكمتـه * * * في أن تلاقي ما لاقيـت مظلـوما

أما أمير القوافي معروف الرصافي فقد قال فيه:
ألا انهض وشمر أيها الشرق للحـرب * * * وقبل غرار السيف واسل هوى الكتـب
ولا تغتـرر أن قيـل عصـر تـمـدن * * * فإن الذي قـالوه من أكـذب الكـذب
ألست تراهم بين مصـر وتـونــس * * * أبـاحوا حمى الإسلام بالقتل والنهـب
وما يؤخذ الطليان بالذنب وحدهم ولكن * * * جمـيـع الـغـرب يـؤخـذ بالذنـب

ونختم بأبيات شاعر الشباب محمود بورقيبة:
مضى عمـر المختـار لله رافـلاً * * * بثـوبٍ نقي حيك من خالـص الطهـر
مضى عمـر المختـار لله بعدما * * * قضى الواجب الأسمى بأعلى ذرى الفخر
مضى عمـر المختـار لله هـانئاً * * * سعيـداً شهيـداً وانطوت صفحة العمر
مـخلفـةً للعـالـميـن مـآثـراً * * * هي الغـرر البيضـاء في جبهة الدهـر
ومن دمـه المسفـوك سطر آيـة * * * سيحـفظـهـا التاريخ بالحمد والشكر

ذلك هو عمر المختار، الشيخ الجليل الذي دفن جسده تحت الثرى، لكنّ ذكراه لم تدفن. سطر بدمه أورع قصص البطولة، فصار علما من أعلام الجهاد، وقدوة لمن أراد أن يعيش عزيزا في زمن الخضوع.
انتهت رحلتنا لهذا اليوم، بعد أن تعلمنا درسا في الشجاعة من شيخ جليل.
Alnoor.info

سليل
13-Jul-2007, 03:19
عمر المختار من اروع الشخصيات التي مازالت محفوره في ذاكره التاريخ ...
ومن الشخصيات التي لم تهتم للحياة الدينيويه ...رحمه الله

توتي فروتي
13-Jul-2007, 06:03
فعندما تحرّكت جماعات من أهل بلده تدعوه للاستسلام للإيطاليين حتى تتوقف الحرب، أخرج البطل الشهيد مصحفه، وأقسم أنه لن يتوقف عن مقاتلة الغزاة المحتلين حتى لو قاتلهم لوحده إلى أن يتحقق النصر أو أن يسقط شهيدا في سبيل الله.

لله دره من بطل مقدام .. يجاهد وهو في السبعين .. لا إله إلا الله .. شخص لا نجد له مثيل في أيامنا هذه ..

طوال قرائتي لهذه السيرة البسيطة عن حياته وعيناي تدمعان لما آل إليه حالنا ولما كان عليه أبطال تاريخنا ..

إلى اليوم لم أستطيع إكمال فلم (عمر المختار) الذي أخرجه العقاد بصورة هي الأروع لهذا البطل .. ومن المؤكد بأن سيرته الحقيقة أفضل مائة مرة من هذا الفلم .. ولكن التصوير القوي للمواقف يجعلك تبكي وانت ما زلت في بداية الفلم ..

شخصية اكثر من رائعة وعلم من اعلام تاريخنا المجيد يستحيل أن ننساه .. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ...

وإليكم صور حقيقية للشهيد رحمه الله أخذها له الفاشيست بعد أسره ..

http://images.panet.co.il/articles/30012006-161357-1.jpg

http://www.alwatanvoice.com/images/topics/picture/almuktar.jpg

http://www.alwatanvoice.com/images/topics/picture/omar_almokhtar/2.jpg

http://www.alwatanvoice.com/images/topics/picture/omar_almokhtar/3.jpg

حسبنا الله ونعم الوكيل ..

بارك الله فيك بودي على اختيارك نقل سيرة هذا البطل المميز ..

احترامي وتقديري

الموسيقار
14-Jul-2007, 01:22
الرجل غني عن التعريف وشهادتنا فيه مجروحه الي يرحمه فعلا كان مثال يحتذا به....
الموسيقااااااااااااار.........

bode
18-Jul-2007, 05:22
(( عمر آلمختار ))

طفل يتيم :

ينتسب عمر المختار إلى قبيلة المنفه إحدى كبريات قبائل المرابطين ببرقة, ولد عام 1862م في قرية جنزور بمنطقة دفنة في الجهات الشرقية من برقة التي تقع شرقي ليبيا على الحدود المصرية..

