المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لو كان الخير رجلا لكان عمر بادحدح



احمد الشريف
25-May-2012, 07:53
الشيخ عمر بادحدح .. السيرة والمسيرة

"عمر بادحدح" .. تجربة رائدة في العمل الخيري
http://www.islameiat.com/App/Upload/articles/_14123_120x100.jpg (http://www.islameiat.com/App/Upload/articles/_14123_120x100.jpg)

كتب: السيد الشامي



عمر الخير

"لوكان الخير رجلا لكان عمر بادحدح" لم أجد كلمات أصدق تعبيرا وأكثر دلالة من هذه العبارة التي أراها تلخص رسالة الرجل ودوره ومشروعه الذي نذر نفسه وأوقف حياته وأبناءه وعلاقاته ومراسلاته ومكاتباته ووجاهته وتجارته من أجله ... فهو بحق عمر الخير .

فالخير كان مقصده ونيته ، وعمله ومشاريعه ، واهتمامه وفكره وحلمه ، فله خطط وأسس وبه تحرك ، فلم يكن الرجل أحد المحسنين ومحبي الخير وإن كان هذا يكفي لتزكية الرجل ، ولم يكن العمل الخيري عند الرجل مجرد عاطفة وانفعال وجداني ونفسي بقدر ما كان رسالة وفلسفة ورؤية ودورا ووظيفة وضع لها الخطط وأقام المؤسسات والمشروعات وجلب التمويل وقام بالتنسيق والتسويق لإنجاح أعماله .

يحتاج الرجل أكثر من رصد لسيرته وأعماله ومواقفه وآرائه ومشروعاته ، يحتاج إلى دراسة رؤيته وفلسفته وتجربته في العمل الخيري وكيف كان الرجل ينظر إلى العمل الخيري وكيف وظف هذه الرؤية والفلسفة في التخطيط له، وكيف تجاوز بهذه الرؤية والفلسفة التحديات والعقبات التي تواجه المؤسسات الخيرية خصوصا في جلب التمويل والتسويق للأعمال والمشروعات الخيرية وكذلك وضع الأولويات لها، وسنحاول في هذه الورقة الموجزة الوقوف على جانب من هذه الرؤية والفلسفة تسجيلا للتجربة ونقلا لها لعل القائمين على العمل الخيري من مؤسسات وأفراد يستفيدون منها .

سبق الرجل الكثير في هذا المجال ، قد يكون هو الأقل من ناحية الإنفاق المباشر بمفهومه المالي لكنه الأكثر من ناحية بناء نموذج الرجل المؤسسي في العمل الخيري وتجربة الرجل تجسيد لحالة وثقافة ينبغي إشاعتها في العمل الخيري وكذلك هو الأكثر من ناحية قدرته الفائقة على إيجاد وتربية ما يمكن أن نسميه بـ (البيت الخيري) فلم يكن عمل الخير اختيارا فرديا للرجل بقدر ما كان عملا تربويا واجتماعيا وأسريا ومشروع حياة .

وتتجلى عبقرية الرجل في إيمانه بالعمل المؤسسي وقدرته على توظيف شبكة العلاقات التي يمتلكها في بناء إجماع ورأي عام مساند ومؤيد لأعماله ومشروعاته الخيرية، وكذلك نجاحه في بناء صورة ذهنية إيجابية عن القائمين على العمل الخيري وساعد الرجل في ذلك إيمانه وإخلاصه الشديد وتجرده لعمل الخير وبعده عن مواطن الشبهات وهو بذلك استطاع بناء الثقة والجدارة في العمل الخيري والقائمين عليه .

دروس التجربة

بدايات الرجل ومشواره الخيري تقول أننا أمام تجربة ثرية متعددة الثمار والدروس والقيم والأفكار وتحتاج لوضعها كنموذج متقدم ورائد للعمل الخيري ، وفيها دروس عظيمة لو تمت الاستفادة منها والوقوف حولها .

قيمة العمل

أول قيمة نتعلمها ودرس نقف عنده هو العمل والعصامية وبناء الذات من الصفر كما يقولون ، ولمحورية وأهمية العمل في حياة الرجل نراه يذكر كيف كانت بداياته كخادم في بيوتات مكة فلم يدعي الرجل أنه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب أو أنه سليل بيت من علية القوم والأشراف ، فشرف الرجل في أن يأكل من عمل يده وعرق جبينه وكأنه يقتدي بسيد الخلق محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم لما قال (كنت أرعى الغنم لأهل مكة على قراريط) ليتذكر دائما وأبدا فضل الله عليه وكيف أغناه بعد فقر ليستشعر دائما جوع الفقير وحاجة أصحاب الحاجات .

