المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قبل أن يفقد المُسنّون في مجتمعاتِنا دفءَ الأسْرَة!



هدى عبدالعزيز
08-Jul-2007, 02:52
ذكرت مجلة (فوكوس) بعضَ المآسي التي يتعرض لها المُسنّون في اليابان وأمريكا وأوروبا، فهذا مسنّ عُثِر على جثته بعد سنة ونصف السنة من وفاته، في شقته، بأحد الأحياء الراقية جداً في مدينة طوكيو، وهذه مسنّة عُثِر عليها في شقتها بطوكيو وقد ماتت جوعاً، وأشدّها غرابة ذلك العجوز الذي توفي وقد تجاوز التسعين إلا أن أحداً لم يدرِ بموته إلا بعد خمسة أيام، ومبعث الاستغراب أنه كان في دار خاصة للمسنين في مدينة سابور بجزيرة هوكايدو، ولم يشعرْ العاملون بموته.
وعلى أحسن الفروض فإن الغرب حينما فكر في رعاية مسنّية أُطلق عليهم أسماء مثل "القوى غيرِ المنتجة"، أو "عديمو الجدوى"، وكانت رعايته لهم هي إلقاؤهم في دور المسنّين، بعيداً عن الأسرة الغربية المُنهارة أساساً.

هذا المدخل يقودنا إلى ظاهرة الشيخوخة ورعاية المسنّين، ومقارنة العطاء الدولي في التصدي للمشكلة، بالعطاء الإسلامي الربّاني، الذي يجب أن تغترفَ منه بلادُنا العربية والإسلامية.
فقد تزايد في الآونة الأخيرة، الاهتمامُ بالمسنّين في مُختلَف بقاع العالم، كما بُذلت جهودٌ عملية لخدمتِهم، وانصبّت تلك الجهود على النواحي المادية الصِّرفة، فظهر ما يُسمى بنظام التقاعُد، والتأمينات الاجتماعية، كما شهِد المجتمع الدولي أكثر من فعالية دولية، من مؤتمرات وندوات عالمية، لتناول قضايا المسنّين، وشهِد عام 1982 أول إشارة من العالم المتحضِّر لرعاية المسنّين، حيثُ أعلنت الأمم المتحدة، في اجتماعٍ لمندوبي (124) دولة، أن العقد التاسع من القرن العشرين عقد المسنّين، ورفعت منظمة الصِّحة العالمية عام 1983 شعارَ "فلنُضِفْ الحياة إلى سنين العُمر".

ومع التطوُّر العلمي والصحي ارتفع عددُ المسنّين في العالم، إذ تشير الإحصاءات الدولية إلى أن عددَ المسنّين (60 سنة فأكثر) على مستوى العالم بلغ (250) مليوناً عام 1962م، ثمّ ارتفع هذا العدد إلى (376) مليوناً عام 1980م، كما تشير آخر التقديرات عام 2000 أن عددَ المسنّين في العالم (600) مليون، ثم إلى (950) مليوناً عام 2020، وفي المُقابل ترتفع نسبة المسنّين إلى سكان العالم من (8.2%) إلى حوالي (12.5%) عام 2020.

وكان الاعتقاد السائد أن كبارَ السنّ يتركزون في الدول المتقدمة، حيث يتوفر مستوى صحي مرتفع، إلا أن إحصائيات منظمة الصحة العالمية التي صدرت عام 1999، أكدت أن 60% من المسنّين (أي 355 مليون شخص)، هم من أبناء الدول النامية، وسوف يتضاعف عددُهم بحلول عام 2020. وكان الاعتقاد السائد أن كلّ المُسنّين سواء، تتدهور أحوالُهم الصحية، وتتراجع كفاءتهم الذهنية، وتقلّ قدرتهم على العمل، لكن الأبحاث تشير إلى أنه بينما يتقارب الصغار في صفاتهم الصحية، فإن صحة المسنّين ترتبط بعوامل كثيرة: فهي انعكاس لمسيرة حياة طويلة، فالذين دخّنوا عشرات السنين، أو الذين تعاطوا الخمور لسنواتٍ طويلة، أو من لم يحصلوا على تغذيةٍ صحيّة، كلّ هؤلاء تختلفُ حالتُهم الصحية عن غيرِهم.



