المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دراسة : غياب الفكر المؤسسي أهم أسباب تعثر العمل الأهلي العربي



bode
06-Jul-2007, 05:20
لماذا تتعثر جهود العمل الأهلي العربي ، بل وتفشل في كثير من الأحيان في تحقيق أهدافها التنموية والخيرية في المجتمعات العربية على الرغم من حاجة هذه المجتمعات بشدة لمثل هذه الجهود ، ولماذا ينجح العمل الاهلي في جميع دول العالم المتقدم ويفشل في عالمنا العربي الا بعض النماذج القليلة التي لا يمكن اعتبارها قاعدة ، كل هذه التساؤلات أجابت عنها دراسة حديثة لباحث مصري أجراها حول المشكلات المؤسسية للعمل الأهلي العربي وحاول القاء الضوء على هذه المشاكل وكيف عرقلت على مدى السنين الماضية.

يقول الباحث هادي السعيد من مركز دراسات الشرق الاوسط التابع لجامعة عين شمس بمصر : تبرز أمام الباحث في موضوع المنظمات الأهلية العربية عدد من المشكلات ذات الطابع المؤسسي والتي تؤثر في قدرة هذا القطاع على أداء دوره, وتحدد المدى الذي يمكن أن يتطور إليه. وسنناقش هنا بعض المشكلات والقضايا ، تتعرض القضية الأولى لبناء المنظمات الأهلية. حيث أن الهيكل الإداري لها يضم أشخاصاً متطوعين, وفنيين بأجر, وموظف بعض الوقت أو كله. ويؤدي ذلك في كثير من الأحيان إلى عدم التجانس وعدم التكامل بين أعضاء الفريق يؤدي إلى توترات كثيرة تؤثر على العمل. خاصة وأن هناك عدم وضوح للرؤية بالنسبة لاختصاصات المتطوعين, فقد أصبحت هناك فجوة بين التطوع كفلسفة وبين التطبيق أدت إلى أن يصبح المتطوعون مجرد مساعدين للجهاز الفني. كذلك فإن غياب وعدم كفاءة الخدمات الخاصة بتنظيم الحركة التطوعية من حيث تدبيرهم وإلحاقهم بالعمل ومراقبتهم وتتبع أعمالهم, ويرتبط ذلك بأثر الأزمة الاقتصادية السائدة على نوعية المتطوعين من ناحية الخلفية العلمية والقدرة على التفرغ للعمل الأهلي, فمعظم الكفاءات العلمية العالية تفضل أن تستفيد من كفاءتها بالعمل بأجر.

كذلك تعكس المنظمات الأهلية بشكل عام عدم القدرة على الانتشار على مستوى القواعد وجذب الفئات المستهدفة إلى صفوفها. فإن نجاح المنظمات الأهلية لا يجب أن يقاس فقط بتحقيقها للهدف المباشر من عملها سواء كان خدمياً أو إنتاجياً, ولكنه يقاس بمدى قدرتها على اجتذاب الفئات المستهدفة إلى صفوفها وتحويلهم من متلقين للمساعدة إلى أفراد يعون حقوقهم وواجباتهم الاجتماعية والسياسية وقادرين على المشاركة في صنع القرارات وتعلم الاعتماد على الذات والاستقلالية. ويجب أن تبتعد العلاقة بين قيادات المنظمة والقاعدة عن أسلوب الوصاية فتشجع المبادرات الذاتية والاعتماد على الذات وتحاول القضاء على التبعية والتواكل وذلك لأن دورها هو مساندة التعبئة المحلية للجماعات المستهدفة, ويعني ذلك أن أهداف النشاط تحدد محلياً بواسطة الجماعات المستهدفة ذاتها وليس بواسطة المنظمات الأهلية التي يكون دورها مساندة وتعزيز المبادرات دون التدخل مباشرة في صياغة الأهداف أو تشكيلها وبهذا الأسلوب يمكن للمنظمات الأهلية أن تضعف سيطرة النخبة المحلية التي عادة ما تستغل مؤسسات الحكومة للمحافظة على مصالحهم.