وكأن الرجل يقول لأصحاب الرسالات ومن يتصدى لعمل الخير لابد أن تعملوا وتجتهدوا وتتاجروا وفي التجارة ربح وخسارة ومخاطرة ودراسة للسوق وتقلباته وهذه وتلك يحتاجها القائمون على العمل الخيري حتى يتعففوا عن أموال الناس وحتى يدركوا قيمة المال فلا يُهدر في مشروعات غير جادة ولا يُنفق إلا فيما ينفع الناس ، والرجل من هذه الناحية اجتهد وعمل وتاجر وعرف قيمة المال وعف نفسه وأهله وأكل من عمل يده ، فكانت يده نظيفة لا يمدها إلى ما أغناه الله عنه .

وهذا درس مهم لمن يقوم على عمل الخير وينتدب نفسه لمساعدة المحتاجين ، وكلما كان القائم على العمل الخيري متعففا عن المال الخيري بل ينفق ويساهم من ماله الخاص كلما كان أبعد عن الشبهة ومظنة السوء وسوء الظن ولهذه الحكمة علمنا الله في كتابه عند الحديث عن إدارة أموال اليتامى أن (ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) وحذرنا من تبديد أموالهم والإسراف فيها فيما لا يفيد ورهن دفع الأموال إلى اليتامى بمؤانسة الرشد منهم والرشد والترشيد كلاهما مطلوب عند إدارة الأموال الخيرية والأوقاف .

لقد تحقق للشيخ عمر رحمه الله من الرشد والترشيد والاستعفاف ما يجعل منه مثلا يُحتذى ونموذجا يُقاس عليه لكل من أراد أن يسلك طريق العمل الخيري ، ولعل أبناء الرجل وأحباؤه والمقربون منه ومن كانت لهم به صلة يمدوننا بتفاصيل أكثر تؤيد هذا الذي ذهبنا إليه .

دراسة احتياجات الجمهور المستهدف

وهذه من أهم ما يميز تجربة الرجل في عمل الخير فهو لم يقتصر على بناء المساجد وتوزيع الأموال على الفقراء والمساكين فقط وإنما انطلق من دراسة لاحتياجات الواقع والبيئة المحيطة به سواء في الداخل أو الخارج وراح يبحث كيف يلبي هذه الاحتياجات ويسد هذه الثغرات فتراه يساهم في بناء المدارس والكليات تلبية لحاجة حقيقية لقطاع كبير من الناس لا يقدرون على كلفة تعليم أبنائهم وتراه يبني مساكن خيرية لأبناء اليمن لأنهم لا يقدرون على كلفة السكن وتراه يساهم في الحفاظ على تراث الأديب علي أحمد باكثير وتراه يساهم في تأسيس لجنة للسجناء والمعسرين وتراه يزور المراكز الاسلامية في الغرب ويقف على احتياجاتها عن قرب ويعمل على تلبيتها وتراه يزور المخيمات الفلسطينية في الأردن ولبنان وغيرها ويقوم بتلبية ما يستطيع من احتياجاتها وتراه يقوم بجولات ورحلات إلى أفريقيا واليمن وغيرهما ويقف على احتياجاتها ويرجع بعد ذلك دارسا كيف يلبي هذه الاحتياجات فيقيم المشاريع أو يرسل المساعدات حسبما يقتضيه الظرف فحيث كان الاحتياج كانت المشاريع وكان البحث عن التمويل ومخاطبة المعنيين وهذا درس مهم في أي عمل خيري تنموي أن ينطلق من البيئة ويخدم المجتمع ويلبي احتياجاته الحقيقية .

إن العمل الخيري التنموي الحقيقي هو الذي ينطلق من تلبية احتياجات البيئة والمجتمع والجمهور المستهدف وفق خطة مدروسة وحشد للموارد وهذا ما فعله الشيخ عمر رحمه الله وكان بحق رائدا ومتميزا في هذا المجال ولعل أبناء الشيخ يقومون بتوثيق ورصد المشاريع التي أسسها أو ساهم في تأسيسها بفكره أو ماله أو بعلاقاته ومتابعاته وتسويقه وتنسيقه .