تربى يتيما .حيث وافت المنية والده مختار بن عمر وهو في طريقه إلى مكة المكرمة بصحبة زوجته عائشة.

تلقى عمر المختار تعليمه الأول في زاوية جنزور, ثم سافر إلى الجغبوب ليمكث فيها ثمانية أعوام للدراسة والتحصيل على كبار علماء ومشايخ السنوسية في مقدمتهم الإمام السيد المهدي السنوسى قطب الحركة السنوسية، فدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ولكنه لم يكمل تعليمه كما تمنى.

ظهرت عليه علامات النجابة ورزانة العقل،، فاستحوذ على اهتمام ورعاية أستاذه السيد المهدي السنوسى مما زاده رفعة وسمو، فتناولته الألسن بالثناء بين العلماء ومشايخ القبائل وأعيان المدن حتى قال فيه السيد المهدي واصفاً إياه " لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم ".

فقد وهبه الله تعالى ملكات منها جشاشة صوته البدوي وعذوبة لسانه واختياره للألفاظ المؤثرة في فن المخاطبة وجاذبية ساحرة لدرجة السيطرة على مستمعيه وشد انتباههم، شارك عمر المختار في الجهاد بين صفوف المجاهدين في الحرب الليبية الفرنسية في المناطق الجنوبية (السودان الغربي) وحول واداي. وقد استقر المختار فترة من الزمن في قرو مناضلاً ومقاتلاً, ثم عين شيخاً لزاوية (عين كلك) ليقضي فترة من حياته معلماً ومبشراً بالإسلام في تلك الأصقاع النائية. وبعد وفاة السيد محمد المهدي السنوسي عام 1902م تم استدعاؤه حيث عين شيخاً لزاوية القصور.معلم يتحول إلى
محارب.

عاش عمر المختار حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها يوماً بيوم, فعندما أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 سبتمبر 1911م, وبدأت البارجات الحربية بصب قذائفها على مدن الساحل الليبي, درنة وطرابلس ثم طبرق وبنغازي والخمس, كان عمر المختار في تلك الأثناء مقيما في جالو بعد عودته من الكفرة حيث قابل السيد أحمد الشريف, وعندما علم بالغزو الإيطالي سارع إلى مراكز تجمع المجاهدين حيث ساهم في تأسيس دور بنينه وتنظيم حركة الجهاد والمقاومة إلى أن وصل السيد أحمد الشريف قادماً من الكفرة. وقد شهدت الفترة التي أعقبت انسحاب الأتراك من ليبيا سنة 1912م أعظم المعارك في تاريخ الجهاد الليبي, أذكر منها على سبيل المثال معركة يوم الجمعة عند درنة في 16 مايو 1913م حيث قتل فيها للأيطاليين عشرة ضباط وستين جنديا وأربعمائة فرد بين جريح ومفقود إلى جانب انسحاب الإيطاليين بلا نظام تاركين أسلحتهم ومؤنهم وذخائرهم, ومعركة بو شمال عن عين ماره في 6 أكتوبر 1913, وعشرات المعارك الأخرى.

وحينما عين أميليو حاكماً عسكريا لبرقة, رأى أن يعمل على ثلاث محاور

الأول : قطع الإمدادات القادمة من مصر والتصدي للمجاهدين في منطقة مرمريكا

الثاني : قتال المجاهدين في العرقوب وسلنطه والمخيلي..

والثالث :قتال المجاهدين في مسوس واجدابيا.

لكن القائد الإيطالي وجد نار المجاهدين في انتظاره في معارك أم شخنب وشليظيمة والزويتينة في فبراير 1914م, ولتتواصل حركة الجهاد بعد ذلك حتى وصلت إلى مرحلة جديدة بقدوم الحرب العالمية الأولى.

الفاشيست والمجاهدون :

بعد الانقلاب الفاشي في إيطالي في أكتوبر 1922, وبعد الانتصار الذي تحقق في تلك الحرب إلى الجانب الذي انضمت إليه إيطاليا. تغيرت الأوضاع داخل ليبيا واشتدت الضغوط على السيد محمد إدريس السنوسي, واضطر إلى ترك البلاد عاهداً بالأعمال العسكرية والسياسية إلى عمر المختار في الوقت الذي قام أخاه الرضا مقامه في الإشراف على الشئون الدينية.