ومن المشكلات المؤثرة في عمل المنظمات الأهلية غياب الديمقراطية داخل هذه التنظيمات فتظل القيادات نفسها مسيطرة لفترات طويلة ويحدث نوع من تقنين السلطة ينتقل تأثيره إلى العاملين في المنظمة فيتراخوا عن محاولات التغيير. رغم سماح النظم الأساسية لهذه التنظيمات بذلك.

مشاكل إدارية

كذلك هناك بعض المشاكل الإدارية في المنظمات الأهلية العربية تنتج عن التأثير السلبي بالبيروقراطية الحكومية وتدخلها في تسيير أعمالها. وكذلك لامتداد العلاقات القبلية والعشائرية السائدة في بعض الأقطار العربية مما يبعد الإدارية عن الأسس العلمية السليمة وعدم وضوح الاختصاصات وكذلك بعض مظاهر الفساد الإداري. كذلك فإن ضعف المجتمع المدني العربي يؤدي إلى قلة وفاعلية التنظيمات الأهلية العربية وقلة الوعي التطوعي وعزوف الفرد العربي عامة عن الانخراط في العمل الأهلي, كذلك طابع العزلة القطرية على العمل الأهلي العربي.

أما القضية الثانية المرتبطة بالإطار المؤسسي للتنظيمات الأهلية العربية فتتعلق بالعلاقة بين هذه التنظيمات والجهات الحكومية المشرفة عليها. ويظهر المنطق العام للعلاقة في أن الحكومة هي التي ترسم السياسات الاجتماعية الملائمة, ويعتبر النشاط الأهلي بشكل عام جزءاً مكملاً لهذه السياسة. وتختلف العلاقة بين المنظمات الأهلية وحكوماتها من دولة إلى أخرى بحسب النظام السياسي القائم من وقت إلى آخر ومن منظمة إلى أخرى. وبالنسبة للأقطار العربية يجب أن تسجل المنظمات الأهلية لدى الحكومة وأحياناً بنص على أبعاد أنشطتها عن السياسة والدين. كما تخضع هذه المنظماتمالي ورقابة أمنية صريحة أو ضمنية. ويلاحظ بالنسبة لعلاقة الحكومات بالمنظمات الأهلية أنها علاقة ازدواجية تجمع بين الجانب الإيجابي والجانب السلبي في آن واحد. فمن الناحية الإيجابية تساعد الدولة للمنظمات الأهلية لتحقيق أهدافها, وحمايتها من المستغلين وضمان الأمانة والإخلاص في العمل وتقديم الدعم والعون المادي. أما من الناحية السلبية فتتدخل الدولة في إنشاء وإدارة هذه المنظمات والرقابة عليها وصولاً إلى حلها. وأحياناً يسود جو من عدم الثقة بين المنظمات الأهلية والحكومة من حيث تعتبرها الحكومة مصدر قلق وإزعاج للسلطة السياسية وعنصر تحريض على مناوئتها. على أن هذا النوع من فقدان الثقة المتبادل تقل درجته كلما كان المجتمع المدني قوياً.

ويؤكد الباحث على أنه لا يجب ألا يتبادر إلى الذهن أن المنظمات الأهلية يمكن أن تعتبر بديلاً لواجبات ووظائف الدولة الوطنية القطرية وإنما مكملاً لها في كثير من الأحوال, ويشترط لنجاح العلاقة التكاملية أن يكون ذلك في إطار عمل حكومات ديمقراطية تهتم وتستجيب لمصالح القوى الجماعية والمستهدفة من نشاط المنظمات الأهلية. وفي هذه الحالة قد تنجح المنظمات الأهلية في أن تجعل ما تقوم به الحكومة أكثر فعالية, ويمكن للدولة مساندة ما تقوم به المنظمات الأهلية حيث إنها في وضع يؤهلها للاستجابة للاحتياجات الخاصة لقوى اجتماعية معينة أو لإقليم معين. كذلك تستطيع المنظمات الأهلية ترجمة الاحتياجات المحلية إلى صياغة للأهداف وخطة للعمل خاصة وأنها تستطيع أن تقيم علاقات وثيقة بالجماعات المحلية وبالحركات الاجتماعية أو المشروعات التي تساندها. كذلك فإن المنظمات الأهلية أقدر من الحكومات على التحرك السريع لأن هيكلها الإداري أكثر مرونة ويتسم عادة بالروح النضالية.