العقلية الاجتماعية

من أهم ما يمكن استخلاصه من تجربة الشيخ عمر بادحدح ما يمكن تسميته بالفلسفة والعقلية الاجتماعية التي صاغ من خلالها الأفكار الأساسية في مشروعه وتجربته الخيرية ، فهو لم يمارس العمل الخيري طلبا للوجاهة وتكميلا للشكل أو البرستيج الاجتماعي إنما مارسه عن عقيدة وإيمان شديد بأن العمل الاجتماعي بكافة صوره وأشكاله هو العمل الإصلاحي الحقيقي .

وقد تبدت هذه العقلية الاجتماعية في تجربة الشيخ عمر من خلال عدة أشكال وأعمال اجتماعية يجمع بينها جميعا إيمان عميق بالدور والوظيفة الاجتماعية لمن يتصدى للعمل الخيري فنجد على سبيل المثال مساهماته في عمليات الصلح الاجتماعي بين الناس بكافة شرائحهم الاجتماعية ، فتراه يتصدى للإصلاح بين الأزواج والزوجات إيمانا منه بأن الاستقرار الأسري هو أول درجات الاستقرار المجتمعي وأنه بدون استقرار هذه الخلية لن يكون هناك تربية ولا شعور بالأمان النفسي والمجتمعي .

ولعل الإصلاح بين الأزواج الذي مارسه الرجل قد سبق به كثيرين ممن يوصون الآن بتكوين لجان وجمعيات للإصلاح علاجا لظاهرة العنف الأسري التي بدت تتفشى في المجتمعات العربية والإسلامية بشكل مخيف ينذر بالخطر .

كما مارس الشيخ عمر عملية الصلح كذلك بين الشريحة الاجتماعية التي ينتمي إليها وهي فئة التجار والوجهاء ورجال الأعمال وهي فئة بلا شك تحتاج إلى رؤى وآليات ونوع خطاب يختلف كثيرا عن الفئة السابقة وكانت لديه القدرة والوسيلة على بناء جسور تفاهم وتوافق مع هذه الفئة (التجار ورجال الأعمال) والتي غالبا ما يكون المال والمنافسة في السوق والمديونيات الكبيرة وحالات الإفلاس حاضرة بقوه في خصوماتهم ونزاعاتهم وهو ما يتطلب فهما أعمق لطبيعة المشكلات ونفسيات المتخاصمين وقدرة على التوفيق والتوصل لحلول وسط يرضاها المختصمون وكل ذلك كان يملكه الشيخ عمر بجدارة لكثرة ما مارس من عمليات إصلاح راكمت لديه خبرة بالجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تقف خلف مثل هذه الخصومات .

ولعل ممارسة الشيخ عمر لعمليات الإصلاح بين كافة الفئات والشرائح الاجتماعية أتاحت له أن يطلع ويغوص في أعماق المجتمع ويقف على مشكلاته الحقيقية ويبني على إثر ذلك أجندته الاجتماعية ومشاريعه الخيرية ومن هنا كانت حركته الخيرية مبنية على دراسة مجتمعية ميدانية حقيقية وليست سماعية لدراسات نظرية أو مكتبية .

بقي أن نعرف أن تجربة الشيخ عمر في الإصلاح الاجتماعي انطوت على امتلاكه على قدرة هائلة وعميقة لما يمكن أن نسميه بآليات التقاضي الأهلي مثل ثقة الخصوم في عدالته ونزاهته ، والاستماع للخصوم منفردين ومجتمعين ، والتوثيق لما تم التوصل إليه من حلول ، وتغليب التسامح والعفو والتنازل على أخذ الحقوق ، ومتابعة المتخاصمين بعد عملية الصلح ، ومما أعطى للرجل ميزة إضافية في هذا المجال قدرته على تعويض أيا من المتخاصمين وترضيته ماديا إن كان ذلك يجدي في عملية الصلح .

وللقيام برسالته الاجتماعية مع الشرائح الأخرى اشترك الرجل رحمه الله مع آخرين في تأسيس (لجنة السجناء والمعسرين) وهو عمل يدل على سبق الرجل واهتمامه بتلك الفئة التي طال إهمالها من المؤسسات الرسمية والأهلية ، وتعد مشاركته في تأسيس وتفعيل اللجنة (وهى اللجنة الأولى الأهلية على مستوى المملكة) خير برهان على عقلية الرجل الاجتماعية ورؤيته المتقدمة للأسباب الحقيقية التي تقف وراء تزايد ظاهرة السجناء والمعسرين كما تبرهن على إيمان الرجل بحق هذه الفئة وأسرهم في الرعاية الاجتماعية ومساعدتهم في الخروج من مشكلاتهم ليكونوا أعضاء نافعين في المجمع .