بعد أن تأكد للمختار النوايا الإيطالية في العدوان قصد مصر عام 1923م للتشاور مع السيد إدريس فيما يتعلق بأمر البلاد, وبعد عودته نظم أدوار المجاهدين, فجعل حسين الجويفي على دور البراعصة ويوسف بورحيل المسماري على دور العبيدات والفضيل بوعمر على دور الحاسة, وتولى هو القيادة العامة.

بعد الغزو الإيطالي على مدينة اجدابيا مقر القيادة الليبية, أصبحت كل المواثيق والمعاهدات لاغية, وانسحب المجاهدون من المدينة وأخذت إيطاليا تزحف بجيوشها من مناطق عدة نحو الجبل الأخضر, وفي تلك الأثناء تسابقت جموع المجاهدين إلى تشكيل الأدوار والإنضواء تحت قيادة عمر المختار, كما بادر الأهالي إلى إمداد المجاهدين بالمؤن والعتاد والسلاح, وعندما ضاق الإيطاليون ذرعا من الهزيمة على يد المجاهدين, أرادوا أن يمنعوا عنهم طريق الإمداد فسعوا إلى احتلال الجغبوب ووجهت إليها حملة كبيرة في 8 فبراير 1926م, وقد شكل سقوطها أعباء ومتاعب جديدة للمجاهدين وعلى رأسهم عمر المختار, ولكن الرجل حمل العبء كاملاً بعزم العظماء وتصميم الأبطال.

ولاحظ الإيطاليون أن الموقف يملي عليهم الاستيلاء على منطقة فزان لقطع الإمدادات على المجاهدين, فخرجت حملة في يناير 1928م, ولم تحقق غرضها في احتلال فزان بعد أن دفعت الثمن غاليا. ورخم حصار المجاهدين وانقطاعهم عن مراكز تموينهم, إلا أن الأحداث لم تنل منهم وتثبط من عزمهم, والدليل على ذلك معركة يوم 22 أبريل التي استمرت يومين كاملين, انتصر فيها المجاهدون وغنموا عتادا كثيرا.

مفاوضات السلام في سيدي ارحومة :

وتوالت الانتصارات, الأمر الذي دفع إيطاليا إلى إعادة النظر في خططها وإجراء تغييرات واسعة, فأمر موسوليني بتغيير القيادة العسكرية, حيث عين بادوليو حاكماً عسكريا على ليبيا في يناير 1929م, ويعد هذا التغيير بداية المرحلة الحاسمة بين الطليان والمجاهدين.

تظاهر الحاكم الجديد لليبيا في رغبته للسلام لإيجاد الوقت اللازم لتنفيذ خططه وتغيير أسلوب القتال لدى جنوده,وطلب مفاوضة عمر المختار, تلك المفاوضات التي بدأت في 20 أبريل 1929م, واستجاب الشيخ لنداء السلام وحاول التفاهم معهم على صيغة ليخرجوا من دوامة الدمار. فذهب كبيرهم للقاء عمر المختار ورفاقه القادة في 19 يونيو1929م في سيدي ارحومه. ورأس الوفد الإيطالي بادوليونفسه، الرجل الثاني بعد بنيتو موسليني، ونائبه سيشليانو، ولكن لم يكن الغرض هوالتفاوض، ولكن المماطلة وشراء الوقت لتلتقط قواتهم أنفاسها، وقصد الغزاة الغدر به والدس عليه وتأليب أنصاره والأهالي وفتنة الملتفين حوله..

وعندما وجد المختار أن تلك المفاوضات تطلب منه اما مغادرة البلاد إلى الحجاز اومصر أو البقاء في برقة و انهاء الجهاد .والإستسلام مقابل الأموال والإغراءات, رفض كل تلك العروض, وكبطل شريف ومجاهد عظيم عمد إلى الاختيار الثالث وهو مواصلة الجهاد حتى النصر أو الشهادة.