القضية الثالثة التي نتعرض لها ضمن الإطار المؤسسي للتنظيمات الأهلية هي موقف التشريعات العربية من المنظمات الأهلية. وتنبع أهمية هذا الموضوع من اعتبار القانون هو وسيلة الضبط الاجتماعي. وقد قرر مؤتمر خبراء الشؤون الاجتماعية للأمم المتحدة في أبيدجان عام 1965 ضرورة وجود علاقة قانونية بين الهيئات التطوعية والوزارة التي تشرف على هذه الهيئات على أن تحدد العلاقة بما يتفق مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية لكل دولة. ويلاحظ أن العلاقة تتسع في الدول النامية حيث تضعف تشكيلات المجتمع المدني وتضيق في الدولة المتقدمة حيث استقرت فيها المؤسسات ونما فيها المجتمع المدني. ويعتبر حق تكوين الجمعيات من الحقوق الأساسية للإنسان التي استقرت عليها الجماعية الدولية منذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948, والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي نصت المادة 21 منه على:

(حق كل فرد في التجمع السلمي ولا يقيد هذا الحق إلا بما تستوجبه في مجتمع ديمقراطي حر مصلحة الأمن الوطني أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الأخلاق أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم, كما نصت المادة 22 منه على حق المشاركة والتنظيم النقابي, ويعني لفظ المشاركة هنا حق العمل السلمي المنظم من أجل تحقيق أهداف مشروعة, ويرى جانب كبير من الفقه الدولي المعاصر أن على جميع الدول تتحمل هذا الالتزام والوفاء به سواء صدقت أو وقعت على هذه المواثيق أو لم تصدق, حيث إنها وقد أصبحت جزءاً من العرف الدولي في المجتمع المعاصر فقد أضحت من قبيل القواعد الآمرة في القانون الدولي التي لا يجوز لدول مخالفتها أو انتهاكها تشريعياً أو تنفيذياً أو قضائياً وإلا تحملت المسؤولية الدولية. فالأصل إذا وفقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان أن حق تكوين الجمعيات ومباشرة نشاطها هو حق مطلق بلا قيود وأن القيود ترد على سبيل الاستثناء. فما هو موقف المشرع حيال هذا الحق, وما مدى توافق التشريعات العربية مع المبادئ الدولي التي نصت عليها المواثيق الدولية والتي صدقت عليها الدول العربية بالنسبة لحق تكوين الجمعيات ومباشرة هذا الحق, وما مدى فاعلية النصوص التشريعية العربية في تحقيق أكبر قدر من الكفاءة الاجتماعية باعتبارها منظمات أهلية تعبر عن حيوية المجتمع المدني.

تنص جميع الدساتير العربية على حق تكوين الجمعيات والحق في المشاركة والاجتماع السلمي لأهداف مشروعة وتتشابه في نصوصها مع نصوص المواثيق الدولية. وتحيل الدساتير تنظيم ممارسة هذا الحق إلى التشريعات العادية.
وقد تعاملت أغلب التشريعات العربية مع حق تكوين الجمعيات الذي اعتبرته المواثيالدولية من الحقوق الأساسية الطبيعية للإنسان بشكل مناقض لهذه المواثيق. واعتبرت أن الأصل هو حظر تكوين الجمعيات وأن الاستثناء هو منح هذا الحق بالقيود والإجراءات الصارمة التي يضعها القانون وبالسلطات الواسعة الممنوحة للإدارة في الرقابة على منح حق تكوين الجمعيات أو منعه, وذلك مع اختلاف هذه التشريعات في درجة التشدد أو التسامح. وإلى جانب ما يمثله موقف المشرع العربي من إخلال الالتزامات الدولية فهو يؤدي إلى تقييد وتحجيم المبادرات الأهلية في المجتمعات العربية على ما لها من أهمية في نجاح أية استراتيجية تنموية.