ويعكس تأسيس لجنة السجناء والمعسرين كذلك إيمان الرجل بأهمية إيجاد آليات مجتمعية فاعلة لتحويل الأفكار والرؤى إلى مشاريع وخطط عمل كما يعكس إيمان الرجل بضرورة وجود عمل أهلي ومجتمعي وليس مجرد جهود فردية .

الثقة والمصداقية

يلحظ المتابع لتجربة الشيخ عمر في العمل الخيري تمتعه بقدر كبير من الثقة والمصداقية من كل المحيطين به ، وسبب ذلك قيامه بأعماله ومشاريعه ومشاركاته عن عقيدة وإيمان قوي وإخلاص شديد وتجرد وتنزه عن طلب الأجر والشكر إلا من الله الذي يتوجه بالعمل إليه ، كما بنى هذه الثقة تعفف الرجل وغناه النسبي وبعده عن مواطن الشبه ومظنة السوء .

وكذلك إصرار الرجل على قضاء حوائج الناس بطريقة رسخت صورة ذهنية طيبة وإيجابية عن الرجل لدى المتعاملين معه في الدوائر والمصالح الحكومية وأكدت أن الرجل لا يبغي إلا وجه الله في قضاء حوائج الناس ومن ثم أوجد هذا الشعور والإحساس لدى المتعاملين معه بحاجتهم إلى مشاركته في الأجر .

إن كثيرا من هذه الثقة والمصداقية بناها الرجل من خلال إيمانه الشديد برسالته الخيرية والاجتماعية وإشراك الغير معه في هذه الأعمال وقد ساعدت هذه الثقة الرجل في إنجاز كثير من أعماله ومشاريعه الخيرية ولولاها لما أنجز عشر ما أنجزه في مشواره الخيري .

ولعل في ذلك درسا بليغا لكل المؤسسات والقائمين على العمل الخيري بأهمية بناء الثقة والمصداقية وما يسميه الناس بالسمعة الطيبة قبل الحصول على المال .

ومن هذه الناحية فقد امتلك الشيخ عمر من السيرة الحسنة والسمعة الطيبة ما كان كافيا لإنجاز كثير من الأعمال والمشروعات ويكفي وجود اسمه في أي مشروع ليكون ذلك عنوان الثقة والأمانة .

ولا ينفي ما سبق أن الرجل ربما تعرض لحالات استغل فيها الآخرون نبله وسمعته الطيبة وثقته بكل من يعملون في العمل الخيري فربما تعرض الرجل لمواقف أساء فيها الآخرون استغلال الثقة والسمعة في طلب التمويل لبعض المشاريع الخيرية وهو الأمر الذي يحتاج إلى التروي في منح هذه الثقة والأموال إلا لمن يستحقها .

توظيف المواقع والعلاقات

تقدم تجربة الشيخ عمر بادحدح نموذجا لصاحب الرسالة والمشروع الخيري الذي يحمل بين جوانحه رسالته ومشروع حياته أينما حل وارتحل محاولا توظيف المواقع وشبكة العلاقات التي نسجها مع قطاع عريض من الناس وخصوصا أصحاب النفوذ ورجال الأعمال والمال والوجهاء وهذا يظهر جليا من خلال توظيفه لموقعه التنفيذي كعضو منتخب في الغرفة التجارية بجدة لأكثر من ثلاثين عاما متوالية استطاع الرجل خلالها أن يضع العمل الخيري على جدول أعمال الغرفة وأن يجعله حاضرا بقوة في أعماله أثناء عضويته بالغرفة التجارية ووظف موقعه في خدمة رسالته الاجتماعية وساهم في بناء رأي عام مساند من أعضاء الغرفة لصالح العمل الخيري من أجل دور اجتماعي أكثر فاعلية للتجار ورجال الأعمال .