تبين للمختار غدر الإيطاليين وخداعهم, ففي 20 أكتوبر 1929م وجه نداء إلى أبناء وطنه طالبهم فيه بالحرص واليقظة أمام ألاعيب الغزاة. وصحت توقعات عمر المختار, ففي 16 يناير 1930م ألقت الطائرات بقذائفها على المجاهدين,

السفاح يتدخل :

دفعت مواقف المختار ومنجزاته إيطاليا إلى دراسة الموقف من جديد وتوصلت إلى تعيين غرسياني وهو أكثر جنرالات الجيش وحشية ودموية.. ليقوم بتنفيذ خطة إفناء وإبادة لم يسبق لها مثيل في التاريخ في وحشيتها وفظاعتها وعنفها وقد تمثلت في عدة إجراءات ذكرها غرسياني في كتابه "برقة المهدأة":
1- قفل الحدود الليبية المصرية بالأسلاك الشائكة لمنع وصول المؤن والذخائر.
2- إنشاء المحكمة الطارئة في أبريل 1930م.
3- فتح أبواب السجون في كل مدينة وقرية ونصب المشانق في كل جهة.
4- تخصيص مواقع العقيلة والبريقة من صحراء غرب برقة البيضاء والمقرون وسلوق من أواسط برقة الحمراء لتكون مواقع الإعتقال والنفي والتشريد.
5- العمل على حصار المجاهدين في الجبل الأخضر واحتلال الكفرة.

إنتهت عمليات الإيطاليين في فزان باحتلال مرزق وغات في شهري يناير وفبراير 1930م ثم عمدوا إلى الإشباك مع المجاهدين في معارك فاصلة, وفي 26 أغسطس 1930م ألقت الطائرات الإيطالية حوالي نصف طن من القنابل على الجوف والتاج, وفي نوفمبر اتفق بادوليو وغرسياني على خط الحملة من اجدابيا إلى جالو إلى بئر زيغن إلى الجوف, وفي 28 يناير 1931م سقطت الكفرة في أيدي الغزاة, وكان لسقوط الكفرة آثار كبيرة على حركة الجهاد والمقاومة.

الأسد أسيرا :

في معركة السانية في شهر أكتوبر عام 1930م سقطت من الشيخ عمر المختار نظارته، وعندما وجدها أحد جنود الطليان وأوصلها لقيادته، فرائها غراتسياني فقال: "الآن أصبحت لدينا النظارة، وسيتبعها الرأس يوماً ما".

وفي 11 سبتمبر من عام 1931م، وبينما كان الشيخ عمر المختار يستطلع منطقة سلنطة في كوكبة من فرسانه، عرفت الحاميات الإيطالية بمكانه فأرسلت قوات لحصاره ولحقها تعزيزات، واشتبك الفريقين في وادي بوطاقة ورجحت الكفة للعدوفأمر عمر المختار بفك الطوق والتفرق، ولكن قُتلت فرسه تحته وسقطت على يده مما شل حركته نهائياً. فلم يتمكن من تخليص نفسه ولم يستطع تناول بندقيته ليدافع عن نفسه، فسرعان ماحاصره العدو من كل الجهات وتعرفوا على شخصيته، فنقل على الفور إلي مرسى سوسه ومن ثم وضع على طراد الذي نقله رأسا إلي بنغازي حيث أودع السجن الكبير بمنطقة سيدي اخريبيش. ولم يستطع الطليان نقل الشيخ براً لخوفهم من تعرض المجاهدين لهم في محاولة لتخليص قائدهم.

كان لاعتقاله في صفوف العدو، صدىً كبيراً، حتى أن غراسياني لم يصدّق ذلك في بادىء الأمر،وكان غراتسياني في روما حينها كئيباً حزيناً منهار الأعصاب في طريقه إلي باريس للاستجمام والراحة تهرباً من الساحة بعد فشله في القضاء على المجاهدين في برقة، حيث بدأت الأقلام اللاذعة في إيطاليا تنال منه والانتقادات المرة تأتيه من رفاقه مشككة في مقدرته على إدارة الصراع. وإذا بالقدر يلعب دوره ويتلقى برقية مستعجلة من نغازي مفادها إن عدوه اللدود عمر المختار وراء القضبان.

فأصيب غراتسياني بحالة هستيرية كاد لا يصدق الخبر. فتارة يجلس على مقعده وتارة يقوم، وأخرى يخرج متمشياً على قدميه محدثاً نفسه بصوت عال، ويشير بيديه ويقول: "صحيح قبضوا على عمر المختار ؟ ويرد على نفسه لا، لا اعتقد." ولم يسترح باله فقرر إلغاء أجازته واستقل طائرة خاصة وهبط ببنغازي في نفس اليوم وطلب إحضار عمر المختار إلي مكتبه لكي يراه بأم عينيه.