التشريعات العربية

ثم يتطرق الباحث الى نقطة أخرى غاية في الاهمية وهي العلاقة التشريعية بين المنظمات الأهلية والحكومات في الوطن العربي. تقع على المشرع مسؤولية تحقيق التوازن بين دواعي النظام والاستقرار والأمن العام والنظام العام من جهة مما يستوجب بعض القيود, وبين ضرورة إحياء مؤسسات المجتمع المدني وتشجيع المبادرات الشعبية الخلاقة للمشاركة في صنع وتطوير المجتمع بكل جوانبه مما يستوجب قصر القيود على الحالات الاستثنائية. وتتجسد العلاقة التشريعية بين السلطات الحكومية والمنظمات الأهلية في أمور ثلاثة هي : الرقابة على تكوين المنظمات الأهلية, والرقابة على نشاط المنظمات الأهلية, وسلطة حل المنظمات الأهلية أو دمجها.

بالنسبة للرقابة على تكوين المنظمات الأهلية فإن موقف المشرع يعكس تشدداً. ويظهر ذلك في القيود التي يضعها على أغراضها أو كيفية نشأتها والاعتراف بها أو تسجيلها أو شهرها. وكذلك موقفه من كفالة حق التظلم من القرارات الإدارية برفض إشهار المنظمات. وإن كانت التشريعات العربية تختلف في مدى التشدد والتسامح بالنسبة لهذه الأمور.

أما الرقابة على نشاط المنظمات الأهلية فتنقسم بشكل عام إلى قسمين. الأول رقابة سابقة على ممارسة المنظمة للنشاط ولها أشكال متعددة, منها ما يهدف إلى ضبط نشاط المنظمات ومنها ما يهدف إلى توفير رقابة مستمرة من جهد الإدارة على أنشطتها. فتنص بعض التشريعات على خضوع المنظمات الأهلية للرقابة المباشرة للجهة الإدارية المختصة, أو النص على حضور ممثلي جهة الإدارة اجتماعات الهيئة التنظيمية للمنظمة, أو النص على حق الجهة الإدارية المختصة في تعيين بقرار منها عضواً أو أكثر في مجلس إدارة المنظمة وتحدد صلاحية وتفويضاته على أن يكون موظفاً في الوزارة المختصة.
وهناك الرقابة اللاحقة على بدء نشاط المنظمة وتعني سلطة الإدارة في التدخل في قرارات الجمعيات بعد صدورها سواء بإلغاء هذه القرارات أو إبطالها أو وقف تنفذها. وقد نصت أغلب التشريعات العربية على سلطة جهة الإدارة في وقف قرارات المنظمة.

أما بالنسبة لسلطة الإدارة الحكومية في حل المنظمات ودمجها فيعني ذلك إنهاء الوجود القانوني والمادي للمنظمات بواسطة قرار إداري ويعتبر ذلك " أمر مخل بالتوازن الاجتماعي المنشود بين أجنحة العمل الرسمي والعمل الأهلي أو الشعبي, ويقف بالأخير في موقف التبعية والخضوع والاستضعاف". وقد حظر المشرع في الخمسينيات حل المنظمات الأهلية بالطريق الإداري. وجعل هذا الحق من سلطة القضاء وحده, أما في الوقت الحالي فقد توسع المشرع العربي في إقرار سلطة الإدارة في الحل الإداري للمنظمات الأهلية على نحو مبالغ فيه. وبالإضافة إلى سلطة الحل التي تتمتع بها الإدارة فقد أجازت كثير من التشريعات العربية لجهة الإدارة سلطة دمج الهيئات في هيئات أخرى قائمة في حالات حددها القانون.