وقد مارس الشيخ عمر دوره وسط هذه الشريحة والطبقة الاجتماعية بامتياز من خلال قيامه بالعديد من عمليات الوساطة والتحكيم والصلح بينهم مما سهل عليه فهم اهتماماتهم وخصائصهم النفسية ومصالحهم الاقتصادية وكذلك ثقتهم في نزاهته وعدله وقدرته على التفاوض الاجتماعي الفعال ، إضافة لما سبق فقد وفرت شبكة العلاقات له قائمة كبرى من الممولين والمتبرعين للمشروعات الخيرية واستطاع إقناعهم برسالته ومشروعاته الخيرية وهو ما ساهم في توفير التمويل لكثير من المشاريع .

بقي أن نقول أن شبكة العلاقات التي تمتع بها الرجل تعدت هذه الدائرة الاجتماعية من رجال الأعمال والتجار إلى الأمراء والمسئولين في الدوائر الحكومية واستطاع من خلالهم إنجاز العديد من المشروعات والخدمات الاجتماعية لآلاف من المواطنين من قبيل الحصول على الجنسية السعودية والتوظيف والزواج والتأشيرات وتوفيق أوضاع الآلاف من الحضارمة ومن غيرهم ممن قصدوا الرجل .

ولم تكن المواقع والعلاقات التي حازها الرجل إلا وسيلة لخدمة رسالته ومشروعه الخيري وقضاء حوائج الناس وهو أمر لايفعله إلا من كانت له رسالة كبرى ومشروع حياة وقبل ذلك ومعه ابتغاء رضوان الله .

دور ثقافي وتنموي

لعل من إنجازاته الكبرى أيضا والتي تميز بها عن غيره بلا مبالغة تلك الرؤية المتقدمة لأهمية العلم والتعليم في النهوض بالمجتمعات ورقيها وتقدمها ويشير اهتمام الرجل بهذا الملف إلى فلسفة ورؤية عميقة حول الأولويات التنموية التي يجب أن تشغل بال العاملين والمهتمين بالعمل الخيري ، وقد استطاع الرجل تحويل هذه الرؤية إلى مشاريع وأعمال خيرية ، وقد تبدى هذا الاهتمام بالتعليم ابتداء من خلال تعليم أبنائه (بنين وبنات) حصلوا على أعلى الدرجات العلمية واستثمر فيهم ودفعهم وحفزهم وتابعهم ولم يدخر جهدا ولا مالا ولا مشورة في سبيل نيلهم ووصولهم إلى درجات علمية مرموقة .

وتُظهر رؤية الرجل المتقدمة للتعليم إسهاماته الكبرى في مجال التعليم من خلال إقامة المدارس والكليات والإسكان الطلابي والكفالات والمنح التعليمية للكثير من الطلاب وإعطاء ذلك أولوية في مشروعاته الخيرية .

ولعل ما يلفت النظر ويستدعي التوقف والتأمل في هذا السياق هو اهتمام الرجل بالعلوم الطبيعية والتطبيقية وإعطائها الأولوية على العلوم النظرية حيث يرى أن العلوم النظرية يمكن تحصيلها بالرغبة والجد دون إطار أكاديمي وتتضح تلك الرؤية المتقدمة في اهتمامه بالمبدعين والمثقفين والأدباء وتراثهم وهو ما يظهر من خلال إسهاماته في الحفاظ على تراث الأديب المسلم علي أحمد باكثير خوفا عليه من الضياع وهو ما يشير إلى دوره الثقافي والعلمي وهو دور يجب أن يأخذ مكانا متقدما في اهتمامات المؤسسات الخيرية ومؤسسات المجتمع بصفة عامة .

خطاب خيري متميز

لم يقتصر تميز تجربة الشيخ عمر بادحدح على امتلاكه لرؤية ومشروع ورسالة خيرية فقط بل في قدرته على تحويل هذه الرؤية إلى خطط ومشاريع وأعمال ولجان ومراسلات وخطاب متميز استطاع من خلاله اقناع الكثيرين بمشروعاته وأعماله ولعل هذا يظهر جليا من خلال نماذج عديدة لمراسلاته ومكاتباته إلى المسئولين والأمراء والوجهاء ورجال الأعمال واهتمامه الشديد بجعل تلك المراسلات والمكاتبات أكثر جاذبية وتشويقا وإقناعا وكيف كان يتخير الألفاظ والكلمات ويعدل ويبدل ويضيف ويحذف ويحسن في الشكل ويجود في المضمون والمحتوى حتى يضمن وصول رسالته دون لبس أو إبهام وهذا يدل على نموذج راق في الخطاب واهتمام بالكلمة باعتبارها حاملة رسالته الخيريه وهو أمر كذلك يدل على أننا أمام نموذج متميز في صياغة وتوصيل الرسالة بطريقة ناجحة .