وصل غرسياني إلى بنغازي يوم 14 سبتمبر , وأعلن عن انعقاد "المحكمة الخاصة" يوم 15 سبتمبر 1931م, وفي صبيحة ذلك اليوم وقبل المحاكمة رغب غرسياني في الحديث مع عمر المختار, يذكر غرسياني في كتابه (برقة المهدأة):

"وعندما حضر أمام مكتبي تهيأ لي أن أرى فيه شخصية آلاف المرابطين الذين التقيت بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية. يداه مكبلتان بالسلاسل, رغم الكسور والجروح التي أصيب بها أثناء المعركة, وكان وجهه مضغوطا لأنه كان مغطيا رأسه (بالجرد) ويجر نفسه بصعوبة نظراً لتعبه أثناء السفر بالبحر, وبالإجمال يخيل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال له منظره وهيبته رغم أنه يشعر بمرارة الأسر, ها هو واقف أمام مكتبي نسأله ويجيب بصوت هادئ وواضح."

غراتسياني: لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة لفاشستية ؟

أجاب الشيخ: من أجل ديني ووطني.

غراتسياني:ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه ؟

فأجاب الشيخ: لا شئ إلا طردكم … لأنكم مغتصبون، أما الحرب فهي فرض علينا وما النصر إلا من عند الله.

غراتسياني: لما لك من نفوذ وجاه، في كم يوم يمكنك إن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا أسلحتهم ؟.

فأجاب الشيخ: لا يمكنني أن أعمل أي شئ … وبدون جدوى نحن الثوار سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا الواحد بعد الأخر، ولا نسلم أو نلقي السلاح…

ويستطرد غرسياني حديثه "وعندما وقف ليتهيأ للإنصراف كان جبينه وضاء كأن هالة من نور تحيط به فارتعش قلبي من جلالة الموقف أنا الذي خاض معارك الحروب العالمية والصحراوية ولقبت بأسد الصحراء. ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد, فانهيت المقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة في المساء, وعند وقوفه حاول أن يمد يده لمصافحتي ولكنه لم يتمكن لأن يديه كانت مكبلة بالحديد."

مهزلة المحاكمة :

عقدت للشيخ الشهيد محكمة هزلية صورية في مركز إدارة الحزب الفاشستي ببنغازي مساء يوم الثلاثاء عند الساعة الخامسة والربع في 15 سبتمبر 1931م، وبعد ساعة تحديداً صدر منطوق الحكم بالإعدام شنقاً حتى الموت، وعندما ترجم له الحكم، قال الشيخ "إن الحكم إلا لله … لا حكمكم المزيف ... إنا لله وإنا أليه لراجعون".

وهنا نقلا حرفيا لمحضر المحاكمة كما ورد في الوثائق الإيطالية :

إنه في سنة ألف وتسعمائة وواحدة وثلاثين ؛ السنة التاسعة ، وفي اليوم الخامس عشر من شهر سبتمبر ، ببنغازي ، وفي تمام الساعة 17 بقصر "الليتوريو" بعد إعداده كقاعة لجلسات المحكمة الخاصة بالدفاع عن أمن الدولة ، والمؤلفة من السادة :

- المقدم الكواليير اوبيرتو فانتيري مارينوني ، رئيسا بالوكالة ، نيابة عن الرئيس الأصيل الغائب لعذر مشروع .

- المحامي د. فرانشيسكو رومانو (قاضي مقرر) .

- الرائد الكاواليير قوناريو ديليتلو (مستشار ، أصيل ) .

- رائد "الميليشيا التطوعية للأمن الوطني (الكواليير جوفاني منزوني ، مستشار أصيل) .

- رائد "الميليشيا التطوعية للأمن الوطني (الكواليير ميكيلي مندوليا ، مستشار أصيل) ، والرئيس بالنيابة عن الرئيس الأصيل ، الغائب بعذر مشروع .

- بمساعدة الملازم بسلاح المشاة ، ايدواردو ديه كريستوفانو (كاتب الجلسة العسكري بالنيابة) .