اهتمامٌ مفقود

الشيخوخة واحدة من أهم المشكلات التي تواجه الإنسان في العصر الحديث، فمع تقدّم الطبّ وعلومه، واستعمال العقاقير الحديثة، أصبح بالإمكان القضاء على كثيرٍ من الأمراض، وتقدّمت سُبُل الوقاية من الأمراض، مما أدى إلى رفع مُعدّل العمر الوسطي للإنسان، وازدياد عدد المُسنّين زيادةً كبيرة. وباتوا يشكِّلون نسبةً مُهمّة من المجتمعات، لها مشاكلها وهمومها وآثارها على المجتمع. واحتلت الشيخوخة مكاناً بارزاً في قائمة اهتمامات الأمم والشعوب والحكومات.

وإذا كنا، في البلاد العربية والإسلامية، لم ننتبه بالشكل المطلوب لمشكلات المسنّين، فإن ذلك ربما كان بسبب ما يجده المسنّون في مجتمعاتنا المسلمة من الرعاية والاحترام والعناية بشكلٍ طبيعي من قِبَل العائلة، بحيث لا يشكِّلون مشكلةً اجتماعية كبيرة، ولا يزالون قادرين على لعب دورِهم الاجتماعي في الحياة، في ظلّ التعاليم السماوية والعادات والتقاليد، التي تجلّهم وتدعو لاحترامِهم.

لكن اتجاه مجتمعاتنا نحو التصنيع، وتأثير العلم والتكنولوجيا عليها، وما بدأ يظهر من هجرة سكان الريف إلى المدينة، وتضخُّم المدن وما يظهر من تغيراتٍ في العادات والتقاليد، وبداية تفكُّك الروابط الأسرية والأواصر العائلية، كل هذا يجب أن يحفزنا على الإعداد الكافي؛ لمواجهة ما قد يلاقينا من مشاكل مستقبلية في هذا المجال، ويحفزنا أيضاً إلى ضرورة تفعيل تعاليم الإسلام الهادية والدافئة في احتضان هذا القطاع الغالي، والعزيز على أمّتِه.



الإدماج يحاصرُ المشكلة

المشكلات التي تحاصر المسنّين تبدأ من نُكران الأبناء والأقارب لهم، نكراناً يؤثر سلباً على صحة المسنّ الوجدانية والنفسية، ويجعله عرضةً للأمراض، بدءاً بأمراض الضغط والسكر والقلب، وانتهاءً بالزهايمر والقصور الحركي وربما بالعجز الكُليّ، أو شبه الكُليّ عن الحركة‏. وهذه المشكلات الصحية تتفاقم بدورها مع الفقر الذي يعيشه قطاعٌ كبيرٌ من المسنّين تحتَ خطوطِه الدنيا‏.

ولذلك فإن نتائج العديد من الدراسات والبحوث تشير إلى كِبار السنّ، الذين يوجد لديهم أبناء بالغون يفضّلون تلقي الرعاية في بيوت أبنائهم، رافضين أيّ شكلٍ من أشكال رعاية المؤسسة الداخلية المُغلَقة متى توافرت الظروف لذلك.

فاستمرار المسنّ في نفس المُناخ الأسري الذي أمضى فيه حياته، يبعث على اطمئنانه النفسي وتوافقه الاجتماعي، ورعاية المسنّين تبدأ من الأسرة نفسها، بحيث يتحمّل عضو أو أكثر من الأسرة مسؤولياتِهم تِجاه رعاية الآباء والأمهات المسنّين.