إن كثيرين ممن يحملون رؤى وأفكار كبرى قد يعجزون في صياغة خطاب جذاب وشيق ومقنع وهو ما فعله الشيخ عمر وهو ما يحتاجه القائمين على العمل الخيري ومؤسساته .

لقد تميز الشيخ عمر بامتلاكه أدوات الخطاب وتوصيل الرسالة دون أن تكون لديه دراسات علمية في الإعلام وفنون الكتابة والصياغة ولكنها الرسالة حين تكون ملهمة ومبدعة .

الخدمة رسالة ووظيفة

في تجربة الشيخ عمر بادحدح تمثل الخدمة العامة لكل الناس رسالة ووظيفة ودورا مهما لابد منه لكل من يتصدى ويتصدر للعمل الخيري والاجتماعي فالناس وخدمتهم وقضاء حوائجهم كان ديدن الرجل وعمله اليومي فلم يقصده قاصد أو صاحب حاجة في ساعة من ليل أو نهار إلا واهتم الرجل واجتهد وسعى وتحرك حتى يتم قضاء الحاجة وتقديم الخدمة ولم يكن يهنأ له بال أو يستريح حتى يقضي الحوائج أيا كانت ورغم أن الرجل كان يستعين ببعض أبنائه في قضاء بعض الحوائج إلا أنه في بدايات مشواره الخيري وحتى سنوات قليلة ماضية وقبل أن يشتعل الشيب وتوهن القوى كان يقوم بنفسه قاضيا لحاجات الناس متنقلا بين الدوائر الحكومية والدواوين الرسمية طالبا قضاء حاجة محتاج أو شافعا لمن وقع في كرب يريد تفريجه .

حتى قال عنه مدير مكتبه الأستاذ الفاضل محسن الناخبي أن الشيخ عمر كان يقوم بمهنة (المعقب) للدلالة على جهود الرجل في خدمة الناس وقضاء حوائجهم .

إن هذا النموذج في خدمة الناس وقضاء حوائجهم عز وجوده اليوم وتراجعت ثقافة الخدمة إلى حد كبير إلا من رحم الله وهو ما ينبغي إحياؤه وإشاعته وتفعيله بين جمهور المجتمع .

ولم يكتف الشيخ عمر بأن تكون خدمة الناس مجرد عمل فردي يقوم به بل قام رحمه الله بفتح مكتب يدير وينظم ويتابع ويرصد ويقضي حوائج الناس ، وذلك لكثرة الحوائج والخدمات التي يطلبها الناس ولعل الرجل بعمله هذا قام بالكثير مما تقوم به مؤسسات وهيئات الشئون الاجتماعية وغيرها .

وتدل تجربة الرجل أن خدمة الناس وقضاء حوائجهم بنفسه لم تكن ضمن اهتماماته فحسب بل هي جزء من متعة حياته ومن صميم رسالته وعمله الخيري الذي يقصد به وجه الله ولعل يقينه في حصول الأجر واحتسابه يسر له خدمة الناس .

يبقى أن نقول أن دروس تجربة الشيخ عمر بادحدح لم تنته بعد وأن ما سبق مجرد جردة أولية لما رأيته متميزا ومتفردا في مشروعه وتجربته الخيرية وتبقي في تجربته الدروس التربوية والبصمات الأسرية وهي كثيرة وغنية وتحتاج إلى مدارسة وتأمل واستفادة ورصد وهو ما يلقي بالمسئولية على أبنائه وأحفاده ومحبيه في استكمال ورصد وتوثيق هذه التجربة الثرية والغنية بدروسها ونقلها إلى الأجيال الجديدة لعلهم يطلعون على دور علم من أعلام الرجال الذين تركوا بصماتهم في خدمة مجتمعهم وأمتهم وقدموا نموذج لما ينبغي أن يكون عليه المؤمن الصادق .

إن تجربة الشيخ عمر بادحدح يمكن أن تمثل بلا مبالغة مادة غنية لأطروحة ورسالة جامعية حول (العمل الاجتماعي والخيري في تجربة عمر بادحدح) وربما تكون هذه الدراسة التي بين أيدينا بداية لهذا العمل العلمي .

riyadmilan
08-Jul-2012, 06:06
الله يجزاه الخير

همسات مبدعه
19-Jul-2012, 12:51
.. اللـــه يــعطييييه الــعآإآفـــية ..~