بعد وضوح الموقف التشريعي العربي من المنظمات الأهلية, وإيماناً بأهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه في تنمية المجتمع العربي إذا ما أتيحت لها الفرصة, فإن على المشرع العربي التزاماً منه بحقوق الإنسان الدولية وبأهمية تحرير هذه التنظيمات وتشجيع حركتها, أن يقلل من القيود المفروضة على حق تكوين الجمعيات وعلى أغراضها إلا ما يتعلق منها بالأمن العام والصحة العامة والنظام العام في إطار ما هو متعارف عليه في مجتمع ديمقراطي حر وذلك لأن التوسع في هذه القيود يؤدي إلى انتشار الجمعيات السرية وإلى الحد من فعالية المجتمع المدني
المنظمات الدولية
ثم يتطرق الباحث الى علاقة المنظمات الأهلية بالمنظمات الدولية, حيث تنقسم الأخيرة إلى منظمات دولية حكومية ومنظمات دولية أهلية. وتشير المنظمات الدولية الحكومية إلى منظمات الأمم المتحدة. وقد بدأ تعاون الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة مع المنظمات الأهلية بصفتها الاستشارية منذ 1945, وحدث توسع تدريجي وخاصة في العقدين الأخيرين حيث شمل جميع المنظمات التابعة أو المتصلة مع الأمم المتحدة باستنثاء صندوق النقد الدولي. وذلك بحيث تختص كل منظمة بالمنظمات الأقرب إلى اختصاصها. وبلغ عدد المنظمات الأهلية ذات الصفة الاستشارية في الأمم المتحدة ومنظماتها حوالي بضعة آلاف. وتعهد منظمات الأمم المتحدة إلى المنظمات الأهلية بتنفيذ مشروعات معينة تمولها الأمم المتحدة. وبعد أن اقتنعت المنظمات الدولية بصلاحية المنظمات الأهلية وقدرتها على الاتصال بالقواعد الشعبية بحكم طبيعتها التطوعية بدأت تتعاقد مع المنظمات الأهلية للمشاركة في تنفيذ مشروعات التنمية حيث أنها تستطيع القيام بها بنفقات أقل وكفاءة أكبر.

ويتم التعاون بين الأمم المتحدة ومنظماتها في أنشطة مختلفة, مثل الأنشطة الخاصة بالرعاية وكذلك في ظروف الكوارث الطبيعية وذلك على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. وتقوم في نفس الوقت بالتنسيق بين الجهود المشتركة. ومراعاة لبعض الظروف الحساسة يترك التنسيق لهيئات غير حكومية دولية مثل اتحاد جمعيات الصليب والهلال الأحمر وهيئات الإغاثة الكاثوليكية. أما بالنسبة للأنشطة التنموية, فنتيجة لتنبي الفكر التنموي الحديث لفكرة أن الإنسان هو صانع التنمية والمستفيدة منها, فقد برزت فكرة المشاركة الشعبية لجماهير المنتجين وعدم الاقتصار على المشروعات المركزية الكبرى. وقد أدى هذا التوجه إلى توسع في العلاقات التعاونية بين المنظمات الدولية الحكومية والمنظمات الأهلية على مختلف المستويات من دولية وقطرية ومحلية.

قامت الدول الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية بإنشاء وزارات وإدارات للمعونة والتنمية. وقامت بعقد اتفاقيات وبرامج ثنائية مع الدول النامية لمساعدتها في التنمية. هذا إلى جانب مشاركة هذه الدول الكبرى في برامج الأمم المتحدة لنفس الغرض. وعملت هذه الدول على تشجيع المنظمات الأهلية في الدول النامية للعناية ببعض جوانب التنمية, وكان ذلك غالباً رؤيتها السياسية. وقد جاءت تلك الأنشطة الثنائية على حساب النشاط الدولي في إطار الأمم المتحدة.

وفي ضوء التطور في المنظمات الدولية وبرامجها للمعونة الفنية والتنمية وكذلك في سياسات الدول الكبرى التي دخلت هذا المجال حدثت تغيرات مقابلة في المنظمات الأهلية الشمالية فأصبحت أكثر اهتماماً بجوانب التنمية في أنشطتها المحلية والخارجية. ونشأت في هذه الدول منظمات أهلية جديدة تتعاون مع الحكومة ومنظمات الأمم المتحدة في الأنشطة التنموية وكثيراً ما يثور الشك في أنه كلما زاد اعتماد هذه المنظمات الأهلية القطرية في دول الشمال على موارد الدولة كلما زاد وقوعها تحت تأثير السياسات والأغراض الحكومية حرصاً منها على استمرارية مواردها المالية, ولكن هناك رأي آخر لا يرى أن هذه العلاقة تفقد هذه المنظمات استقلاليتها حيث إنها تعتمد على مساندة الرأي العام المستنير الذي يساندها معنوياً وسياسياً.