والناظر في توجيهات السنّة النبوية يجد أنها جعلت أهم وسائط القيم الحضارية والاجتماعية في مجال رعاية المسنين تتمثل في وسائط ثلاث: الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم والدولة المسلمة. فقد اعتبرت السنّة النبوية الأسرة الركنَ الأساس والملاذ الأول لرعاية المسنّ، وذلك لأنها تمتلك إمكاناتٍ لا تمتلكها مؤسسات الإيواء والرعاية الأخرى، فهي توفِّر للمسنّ الحبّ الحقيقي، والعلاقات الحميمة الخالصة، والمشاعر الإنسانية الصادقة، وتشعِره بأنه جزءٌ لا ينفكّ عنها بحال.

وقد جعلت السنّة النبوية للوالدين الكبيرين مكانةً عالية عند أولادهما، وأمرت بإظهار الاعتبار اللائق لهما، والإحسان إليهما، ونجد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقدِّم هذه القيمة الاجتماعية على ذروة سنام الإسلام، التي هي الجهاد في سبيل الله، وجعل ذلك جهاداً للذات، فقد جاء رجلٌ إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستأذنه في الجهاد فقال: (أحيٌّ والداك؟، فقال: نعم فقال: ففيهما فجاهد).

وأخيراً، فإن القيام بالواجب الاجتماعي‏ نحو المسنّين يجب أن يتضافرَ فيه الجانب الرسمي مع الجانب المجتمعي، ولا غناء لأيٍّ منهما عن الآخر‏، فهذا التضافُر يكفل تحقيق الجوانب المادية مع النفسية والإنسانية، سواء في المعاشات والمساعدات المالية، أم في دور الإيواء والإقامة المتنوِّعة القادرة على تلبية الاحتياجات الصحية والعلاجية والنفسية والتأمينية، مع التيسيرات الخدمية والمعيشية التي قد تقرّرها بعضُ القطاعات الخاصة لكبار السنّ أو المتقاعدين‏.



عنايةُ الإسلامِ بكِبار السِنّ

وقد عَنِيَ الإسلام عناية خاصّةً بتوقير الكبار واحترامهم ,والعطف عليهم، والإحسان إليهم، خاصّةً الوالدين، ويوصي الإسلام الإنسان بوالديه ومَن في حكمِهم من كِبار السنّ بالإحسان، كما يعمل الإسلام على توقير الكبار في السنّ واحترامِهم، وللكبير حقّ الكلام قبلَ الصغير، وإجلال الشيخ الكبير واجب.
ورَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ويُوَقِّرْ كَبِيرَنَا). فجعل من الذين لا يوقِّرون الكبراء والمسنّين عناصر شاذّة في مجتمع المسلمين، بل تبرأ منهم، إذ ليس من المسلمين من لا يحترمْ كبيرَهم، وليس من المجتمع من لم يوقرْ مشايخه، وأكابره من المسنّين.
واهتمّ الإسلام بكبار السن، فأمر برعايتهم واحترامهم وتقديرهم، ولهذا كان كبار السنّ في المجتمع الإسلامي يُحاطون بألوان شتّى من الرعاية والعناية، وعلى أفراد الأسرة الآخرين تقديم كلّ عون للمسنّ، حتى لا يحتاجَ للعمل في سنّ متقدمة من العمر، ومن ثَمَّ يكون للمسنّ الكبير في الأسرة الاحترام والاعتبار الكبيران بين أفراد الأسرة الآخرين، ويكون له الضمان والأمان الاقتصادي، بحيثُ لا يواجه حاجة مادية، فالكلّ في المُجتمع الإسلامي ملزمون بالعمل والعطاء من أجل كبار السنّ والنساء والأطفال.
وفي المجتمع الإسلامي يقدِّم الأبناء والأحفاد من الذكور وزوجاتهم وبناتهم سُبُل الرعاية والخدمة الشخصية، التي يحتاج إليها المُسنّ إذا حُرِم من كفالة أو رعاية شريك حياته، أو حُرِم من أقرب المُقرّبين إليه.
كما أعطى نظام التكافل الاجتماعي، الذي أتى به الإسلام لكلّ فرد من أفراد الأسرة، خاصة غير القادرين على العمل، ومنهم المسنّون، أعطى لهم الحقّ على القادر ذي المورد المادي والاقتصادي، في الحصول على النفقة تبعاً لدرجة القرابة وتسلسلها.