للنظر في القضية المرفوعة ضد : عمر المتخار ، بن عائشة بنت محارب ، البالغ من العمر 73 سنة ، والمولود بدفنة ، قبيلة منفة ، عائلة بريدان ، بيت فرحات ؛ حالته الاجتماعية : متزوج وله أولاد ، يعرف القراءة والكتابة ، وليست له سوابق جنائية ، في حالة اعتقال منذ 12 سبتمبر 1931.

المتهم بالجرائم المنصوص عليها وعلى عقوباتها في المواد 284-285-286-575-576 (3) ، والمادة 26 ، البنود : 2 - 4 - 6 - 10 ، وذلك أنه قام ، منذ عام 1911م وحتى القبض عليه في جنوب سلنطة في 11سبتمبر 1931، بإثارة العصيان وقيادته ضد سلطات الدولة الإيطالية ، داخل أراضي المستعمرة ، وباشتراكه في نصب الكمائن للوحدات المعزولة من قواتنا المسلحة وفي معارك عديدة وأعمال الإغارة للسلب والنهب واللصوصية مع ارتكاب جرائم قتل بدافع نزعته إلى القسوة والتوحش ، وأعمال البطش والتنكيل ، بقصد إحداث الدمار وسفك الدماء لفصل المستعمرة عن الوطن الأم .

بعد ذلك سمح للجمهور بدخول قاعة الجلسات ، بينما جلس المتهم في المكان المخصص للمتهمين ، تحت حراسة عسكرية ، وهو طليق اليدين وغير مكبل بأغلال من أي نوع .

كما حضر وكيل النيابة العامة السينور "كواليير" أوفيتشالي جوسيبي بيديندو ، كمدعي عسكري ، والمكلف بالدفاع عن المتهم ، المحامي ، النقيب في سلاح المدفعية ، روبيرتو لونتانو .

يعلن الرئيس افتتاح الجلسة . فيحضر أيضا المترجم السيد نصري هرمس الذي يطلب إليه الرئيس الادلاء ببيانات هويته فيجيب :

- نصري هرمس ، ابن المتوفى ميشيل ، وعمري 53 سنة ، ولدت في ديار بكر ببلاد ما بين النهرين (العراق) رئيس مكتب الترجمة لدى حكومة برقة .

يكلفه الرئيس بأداء اليمين المقررة ، بعد تحذيره حسبما هو مقرر ، فيؤديها بصوت عال وبالصيغة التالية : (( أقسم بأنني سأنقل الأسئلة إلى الشخص المقرر استجوابه بواسطتي بأمانة وصدق ، وبأن أنقل الردود بأمانة )) .

فيوجه الرئيس ، عن طريق الترجمان ، أسئلة للمتهم حول هويته ، فيدلي بها بما يتفق مع ما تقدم ، ومن ثم ينبه عليه بالانصات إلى ما سيسمع . وعند هذه النقطة ، يثبت في المحضر طلب وكيل النيابة بإعفاء المترجم نصري من المهمة بسبب وعكة ألمت به والاستعاضة عنه بالكواليير لومبروزو ابن آرونه وماريا قاندوس ، المولود بتونس في 27 - 2 - 1891م ، ومهنته صناعي .

فيكلفه الرئيس بأداء اليمين المقررة ، بعد تحذيره نظاميا ؛ يتلو كاتب الجلسة صحيفة الاتهام ، فيتولى الترجمان ترجمتها للمتهم ، ويسرد بعدها قائمة المستندات والوثائق المتصلة بالدعوى ، وبعد سردها يكلف الرئيس الترجمان بترجمتها ، حيث إن المتهم غير ملم باللغة الإيطالية ، ومن ثم يبدأ استجوابه حول الأفعال المنسوبة إليه ؛ فيرد عليها ، ويتولى الترجمان ترجمة ردود المتهم عليها .

ويثبت بالمحضر أن المتهم يرد بانتظام عن كل اتهام حسب ما جاء في محضر استجوابه المكتوب ، معترفا بأنه زعيم المقاومة في برقة وبهذه الصفة فهو الفاعل والمحرض لجميع الجرائم التي اقترفت في أراضي المستعمرة خلال العقد الأخير من الزمن ، أي الفترة التي ظل خلالها الرئيس الفعلي للمقاومة .