وقد اتجهت الأمم المتحدة في السنوات العشرين الأخيرة إلى عقد العديد من المؤتمرات,لدراسة مشكلات تنموية معينة,شاركت فيها المنظمات الأهلية للدول النامية بحيث تعرفت على وجهات النظر المختلفة واكتسبت خبرة إلى جانب خبرتها التي قدمتها في هذه المؤتمرات. كذلك كان لها بعض الأنشطة على هامش المؤتمرات دون الالتزام بالمواقف الرسمية للحكومات. وقد هيّأ لها ذلك الفرصة لمتابعة نشاطها الإنمائي والمشاركة في مناقشة السياسات وإعداد وتنفيذ مشروعات التنمية.

وتهتم المنظمات الأهلية الدولية (دول الشمال) المعنية بالتنمية في العالم الثالث بمعرفة الأوضاع الحقيقية للسياسات والمشروعات الإنمائية على المستوى الشعبي في الدول النامية. وتفضل في هذا المجال عدم الاعتماد على السلطات الرسمية ولذلك فهي تلجأ للمنظمات الأهلية المحلية الأقدر على الاتصال بالجماهير والتعرف على حقيقة الأوضاع وتحرص في نفس الوقت على إقامة وسائل المتابعة والتقييم متعاونة مع المنظمات الأهلية المحلية. كذلك اتجهت كثير من المنظمات الأهلية إلى إنشاء فروع لها أو هيئاتمماثلة في الدول النامية. وهكذا أنشئت في العقود الأخيرة منظمات أهلية في العالم الثالث تحت كنف المنظمات الأم في دول الشمال.

وهناك بعض التساؤلات التي تثار حول علاقة المنظمات الأهلية الدولية الشمالية (نسبة إلى دول أوروبا الصناعية). بالمنظمات الأهلية الوطنية (من دول الجنوب). فالمعروف أن أساس العلاقة يرتبط بثروة المنظمات الأهلية الدولية وموقفها كمانحة,والفقر الحالي للمنظمات الأهلية وموقفها كمتلقية وطالما أن المنظمات الأهلية الدولية المانحة تعتبر المساعدة المالية والتقنية هي العامل المسيطر الذي يحدد ويعرف العلاقة بينها وبين المنظمات الأهلية الوطنية فإن ذلك يساهم في خلق علاقة تبعية واعتماد حيث انتقل هذا الفهم للعلاقة للمنظمات الأهلية الوطنية. فكما يقول المثل الإفريقي: ((إذا كنت تضع يدك في جيب شخص آخر فعليك أن تتحرك حينما يتحرك)). فرغم استعمال لفظ الشركاء partners للإشارة إلى الطرفين فهي لا تعني على وجه التأكيد أنهم على قدم المساواة,فقد تشير تلك الكلمة في الغرب الرأسمالي لشركاء على قدم المساواة أو ليسوا على قدم المساواة (كشركة رجال الأعمال - شريك رئيسي وشريك تابع.

وقد ترتب على هذه العلاقة غير المتكافئة سلوكيات معينة في التعامل بين المنظمات المانحة والمنظمات المتلقية للمساعدة فيما يتعلق بمن له الحق في تحديد الأولويات وفي حق المنظمات المانحة في الرقابة والمتابعة وتسجيل النواقص والأخطاء, وذلك رغم ثبوت فشل بعض المشروعات الممولة أجنبياً بسبب اختيار المنظمة المانحة لمشروعات ليس لها علاقة بالواقع اليومي أو الاحتياجات الاقتصادية للمجتمع المعني. ورغم إدراك المنظمات الأهلية الوطنية لعيوبهم ونواقصهم فهم يتساءلون عن معنى المشاركة والاعتماد على الذات التي يتوقعها منهم شركاؤهم في الشمال إذا كانوا يستخدمون تلك الآليات للسيطرة على العلاقة. وترى المنظمات الأهلية الوطنية أن المشاركة الحقيقة والاعتماد على الذات تقوم على حق الفئات المستهدفة في رؤية واقعهم بشكل أصيل, وفي اختيارهم الحر في حقهم في الحصول على المساعدة من أجل التنمية التي حدودها بأنفسهم.