دعوةٌ ضرورية
على دُوَلِنا ومؤسساتنا الرسمية والأهلية حثّ الأبناء على ردّ الجميل تِجاه والديهم الشيوخ في هذه المرحلة من حياتهم، واليقين بأن هذا تنفيذ لتوجيهات الإسلام، وليس تفضّلاً من الأبناء، وتقديم الرعاية الطبية والصحية للمسنّين، والاهتمام بالصحة النفسية للشيخ المسنّ وإشعاره بالحبّ، وأن أهله بحاجة إليه، وتنمية العلاقات الاجتماعية، وتوسيع دائرة صداقات المسنّ مع المتكافئين معه سناً وثقافة ومستوى، والحرص على ملء وقت فراغه، وتشجيع المسنّ على البحث والقراءة؛ حتى تبقى ذاكرتُه حية.








_____________________
المصدر//عاصم السيد (الاسلام اليوم)

سليل
08-Jul-2007, 04:59
دعوةٌ ضرورية
على دُوَلِنا ومؤسساتنا الرسمية والأهلية حثّ الأبناء على ردّ الجميل تِجاه والديهم الشيوخ في هذه المرحلة من حياتهم، واليقين بأن هذا تنفيذ لتوجيهات الإسلام، وليس تفضّلاً من الأبناء، وتقديم الرعاية الطبية والصحية للمسنّين، والاهتمام بالصحة النفسية للشيخ المسنّ وإشعاره بالحبّ، وأن أهله بحاجة إليه، وتنمية العلاقات الاجتماعية، وتوسيع دائرة صداقات المسنّ مع المتكافئين معه سناً وثقافة ومستوى، والحرص على ملء وقت فراغه، وتشجيع المسنّ على البحث والقراءة؛ حتى تبقى ذاكرتُه حية.

الله يجزاك الف خير هدى على النقل الهادف ...

دينا
08-Jul-2007, 09:36
موضوع هام جدا يحتاج ان نبذل فيه جهد كبير لتوعية المجتمع

جزاك الله خير هدى

احمد الشريف
09-Jul-2007, 01:14
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى أله وصحبه وسلم
حياك الله وبياك وسدد على طريق الحق خطانا وخطاك
اسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يمن عليك بوافر العافية ويهديك الجنة
موضوع مهم جداً ونحن والحمد لله لا زال الخير في أبنائنا بعدم عقوق إبائهم فالكثير يهتم ويقدم الرعاية لهم ولكن الزمن تغير والنفوس وألإهتمامات لم تعد كما هي وأصبح الاهتمام يقل فيجب أن تهتم الحكومة بتقديم هذه الخدمات حتى لا تتهم بالعقوق فالكثير لم يرزقهم الله بالأبناء الذين يقومون برعايتهم ومن المهم أن نرعى من قام بخدمة هذه البلد والمشاركة في تأسيسها وبنائها

miss-sara
09-Jul-2007, 04:06
قضيه مهمه جداً
يعطيك العافيه هدى

توتي فروتي
09-Jul-2007, 11:02
جزاك الله خير اختي هدى على هذا الموضوع القيم .. وإن شاء الله يكون أبناء مجتمعاتنا أكثر حرصا على هذه الفئة ..

احترامي وتقديري
:cool:

هدى عبدالعزيز
09-Jul-2007, 02:49
أشكركم جميعاً..
سليل..
دينا..
النور..
سارا..
توتي..

وإن شاء الله الخير فيكم وفي الجميع بوركتم..