وردا عن سؤال ، يجيب :

منذ عشر سنوات ، تقريبا ، وأنا رئيس المحافظية . ويثبت هنا أن المتهم ظل يرد عن كل سؤال محدد حول تهمة بعينها ، بقوله : (( لا فائدة من سؤالي عن وقائع منفردة ، وما أرتكب ضد إيطاليا والإيطاليين ، منذ عشر سنوات وحتى الآن ، كان بإرادتي وإذني ، عندما لم أشترك أنا نفسي في تلك الأفعال ذاتها )) . وردا عن سؤال ، يجيب : (( كانت الغارات تنفذ أيضا بأمري وبعضها قمت بها أنا نفسي )) .

يعطي الرئيس الكلمة لوكيل النيابة : بعد أن تناول الكلمة ، أوجز مطلبه في أن تتكرم المحكمة ، بعد تأكيد إدانة المتهم بالجرائم المنسوبة إليه ، بإصدار حكم الإعدام عليه وما يترتب عليه من عواقب .

وينهي الدفاع ، بدوره مرافعته بطلب الرأفة بالمتهم . وبعدما أعطى المتهم الكلمة كآخر المتحدثين ، يعلن الرئيس قفل باب المناقشة ، وتنسحب هيئة المحكمة إلى حجرة المداولة لتحديد الحكم عادت المحكمة بعد قليل إلى قاعة الجلسات ؛ لينطق الرئيس بصوت عال بالحكم بالإدانة ، بحضور جميع الأطراف المعنية . فيقوم الترجمان بترجمة منطوق الحكم .

أثبت تحريريا كل ما تقدم بهذا المحضر الذي وقع عليه : كاتب المحكمة العسكري .

الإمضاء : ادواردو ديه كريستوفانو ، الرئيس (المقدم الكاواليير أوميركو مانزولي) .

كاتب المحكمة العسكرية ، الإمضاء : ادواردوديه كريستوفاني (Edoardo De Cristofano) .

الرئيس : (المقدم الكاواليير أوميركو مانزوني)

الإمضاء : أومبيرتو مانزوني (Umberto Marinoni) .

- صورة طبق الأصل -

كاتب المحكمة العسكرية بالنيابة

التوقيع
الإعدام :

في صباح اليوم التالي للمحاكمة الأربعاء، 16 سبتمبر 931م، اتخذت جميع التدابيراللازمة بمركز سلوق لتنفيذ الحكم بإحضار جميع أقسام الجيش والميليشيا والطيران، واحضر 20 ألف من الأهالي وجميع المعتقلين السياسيين خصيصاً من أماكن مختلفة لمشاهدة تنفيذ الحكم في قائدهم.


واحضر الشيخ عمر المختار مكبل الأيدي، وعلى وجهه ابتسامة الرضا بالقضاء والقدر، وبدأت الطائرات تحلق في الفضاء فوق المعتقلين بأزيز مجلجل حتى لا يتمكن عمر المختار من مخاطبتهم، وفي تمام الساعة التاسعة صباحاً سلم الشيخ إلي الجلاد، وكان وجهه يتهلل استبشاراً بالشهادة وكله ثبات وهدوء، فوضع حبل المشنقة في عنقه، وقيل عن بعض الناس الذين كان على مقربة منه انه كان يأذن في صوت خافت آذان الصلاة، والبعض قال انه تمتم بالآية الكريمة "يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية" ليجعلها مسك ختام حياته البطولية. وبعد دقائق صعدت روحه الطاهرة النقية إلي ربها تشكوأليه عنت الظالمين وجور المستعمرين.

وسبق إعدام الشيخ أوامر شديدة الطبيعة بتعذيب وضرب كل من يبدي الحزن أويظهر البكاء عند إعدام عمر المختار، فقد ضرب جربوع عبد الجليل ضرباً مبرحاً بسبب بكائه عند إعدام عمر المختار. ولكن علت أصوات الاحتجاج ولم تكبحها سياط الطليان، فصرخت فاطمة داروها العبارية وندبت فجيعة الوطن عندما على الشيخ شامخاً مشنوقاً، ووصفها الطليان "بالمرأة التي كسرت جدار الصمت.

kuwaitgo.com

توتي فروتي
18-Jul-2007, 05:55
بارك الله فيك بودي .. اضافة قيمة ..

احترامي وتقديري
:(

التومي
25-Jul-2007, 12:04
جزاكم الله خيراً