وتطالب المنظمات الأهلية الوطنية, حتى تكون العلاقة على أساس من الندية المنظمات الأهلية الدولية أن ينظروا إلى العلاقة على أنها عطاء من قبل الطرفين. فكما تملك المنظمات الأهلية الدولية المال والخبرة والتقنية فإن المنظمات الأهلية الوطنية تملك.

التجربة التنموية النابعة من الواقع, ورغم أنهم يستفيدون من الخبرة التقنية إلا أن ذلك لا يغير قناعتهم بأن التنمية الوطنية هي مسؤولية الجماهير والجماعات الوطنية فقط. وإن مفهوم المشاركة الذي تقبله المنظمات الأهلية الوطنية هو الذي يقوم على أساس مفهوم التضامن والمشاركة المتكافئة,والذي يخرج عن معنى الإحسان والوصاية ليعبر عن إعادة توزيع الثروة على بشكل يساهم في تنمية المجتمع الإنساني من أجل الجميع. وقد ترتب على تمحور العلاقة بين المنظمات الأهلية الدولية والمنظمات الأهلية الوطنية حول المساعدات المالية والتقنية, تركيز المنظمات الدولية اهتمامها على الكيفية التي أنفقت بها الأموال التي مولت بها المشروعات بدلاً من الاهتمام بالآليات التي تؤدي إلى إفراز نوعية جديدة من البشر. ولم يهتموا بالاتصال بالفئات المستهدفة من الفقراء وكيف تؤثر المساعدات في حياتهم بل ركزوا على الاتصال بالمراكز التي تمثل مستحقي المساعدة.

قضية التمويل

والقضية الأخيرة التي يتعرض لها الباحث في الإطار المؤسسي للعمل الأهلي العربي هي قضية التمويل. وهي قضية على جانب كبير من الأهمية, حيث أنه بلا مصادر مالية للإنفاق على أغراضها لا تستطيع المنظمات الأهلية أن تعمل. وقد اعتمد النشاط الأهلي العربي التقليدي (العمل الخيري) في تمويله أساساً على التبرعات الفردية وأموال الزكاة وإيرادات الأوقاف للأغراض الخيرية وكان نصيب الحكومات قليل للغاية. أما المنظمات الأهلية المستحدثة في الدول النامية فتعتمد على المصادر الحكومية من ناحية وعلى التمويل الخارجي من ناحية أخرى.

ويثير التمويل الخارجي ضرورة حل المعادلة الصعبة وهي : إمكانية الحصول على التمويل من جهة والمحافظة على استقلالية المنظمة من جهة أخرى حيث تبقى العلاقة محكومة بشروط المنظمات المانحة. وهناك قضايا عملية عديدة يثيرها تمويل المنظمات الأهلية مثل كيفية الحصول على المال, وكيفية المحافظة عليه وتنميته من استمرارية المشروع, والطريقة المثلى لإنفاق المال لتحقيق الفائدة القصوى منه. وبالنسبة للعمل الأهلي العربي فهو يواجه مشكلات كثيرة خاصة بالتمويل حيث إن المصادر المالية للدولة محدودة وحتى الدول النفطية بدأت فوائضها في التراجع, ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية زادت المشكلة صعوبة, ولا تقدم طبقة رجال الأعمال العربي أية مساهمات مذكورة في هذا المجال.

كذلك بسبب قلة انتشار المنظمات الأهلية العربية وضعف القناعة بأهميتها كأحد روافد التنمية يجعل الحصول على التمويل واستمراريته من الأمور الصعبة. ويساهم في ذلك عدم قيام الإعلام بدوره في التوعية بأهمية العمل الأهلي ودوره في التنمية وأن يعمل بوعي ضد الأفكار المعوقة للنشاط الأهلي, وأن يحاول إبراز التجارب الواقعية والإنجازات الفعلية له.

أحمد الدسوقي - إنسان أون لاين .نت

بدريه احمــد
06-Jul-2007, 01:14
جزاك الله خير bode
احيي نشاطك الواضح

هدى عبدالعزيز
06-Jul-2007, 11:46
بارك الله فيك bode
لنقل هذه الدراسة الجيدة..وشكرا لجهودك الطيبة بقسم الجمعيات والمنظمات التطوعية.